لا قرارَ معَ آلعمى

464

عزيز الخزرجي
ألمُثقف حين يُمسخ ضميره و يموت قلبه و وجدانه ليبقى كتلة من اللحم و العظم و الشعر و الدم والعروق؛ لا يُمكنه رؤية الحق, بل يرى العكس, يرى الباطل حقا و الحق باطلا, و هذا ما وقع و يقع في العراق على كل صعيد, بإستثناء الشهداء الذين أختارهم الله تعالى لينعموا بآلخير والخلود بقربه, حيث أقبلوا عليه تعالى بقلوب سليمة, بعيداً عن ا للؤماء و المنافقين الذين لا قرار لهم مع ذلك العمى.
ألعراقيون تربوا منذ قرون و ليس فقط 40 عاماً كما يقولون؛ على أخلاق البعثيين الذين علّموهم كتابة التقارير والحسد و الكذب والنفاق والخدعة والأجرم ليتميّزوا عن كلّ آلخلق في الوجود؛ نعم معظم العراقيين, خصوصاً الذين حكموا و تحزبوا قبل و بعد 2003م؛ قد تربوا على النفاق والنهج البعثي ومعاداة الحقّ وأهل الحقّ الذين تمّ تغيّبهم و تشريدهم بعد ما إستهلكوا نظرياته و حاله و حقوقه, لأنهم – أيّ الشهداء – لم يستطيعوا التأقلم ليس فقط مع الشعب الذي إنمسخ ؛ بل حتى مع عوائلهم و ذويهم لجهلهم بأبسط مبادئ الحياة والأدب وآلمعاشرة, فلا الآباء ولا الأمّهات ولا المدارس و لا الأعلام ولا المساجد و لا الحوزات إستطاعت أنْ تربّي ولو ثلة من الناس يمتازون بأخلاق كونيّة وطيبة وإصالة و صدق لهداية الناس وحفظ المجتمع, و الشهيد الصدر الأول(قدس) أدرك هذه الحقيقة في أيامه الأخيرة بعد ما تأسف على صرف عمره بتعليم طلبته في زوايا وغرف الحوزة منهمكين على قواعد أصولية و فقهية بالية لم تنفعهم كثيراً؛ مُفضّلاً بدلها إقامة علاقات مودّة و صداقات أخوية مع الناس والعيش معهم و مشاركتهم آلامهم لهدايتهم, مؤكداً: لو أنّ كلّ طالب منكم كان يقيم علاقة صداقة حميمة مع خمسة من ألناس كآلبقال الذي يتسوق منه و سائق السيارة التي توصله و جاره وهكذا .. فأنّ عملية التغيير كانت ستأخذ مجراها و لا يمكن لأمثال صدام أو حزب سياسي أن يحكم و يفسد العراق, لكن تلك (الحوزة التقليدية) ما زالت لا تمتلك وعياً كاملا و شاملاً من ناحية المعارف الأنسانية والعلوم الأجتماعية و النفسية و التربوية والسياسية والفلسفية التي تؤهلهم ألقيام بعملية التغيير, و لهذا فشل العمل الأجتماعيّ التغييري وسادت الفوضى و الدمار و النهب و القتل بدل الصلاح والمدنية والحضارة, وعلى يد طبقات و أحزاب سياسيّة فاسدة ليس فقط تحب الفساد و النهب وإستهلاك الفرص لأجل راتب و منصب و تقاعد؛ بل باتت تعادي(العدالة) وأهل الحقّ و الفلسفة, و تنتهز الفرصة تلو الأخرى لأعدامهم وتشريدهم بأيّة وسيلة و بأسرع وقت ممكن ليخلو الجو لهم, و إنتفاضة الجماهير المليونية اليوم في بغداد والعراق؛ إنما حدثت لفساد الطبقات والأحزاب والشخصيات السياسية, لهذا رفضهم آلشعب, وإن أخطأ في الحل!

ففي العراق اليوم و كما يعلم الجميع مئات الأحزاب السياسية والحركات الأجتماعية والمنظمات “الفكرية والثقافية” والمجتهدين والمراجع و الجامعات, بغض النظر عن مدى معرفتهم بمعنى الفكر و الثقافة وتطبيقاتها, ومن العجائب أنّ شخصا كتب مقالاً قبل أيام في موقع (بصائر الحق) المحدودة وكان يدير سابقاً (شبكة الأعلام العراقي), وتبين جهله في الفرق بين المدنية و الحضارة وهكذا جميع تلك الأحزاب و الحركات لا تريد الحقّ ولا فهم الحقيقة, بل تريد (الكاش) بالحصول على منصب عبر السياسة و الحزب و المنظمة و حتى المرجعية لضرب (ضربة العمر) كآلسابقين ثم الانسحاب التكتيكي والتبري من العراق, ليعيش مع مَنْ يُعجبه في قصره و بيته المجلل و سيارته الخاصّة وآلتمتع بأموال الفقراء التي جمعها بآلحرام مفتخراً بكبريائه ليختم حياته بموت أصفر ذليل لا تُذرف دمعه لموته حتى من زوجته وأبنائه! هذا ناهيك عن جهل العراقي بمعنى الأسفار و العشق و المحبة و سببب فسح المجال أمام الشيطان لغواية العباد وبآلمقابل إمتناع أبو الفضل العباس من شرب الماء في عز الظهر مع حرارة الجو و تلاحم المقاتلين.

ألدّين ألذي هو الأساس في تغذية أخلاق الناس و تحديد سلوكهم؛ دين مشوّه وقشري لمنفعة العمائم الكبار والمتشبثين من المحيطين بهم أو من قبل الحاكمين الذين لا يستطيعون الإستمرار إلا بغطاء منهم؛ فكيف يمكن لهذا الوضع الذي يُراد فيه من ألدّين أكل الدنيا أن يتحقق التغيير و العدالة؟ بينما آلمُدّعين للثقافة و الفكر والأدب أنفسهم لا يُريدون ذلك عملياً؟

تصور لأيّ حدّ وصل التعصب والتخلف وردود الأفعال من (آلمثقفين) ناهيك عن (العوام) إن صح التعبير حين أشرت في آخر مقال(1):
إلى إستحالة حلّ الأزمة العراقية و مظاهرات الناس؛ بحلّ الحكومة فقط و كما يُنادي البعض؟ لأنّ الحكومة الجديدة هي من نفس (الطينة – ألحمأ ألمسنون) التي خرّجت الحكومات السابقة وبإنتخاب الشعب, بل حلّ الحكومة سيُعمقّ المشاكل العكس وتتعقد الأمور الأمور و تنتشر الفوضى و حتى حرب الشوارع؛ بل الحلّ الأمثل برأي و كما أعلنت مراراً, لدرء ألفتنة و ألخراب الذي أوجده السياسيون؛ يتحقق بتطبيق (العدالة) لا أكثر ولا أقلّ, و (العدالة) تحتاج لمسألتين فقط لا ثالث لهما:
ألأوّل: إرجاع جميع الأموال(الرّواتب) و (التقاعد) ألحرام التي سرقها المسؤولون للآن من ألرئيس وحتى آلمدير ألعام أو مسؤول مؤسسة وألمستشارين.
ألثاني: سنّ دستور جديد يُلغي القرارات الرئيسية والفرعية بشأن الرواتب و الحقوق آلتي أوجدها الأجانب مستهدفين حقوق الناس بعيداً عن معايير الحقوق الأجتماعية والعدالة العلوية التي تأمرنا بآلأنصاف و المساواة بين الناس خصوصاً ألمنتسبين للعمل الحكومي بكل أصنافهم ومستوياتهم من الرئيس و الوزير و النائب حتى العامل و الجندي, ولا يهم كيف سيستمر البناء و الأعمار في ظرف كظرف العراق خلال سنة أو سنتان, و لتتعطل جميعها و هي معطلة أساساً .. فهناك المطلوب ألأهم الذي بدونه يستمر الظلم, وهو التركيز على حلّ جذور الفساد الذي وصل المخ و سرى في الدم كآلسّرطان, بسبب الفوارق الطبقية و الحقوقية و الرواتب و المخصصات و النثريات و الإيفادات و التعينات بآلتحاصص والديون المئات مليارية, ألمُهم قبل كلّ شيئ ؛ قطع دابر الفساد من الأساس, و الخير يأتي تباعاً, خصوصا الثقة التي فُقدت بين الحاكم (المسؤول) و الشعب (ألمهضوم), وعندئذٍ يكون بناء الحضارة و آلمدنيّة كتوأمان للسعادة سهلاً, فبقربنا والحمد لله تجارب حية, وعندها يحس أبناء المجتمع بضمان حقوقهم وتحكم العدالة والمحبة في الله بين الناس الذين وقتها يشعرون بوطنهم و يتسابقون لبنائه والتضحية لأجله, بعكس الآن حيث تهيّئت كل منظمة وجماعة و كروب و حزب و جمعية و منظمة كآلذئاب و آلأفاعي و العفاريت و الحيتان آلتي تنتظر سقوط الحكومة للحصول على الفريسة والفوز بآلمال و المناصب لنفسها وأحزابها و منظماتها ليبدء آلنهب والفساد من جديد و بألوان آخرى مختلفة, لتكرار ما فعله السابقون بشكل أسوء(2) ثأراً لمظلوميتهم وهكذا دواليك, والعراق لكونه أغنى دولة لشعب فاسد, أصبح أبو الفساد و مضرب للأمثال حيث يتفنن العراقي ويتحايل حتى على الله بطرق يعجز الشيطان الأتيان بها للأنتصار لذاته و لجيبه و عشيرته مختلقاً ألف عذر شرعي وقانوني, بل على إستعداد لبيع ألف إله و قتل ألف حسين للفوز (بضربة العمر) ليُردّد بعدها ألمثل العراقي؛ (عساهم نارهم تاكل حطبهم), وليبدأ بآلعبادات المختلفة: لا الدّعاء والصلاة و آلعزاء للحسين(ع) أمام الناس فقط .. بل حتى إقامة صلاة الليل و كما فعل بني العباس و غيرهم حتى صدام في أواخر سنوات حكمه وفي أيامه الأخيرة كان يحتضن القرآن أمام الناس الذين كانوا يُقتلون لمجرد ضبط القرآن في بيوتهم وآلمشتكى لله, معتقداً – أي الفاسدون – ولجهلهم بآلفكر و العقيدة بقدرتهم على المكر و إستغفال الله حاشاه ليغفر له, بتلك الأعمال التي أساسها بُني على الحرام!
إن هؤلاء الظالمين لو كان قد قرؤوا حديث الحقوق المتواتر فقط و الذي يؤكد بأنّ [الحقوق أربعة؛ حقٌّ لكَ؛ و عليكَ؛ و بينكَ و بين الله؛ و بينك و بين الناس, فأما الثلاثة الأولى فلا يعتد بها الله كثيراً سوى الثالثة لأنها تتعلق بحقوق الناس], لأنه خطٌّ أحمر لا يستطيع حتى الله تعالى نفسه من تجاوزها و غفرانها, لأنها تُناقض عدالته حتى لو إستشهد مرتكب آلظلم في سبيل الله.
ولا يستوى الأعمى و البصير!؟
ولا الظلمات ولا النور!؟
ولا الظل ولا الحرور!
ولا الأحياء مع الأموات!
ولا المجاهد مع سقاية الحاج!؟
ولا المؤمن النظيف الثياب مع أهل الأربطة والكروش و العروش الحرام!؟
و الله تعالى يُسمع من يشاء وما أنتَ بمسمع مَنْ في القبور!؟
وهكذا يبقى آلفرق كبيراً بعرض السموات و الأرض بين أصحاب الجنة و أصحاب النار أعاذنا الله و إياكم.
ألفيلسوف الكونيّ
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) https://kitabat.com/2019/10/31/%D9%84%D8%A7-%D8%AD%D9%84-%D9%81%D9%8A-(1) %D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9/
(2) سألتُ السيد الجعفري و ألمالكي والبياتي بحضور السيد النوري وآخرين جمعتنا الصدفة في المركز الأعلاميّ في الشام عام 1995م: [هل أعددتُم البرنامج ألبديل المطلوب, كالدستور وشكل الحكم بعد صدام الذي بات سقوطه محتوماً من الغرب وكما فهمته من الغربيين؟
وبدل أنْ يُجيبوا بجواب إلهيّ منطقي ومنهجي على الأقل ناهيك عن إسلامي و إنسانيّ لعدم دركهم لمعناهما؛ تعصبوا وغضبوا وأبغضوني – خصوصاً الجعفري و المالكي – وغيّروا مجرى الحديث, و تركوا أهم قضية بعد السقوط, ومن حينها كشفتُ نواياهم ألمادية بلباس الأسلام و الصدر لضرب ضربة العمر و شهدت ذلك بعد ربع قرن, فهل قدرنا أن نستشهد كل مرّة حتى يُصدقنا الناس!؟



التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة لا يمكنك اضافة تعليق.