كراســـي تمـــليك … تصـــنع الازمـــات والطـــغاة

796

نهاد الحديثي
السباق نحو السلطة, هو سباق أزلي منذ عصر اليونان عندما كان الامراء والحكـام يتسابقون نحو ضم الاقاليم الى ممالكهم وذلك بالضغط والاجبار والغزو وكلهـــا صـور لانتهاك حرية الاختيار والتوجه السياسي السليم والحر, الذي يفرض الــرأي الـــواحــد والحاكم الواحد. ان سلطة القوة في اتخاد القرار السيـــاسي وفرض تيـــار اديولوجي سيـاسي معـــين قد تتواصـل الى يومـنا هذا بصـورة أقل في المـجتمعات المتقدمـة بـخلاف المـجتمعــات المتخلفة الا ان الوسـائل اختـلفت, وذلك لمـا شهده العـالم من تطــور فكــري وعلـــمي ولم يبـق للادوات القديمة-الغزو والاحتكار والضغط المسلح- اي وجود.
يقول شارل ديغول :– الزعيم الحقيقي يبقي دائما في جعبته عنصر من عناصر المفاجأة لا يمكن للآخرين أن يستوعبوه، لكنه يُبقي أفراد شعبه متحمسين ومبهوري الأنفاس،، “” ويضيف–لقد نشأت على احترام السلطة واحترام من يمسكون بزمام الأمور”.. أي الشعب !!، وشارل ديغول هو من أبرز رؤساء فرنسا في القرن العشرين وربما يكون من أفضل القادة والساسة الذين حكموا فرنسا في العصر الحديث، فهو باني نهضة فرنسا الحديثة، ومؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، وقبل ذلك كان الجندي الذي شارك في الحروب للدفاع عن تراب فرنسا في وجه هتلر ألمانيا، وينظر الفرنسيون إلى شارل ديغول إلى أنه الأب الروحي للجمهورية الفرنسة الخامسة، ويرجع الكثير من الفرنسيين الفضل إلى الجنرال ديغول في استقلال بلادهم من الجيوش النازية أثناء الحرب العالمية الثانية ، وبعد ان أنهى مهمته في الدفاع عن فرنسا وصنع لها الاستقلال، وجد من المناسب أن يترك السياسة لأهلها، رغم انه مقتنع تمام ان من يعرف السياسيين عن قرب يعلم جيدا أن بناء الدولة ليس من اهتمامهم، لذلك اضطر في عام 1946م إلى ترك السلطة في بلاده بسبب اعتبره أنصاره مؤامرات من الأحزاب ضد سلطته، فاضطر لترك السلطة واستقال لأنه لا يستطيع حكم البلاد كما يشتهي ووفقا لأفكاره الخاصة .
الزعماء العرب ومنهم العراقيون ، لم يتعلموا هذا الدرس الهام من ديغول، فإن شارك أحدهم، مجرد مشاركة، في ثورة –كحال الرئيس مبارك- أو قاد الثورة- أو صعد نجمه في انقلاب عسكري أو دس المؤامرات ضد زعيم وصعد مكانه – فيعتبر نفسه الزعيم الملهم وصانع المعجزات وصاحب المجد الذي لا يضاهيه مجد بل هو سبب وجود هذا البلد أو ذاك!! كيف لا وهو الواهب والمعطي والرازق والعياذ بالله!! فلا ينفك احدهم عن إطلاق الألقاب على نفسه وكأنه آلهة لا بشر قادته مصائب الدهر أن يصل لسدة الحكم هنا أو هناك، المليون ضد فرنسا.
وبعد أن ضاقت الأمور على الفرنسيين، لم يجدوا بدا من الاستنجاد بالأب الروحي لفرنسا ديغول، ليعود مجددا للسلطة في عام 1958م بعد 12 عاما على خروجه منها، وبعد تردد وافق ديغول تولي السلطة لإنقاذ بلاده من المستنقع الجزائري والتوترات السياسية الداخلية . وهذا الدرس الثاني للزعماء العرب أين يتعلموا جيدا ان الشعب هو صاحب الإرادة في التغيير والإصلاح، وهو صاحب شرعية بقاء الرئيس من عدمه او وجوده او رحيله، لكن هيهات أن يتعلموا الدرس لأنهم لم يفقهوا سوى دروس الاستبداد والدكتاتورية والاهانة للشعوب العربية !!لكن كل الإنجازات العظيمة التي حققها ديغول للشعب الفرنسي على مدار العقود الماضية، وما حققه من رخاء اقتصادي وأمن سياسي وحريات عامة وتوسيع مجال مشاركة المرأة وجعل إرادة الشعب فوق أي اعتبار، كل ذلك لم يشفع لديغول عند الشعب الفرنسي عندما اندلعت مظاهرات عام 1968م التي بدأها الشباب من طلاب وعمّال –وهي نفس وقود ثورة مصر وتونس واليمن وليبيا احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية والعمالية في باريس والمطالبة بإصلاح النظام الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي في البلاد، فانطلقت المظاهرات التي عمت باريس وبعض مدن فرنسا، وخلالها أعلن رئيس الجمهورية ديغول عن إجراء استفتاء حول جملة إصلاحات يزمع القيام بها، لكنه ما لبث أن أرجأ الاستفتاء بناءً على اقتراح رئيس وزرائه جورج پومپيدو، لمصادفة الاستفتاء مع الانتخابات النيابية.

لم يخرج ديغول فرنسا ليقول للعالم أن هؤلاء المتظاهرين، مجرد حفنة تقف ضد الشرعية، وممولة من جهات أجنبية معادية، او جماعات متظرفة دينيا او سياسيا ضد حكمه، كما فعل الزعماء العرب، الذين لم يتركوا تهمة الا والصقوها بجماهيرهم المنادية بالحرية والديمقراطية والتغيير والإصلاح السياسي، فمبارك مصر وصفهم بجماعات متطرفة وحثالة تحاول الانقلاب على نظام الحكم! كما يفعل اصحاب كراسي تمليك
وجرت الانتخابات كاستحقاق دستوري ديمقراطي وسط انهماكات سياسية وعدم ثقة بنية ديغول إجراء الاستفتاء، وما ان انتهت الانتخابات حتى حدد ديغول موعد الاستفتاء في 27 نيسان/ابريل 1969، رغم أن الأحزاب وغالبية الفرنسيين ظنَّوا وقتها أنّ ديغول يحاول أن يلتَمِس العاطفة الشعبية لقبول اقتراحاته الإصلاحية من الشعب الذي كان يرى في ديغول منقذ فرنسا، دون ان يجري الإصلاحات حقا!!لكن ديغول ليس زعيما عربيا مستبدا كي يلتف على مطالب شعبه وإرادته او يستخف بوعود قطعها لهم، لأنه بكل بساطة لم يصل الى رئاسة الجمهورية على ظهر دبابة، كغالبية زعماء العرب، ولم ينقلب على والده، كما فعل بعض زعماء العرب تاريخيا ومعاصرة، ولم يرسم المؤامرات لينقلب على الشرعية ويصل لكرسي الزعامة، كما فعل بعض قادة العرب اليوم، بل وصل ديغول عبر إرادة الشعب الذي انتخبه بكل حرية ونزاهة، فلم يستغل ديغول تلك المحبة الجارفة له للاستئثار بالسلطة الى الابد، وكان بإمكانه ان يقضي على المظاهرات الشعبية لأنها ضد الشرعية الرسمية التي أوصلته الى سدة الحكم، لكنه قالها صراحة، بخلاف ما يضمره زعمائنا العرب ضد شعوبهم، “جئت بإرادة الشعب وسأترك منصبي بنفس الإرادة”!!
لله درك يا ديغول كم أخجلتنا، شعوبا وأنظمة وزعامات فارغة، شعوبنا تخجل وهي تقرأ سيرة زعيم يحترم شعبه وتقارنه بزعيم عربي أخر يقيم إمبراطوريته على جماجم وجثث شعبه!! بين زعيم يخضع راضيا مقتنعا محترما لشعبه، وأخر عربي يصف شعبه “بالجرذان والحشرات”!! يموت بعض الزعماء العرب خجلا وهم يقرؤون هذا الكلام ولا يفهمون معانيه ودلالته، كيف لهم ذلك وهم لا يقيمون أصلا أي وزن لإرادة الشعوب وحريتها وحقها في اختيار قائدها ونظامها!



التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة لا يمكنك اضافة تعليق.