الأكثر مشاهدة

لماذا تعمّدت إيران الانتقام لسليماني تزامُناً مع دفنه في مسقط رأسه؟

لماذا تعمّدت إيران الانتقام لسليماني تزامُناً مع دفنه في مسقط رأسه؟ وهل ستُخفِي واشنطن خسائرها في قاعدة “عين الأسد” ومقتل 80 عسكريّاً؟ ولماذا فشلت في حماية القاعدة؟.. ماذا خلف سُقوط الطائرة الأوكرانيّة المدنيّة بعد إقلاعها من مطار الخميني بالتّزامن؟

عمان- خالد الجيوسي:
نجحت إيران أو لم تنجح في إدارة أزمة الشهيد الفريق قاسم سليماني، هو السّؤال الأكثر تردّداً في الأوساط السياسيّة، والعسكريّة، والإعلاميّة، فبعد الرّد باستهداف جناح الأمريكيين في قاعدة عين الأسد ببغداد وقاعدة أربيل والتاجي، تتّجه الأنظار نحو الرّد الأمريكي على الرّد الإيراني، الذي جاء بعد اغتيال الولايات المتحدة الأمريكيّة سليماني، في عمليّةٍ اعتبرتها إيران بالغادرة، ورئيس الوزراء العراقي المُستقيل عادل عبد المهدي، بالزيارة الرسميّة، حيث كان من المُفترض بحسبه أن يلتقي سليماني صباحاً، أيّ بعد ساعات من وصول الأخير إلى بغداد، واغتياله، بصفته مسؤولاً إيرانيّاً.
بحُكم الواقع، نجحت إيران في تقديم الرّد السّريع، وتحديداً حتى قبل ساعات من استكمال مراسم تشييع الفريق سليماني، ووصول جُثمانه إلى مسقط رأسه كرمان، ووضعه في مثواه الأخير، كان الحرس الثوري الإيراني، يُعلن سُقوط 13 صاروخاً على القاعدة الأمريكيّة عين الأسد الأنبار غرب العراق، وتأتي الصّور تباعاً للحظة سقوط الصّواريخ في إطار عمليّة حملت اسم “قاسم سليماني”، مع هتافات “الله أكبر”، فيما لا يصدر أيّ تصريحات واضحة من الولايات المتحدة حول خسائرها، وهي التي تضاربت الأنباء الرسميّة حولها.
وكالة “مهر” الإيرانيّة، كانت أوّل من بثّث نبأ سقوط 80 قتيل عسكري أمريكي جرّاء الحادثة، ثم تبعها التلفزيون الإيراني، ووكالة حرس الثورة، هذا عدا عن الخسائر بالمُمتلكات العسكريّة، واحتراق مدرج للهُبوط، وتدمير طائرة، وهو عدد لم يجر التحقّق منه (80 قتيل)، أو لم تقر به الولايات المتحدة، فيما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُغرّد “كل شيء على ما يُرام”، ثم لا يجري استدعاء وسائل الإعلام للتحقّق من أنّ كُل شيّ على ما يُرام في القاعدة، كما يقول ترامب.
وبحسب وكالة “تسنيم” الإيرانيّة، فإنّ الحرس الثوري استخدم في هذه العمليّات صواريخ من نوع “قيام” الباليستيّة التي يبلغ مداها 800 كلم، وكان قد تم الكشف عن ذلك الصاروخ العام 2010، واستخدام هذا الصاروخ هو تأكيد عملي بحُكم الواقع، على امتلاك الجمهوريّة الإسلاميّة ترسانة صواريخ مُتعدّدة الأنواع، وهي التّرسانة التي كانت ترفض التّفاوض حولها، ومنع تطويرها، ضمن بنود الاتفاق النووي، الذي انسحبت أخيراً منه، واتّجهت نحو تخصيب اليورانيوم بلا قيود، وبعد اغتيال سليماني تحديداً.
في الأدبيّات الإيرانيّة على الأقل، وحتى هذه اللحظة من كتابة هذه السّطور، يبدو الرّد للإيرانيين كافياً، وحازماً، وجازماً، فمجرّد اختيار القاعدة الأمريكيّة، وضربها تحديداً من إيران، لا عبر الوكلاء بحسب التُقديرات، وتحديد ساعة الصّفر، وتوثيق لحظة الإطلاق، لهو الإنجاز بحسب التقييم الإيراني، ولم يسبق لدول إسلاميّة أو عربيّة، أن قامت باستهداف القواعد الأمريكيّة بالصّواريخ، وعلناً، ودون مُواربة، ومن ثم يُعلن وزير الخارجيّة جواد ظريف، انتهاء عمليّة الرد على اغتيال سليماني.
الرّد الإيراني لعلّه انتهى في حال لم ترتكب الولايات المتحدة الأمريكيّة حماقة على حد توصيف المسؤولين الإيرانيين، يستدعي ردها على حيفا ودبي، وتحديدها أهدافاً مُسبقة لضربها، لكن تصريحات المرشد علي خامنئي قد تُعيد فتح الأبواب حول رد المرحلة الثانية بعد رد الأربعاء “الأوّلي”، فالمرشد وصف الرّد بالصّفعة لكن اعتبره غير كافٍ، وأعاد التّركيز على ضرورة إخراج القوّات الأمريكيّة من المنطقة، وهو لعلّه يطرح الهدف رقم 2، ضمن قائمة أهداف وضعتها القيادة الإيرانيّة “للقصاص” من مقتل سليماني، وقد يأتي هذا الرّد الثاني هذه المرّة عن طريق أذرعها العسكريّة في العِراق، والمنطقة من خلال عمليات مُقاومة تُجبر الأمريكيين على الانسحاب من العِراق، نظراً لرمزيّة العِراق، واستشهاد الفريق سليماني على أراضيه.
خسائر الولايات المتحدة، والتي لا تزال غير معروفة، حتى كتابة هذه السّطور، والتي ستعمل الأخيرة على إخفائها أو عدم إعلانها، حجم تلك الخسائر هو ربّما الذي سيُحدّد الرّد الأمريكي، الذي يُجمع مراقبون أنه لن يأتي بكل الأحوال، على وقع تهديدات إيران بضرب إسرائيل في حال قام ترامب باستهداف العُمق الإيراني وأهدافه، وإلا إذا كان يحمل الرئيس الأمريكي أمراً مُخادعاً ما، على شاكلة مُفاجأة اغتياله سليماني، ودون سابق إنذار، فيما تقوم أمريكا بإخلاء بعض قواعدها في سورية الحسكة تحديداً، والعِراق بعد الرّد الإيراني، مما يطرح تساؤلات حول تحضيرها لعمل عسكري جريء ضد إيران، يحتاج منها تأمين سلامة جنودها.
هُناك سيناريو، جرى تقديمه على بعض المحطّات الخليجيّة، يقول إنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة، كانت تعلم بتوقيت الضّربة، مما سمح لها بتأمين قوّاتها، ولكن طهران أعلنت أنها أبلغت واشنطن بالضّربة خلال تنفيذها، وهو ما تعتبره إيران استهداف أهدافاً مشروعة، ردّاً على الاستفزاز الأمريكي باغتيال سليماني، وبالتّالي قد يكون من غير المنطقي وفق تقديرات البعض، أن يكون الرّد الإيراني قد جاء بالاتّفاق مع الأمريكي، خاصّةً أنّ السلطات الإيرانيّة رفضت كُل الوساطات، وأعادت مُرسليها بخفي حنين، وأصرّت على وجوب القصاص، لمكانة سليماني أوّلاً، ورغبة الشارع الإيراني في الانتقام، والذي خرج بالملايين لتشييع قائد فيلق القدس الراحل.
جَدلٌ ذات طابع عسكري، أيضاً قد ثار على وقع الرد الإيراني، وهو سرعة ودقّة الصّواريخ الإيرانيّة في استهداف القاعدة، دون تمكّن أنظمة الباتريوت الأمريكيّة التصدّي لها، وتمكّنها من إصابة الجناح الأمريكي على وجه التّحديد، وما أثار تساؤلات حول تمكّن تلك الصواريخ من اجتياز الإجراءات المُتّبعة الأمريكيّة في حماية قواعدها، وهو ما فسّره خبراء عسكريّون بنظام رشقات الصواريخ السريعة، والتي لا يكون بينها، وبين الضربة مسافة، حتى تمكّن الخصم من اعتراضها، وبالتّالي الفشل الأمريكي في اعتراضها.
وعلى هامش الرّد الإيراني، كان لافتاً سقوط طائرة أوكرانيّة تحمل ركّاباً مدنيين بالتّزامن، ومقتلهم جميعاً 176، وقد تحطّمت الطائرة بعد إقلاعها بفترةٍ وجيزةٍ من مطار الخميني، وكُل التّصريحات الرسميّة صبّت في أن يكون سبب سقوطها عطلاً فنيّاً، لكن الخطوط الجويّة الأوكرانيّة نفت أن يكون هناك أعطال في الطائرة المنكوبة، وهو ما فتح باب الجدل حول سبب سُقوطها، وفيما إذا كان جرى إسقاطها بذات صواريخ الرد الإيراني بالخطأ، وهي نظريّة تبنّتها قناة “العربية” خلال تغطيتها الرّد الإيراني، وهو ما بدا للبعض من المُعلّقين كمُحاولةٍ إعلاميّة لحرف الأنظار عن الرّد الإيراني، أو اتّهامه بالفشل، خلال استعراضه الانتقام أمام العالم.
ومع أنباء انسحاب القوّات الأمريكيّة من بعض قواعدها في المنطقة، تصدّرت الكويت هذه الأنباء أيضاً، فبعد تصدّر نبأ الانسحاب الأمريكي من معسكر “عريفجان”، نفت الحكومة صحّة الخبر، وأشار متحدثها إلى اختراق موقع وكالة الأنباء الكويتيّة “كونا”، وكانت أمريكا بحسب النبأ قد أبلغت الكويت أنها ستنحسب من المعسكر خلال ثلاث أيّام، وهو ما أثار حالة بلبلة في الكويت، وتحديداً على وقع الرّد الإيراني، والإيحاء ضمن النبأ الكاذب، أنّ الحليف الأمريكي قد تخلّى عنها، فيما تُهدّد طهران على وقع اغتيال سليماني، باستهداف القواعد الأمريكيّة، وكُل الدول التي رهنت أراضيها للمُحتل الأمريكي بحسب توصيفها.
اختراق وكالة الأنباء الكويتيّة في هذا التّوقيت، أعاد للأذهان قضيّة اختراق زميلتها القطريّة، وما ترتّب عليها من مُقاطعة لقطر، على خلفيّة تصريحات حادّة منسوبة للأمير تميم بن حمد، كان قد نفاها ونسبها للاختراق، وهذا يطرح تساؤلات عن المُستفيد من خلق حالة عدم الثقة بين الكويتي والأمريكي، وعلى وقع التهديد الإيراني باستهداف دول الخليج، بينما تتعرّض الكويت إلى مواقف مُتوالية مُحرجة مع إيران، آخرها استضافتها لحركة النضال الأحوازي وتكريمها، والاتّهامات التي جرى توجيهها لها، وانطلاق طائرة اغتيال سليماني المُسيّرة من قاعدة علي سالم الجويّة، وهو ما أكّده بيان حركة عصائب أهل الحق العِراقيّة، وتنفيه الكويت تماماً.
المعركة بكُل الأحوال، لم تنتهِ بين الأمريكيين، والإيرانيين، لكن هذا فصل اغتيال سليماني، والكرة الآن بملعب الأمريكيين لخفض التّصعيد، أو تصعيد الأمور، والمعركة الكُبرى القادمة إن اندلعت لن تقتصر على طهران، فالأخيرة وحُلفاؤها، لا ينفكون عن توصيف المرحلة الحاليّة، بما قبل سليماني، وما بعده، وهي معركة بدأت بالعمل على إخراج القوّات الأمريكيّة من العراق، بسحب شرعيّة وجودهم عبر البرلمان العِراقي، لينتهي فصلٌ من خلاف، ويبدأ فصلٌ آخر..

وسوم :