بيت (المدى).. يحتفي بالذكرى الخمسين لرحيل العلامة عبد الجبار عبد الله

181

 بغداد/ محمد جاسم

 عدسة/ محمود رؤوف

كعادته في استذكار والاحتفاء بالرموز الادبية والسياسية والعلمية في العراق، احتفى بيت المدى بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاة العالم الكبيرعبد الجبار عبد الله وخصص جلسته ليوم الجمعة الفائت له، كما اصدرعنه ملحق “عراقيون” .

وصيته أن يدفن في بغداد

قدم للجلسة الباحث رفعة عبدالرزاق فقال:- كنا قد هيأنا للاحتفال بهذا العالم قبل اشهر لكن ظروف البلاد وبدء التظاهرات البطولية حالا دون اتمام ذلك. عبد الجبار من مواليد 1911 وعائلته تقول 1913 في قلعة صالح بالعمارة، اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة هناك، والاعدادية في بغداد بالاعدادية المركزية. اوفد الى الجامعة الامريكية في بيروت للحصول البكلوريوس في الرياضيات، عاد الى بغداد وبعد سنوات ذهب الى امريكا ليحصل على الدكتوراه في الانواء الجوية. بعد ثورة تموز 1958عين عبد الجبار رئيسا لجامعة بغداد، وقد ازدهرت الجامعة في زمنه كثيرا. وهو نجل الشيخ عبد الله الشيخ سام احد زعماء الطائفة المندائية وزعيمها الروحي في العراق منذ الستينيات. وكثيرا ماشاهدته في منزله بالكريمات، وكان بهي الطلعة بلباسه الابيض الانيق. وزوجته هي اخت الاستاذ غضبان الرومي، احد اثنين من المندائيين الذين اشتهروا بالكتابة والتأليف مع الاستاذ نعيم بدوي. بعد وفاة العالم عبد الجبار عبد الله في امريكا كتب بوصيته ان ينقل جثمانه الى بغداد حبا بوالده، وقد شيع جثمانه من داره في الكريمات تشييعا فخما ومهيبا. كنت احد المشاهدين لهذا التشييع عام 1969 بحكم سكني في تلك المنطقة. نقل جثمانه على محفة من عيدان القصب على طريقة الصابئة وليس كما يفعل المسلمون بوضعه في تابوت خشبي، وهي طريقة قديمة لدى المندائيين. بدليل ان الشريف الرضي رثا صديقه المندائي واستاذه اسحاق الصابئي (نقيب الطالبيين) قائلا:-

أرأيت من كان محمولا على الأعواد

أرأيت كيف خبا ضياء النادي

وحين سألوا الشريف الرضي كيف ترثي صابئيا وانت مسلم، فأجاب انا ارثي فضائل هذا الرجل.

الأول في كل المراحل

السيد عادل تقي البلداوي قال:- شكرا للمدى على اتاحة الفرصة لنا للحديث عن هذا العالم الجليل. المبدعون دائما يولدون من رحم المآسي القاهرة، وهو ما ينطبق تماما على الدكتور عبد الجبار، الذي ولد من رحم عائلة عانت الاضطهاد الاقطاعي بأبشع صوره في قلعة صالح، حيث كان الاقطاع سيفا مسلطا على العوائل الفقيرة والكادحة. وكانت العمارة كلها تعيش جمودا في الحراك الوطني، الذي يجري في بقية المحافظات. كما كانت المنطقة تتميز بالتسامح الديني بين الطوائف فكان فيها الصابئة والمسلمون واليهود يعيشون في اجواء التآخي. وبعد انتقاله الى بغداد في الاعدادية المركزية، التي كانت بؤرة ثورية احتضنت الافكار والحراك الوطني، وساهمت في التظاهرات الوطنية، وانجنبت الاعدادية قادة كبار مثل عبد الكريم قاسم وناجي طالب وعبد الجبار عبد الله. واكمل كليته فيما بعد في الجامعة الامريكية في بيروت وكانت مركزا مشعا للثقافة والحضارة. ومعظم خريجيها اصبحوا علماء مثل احمد سوسة وعبد الجبار وجمال عمر نظمي وفاضل الجمالي. وعندما عادوا انطلقت بسببهم الافكار التقدمية والوطنية والسياسية والتحرر من الاستعمار. كان الاول على الطلبة في جميع مراحل الدراسة حتى في الدكتوراه. واصبح استاذا في معهد المعلمين العالي، ويتميز بوطنيته رغم انه لم ينتم لاي حزب. وكان محبا للعلم والتنوير. انضم الى الجمعية العلمية التي اسسها عبد الفتاح ابراهيم زميله في الكلية، وحين اختاره الزعيم قاسم كرئيس لجامعة بغداد قال عنه (انه اودع الجامعة بيد امينة). واختاره وفضله على اهم ثلاثة علماء هم (صادق العزاوي وخالد الهاشمي ونجيب يعقوب). لكن نجيب الربيعي اعترض لانه صابئي، فزجره الزعيم وقال (الثورة جاءت لانصاف الفقراء والمساواة بين الناس بغض النظر عن الدين والمذهب). وحقق عبد الجبار نجاحا كبيرا في الجامعة، مركزا على وجود الحرية الاكاديمية واستقلالية الجامعة. واعتقل بعد انقلاب 1963 باعتباره احد اعمدة نظام عبد الكريم قاسم. وظل معتقلا بلا تهمة رسمية. وحين صار الدكتور عبد العزيز الدوري رئيسا للجامعة قال لن استلم المنصب الا اذا خرج عبد الجبار من المعتقل وسلمني الجامعة بيده. مات بالسرطان عن عمر 58 عاما بسبب اشعاعات التجارب العلمية التي كان يجريها بنفسه.

إنجازاته العلمية

د. عبد الله حميد العتابي قال:- في الجامعة الاميركية انضم الى الجمعية العلمية الوطنية للطلبة العراقيين هناك امثال (محمد حديد وعبد الفتاح ابراهيم وعلي حيدر وعبد الجبار)، وحين عادوا شكلوا نواة جماعة الاهالي واسسوا الرابطة الثقافية، ولعبوا دورا وطنيا وثقافيا في العراق. اهدافهم عراقية الهوى والمصالح. قيل الكثير عن تعيينه رئيسا لجامعة بغداد رغم ان الامر جرى عليه تصويت من الوزراء ومعظمهم من اصحاب الفكر اليساري الذي يميل اليه عبد الجبار، اضافة الى حسم الامر في النهاية من الزعيم لصالح عبد الجبار. واعتقد جازما ان سمعته العلمية العالمية ورصانته في العمل وانجازاته الكثيرة هي التي جعلت الزعيم يحسم امره. من انجازاته استقطب الاساتذة الجيدين من العراقيين في الخارج. ونشط حركة البعثات للخارج، كما اكد على تخريج الكوادر الوسطية لسد الشواغر وتنمية عملية التطور والتقدم، واسس لذلك معاهد الادارة واللغات والنفط والزراعة. واسس نواة الدراسات العليا للماجستير.

متاحف الخالدين

الدكتور علي حداد قال:-

اتساءل بعد هذه الجهود في تخليد الرموز العراقية، ومنها ما تفعله المدى.هل نكتفي بذلك؟ لا اعتقد، ويجب اقامة متاحف للخالدين نجمع فيها كل آثارهم التي تركوها لنا كثروة وطنية. كما تفعل دول العالم بتخليد ابنائها العلماء. فالفلسطينيون بعد وفاة محمود درويش بشهرين اقاموا له متحفا كبيرا، فماذا قدمنا نحن غير الشفاهيات. انه اهمال مقصود من الحكومة. ونعود لعبد الجبار ونقول لماذا نهتم به؟ هل لانه اول رئيس جامعة اوانه درس اختصاصا نادرا في الخارج ام لان تعيينه جاء بقرار سياسي معين؟ الاجابة هي انه خلق نظاما تعليميا جديدا ولم يكن وحده بل ساعدته الكوادر التي سبق للعهد الملكي ان ارسلهم للخارج ليزدادوا تعليما وتطورا. كذلك ساعده فضاء الوطنية آنذاك فأسسوا هوية عراقية في كل شيء. اما اليوم فاننا نتذكرهذه الشخصيات من باب جلد الذات. وعبد الجبار ومن بعده عبد العزيز الدوري اطيح بهما رغم انهما كانا من العلماء ولا انتماء سياسيا لهما. وهذا يعني ان السياسي هو المهيمن على الثقافي في كل العهود. وهذا شرخ كبير جدا. كان المفروض ان يعطوا دورا للادباء والعلماء في اختيار الكوادر العلمية الكفوءة، كما فعلوا ايام الملكية حين اختاروا الكرملي لتأسيس المجمع العلمي وهو اختار الرصافي والرصافي اختار اديبا آخر. اي ان يجري اختيار ديمقراطي لمن هو اكفأ، وليس ما تفعله السياسة اليوم في العراق، فمرة فشل 17 متقدما في اختبار الدراسات العليا، وبمعدلات ضعيفة، لكن يأتي بعدها امر الوزارة بقبولهم رغم ذلك.

إيقاف طرد العلماء

وقال الدكتور ماهر عبد الجبار الخليلي:- معظم علمائنا لم يحصلوا على حقوقهم المعنوية ويكرمهم التاريخ بما يستحقون. بعضهم مات بالخارج ولم يدفن في بلده وآخر سجن واهين كما عبد الجبار الذي (مات ناقص عمر) ولم يبلغ سوى 58 عاما. وعلينا اخذ العبرة مما حدث. عالمنا درس في معهد ماسوشستس اهم المعاهد العليا لدراسات الفلك والمناخ. وتخصصه الدقيق عن الكتلة الهوائية. وفي جامعة بغداد نظم فيها كل شيء وحقق الحرية والاستقلالية للجامعة وهو امر جديد على الانظمة في العراق. كذلك ارسى الاسس العلمية في الجامعات العراقية لمرحلة البناء لاحقا. واتساءل الم يحن الوقت لنوقف ظاهرة طرد العقول العراقية وجعل البلدان الاخرى تستفيد منهم على حساب بلدهم؟.

العلم للجميع

الاستاذ هيثم حميد ممثل الطائفة المندائية قال:- ان عالمنا لم يبحث عن مجد شخصي في انجازاته، بل كانت وطنيته وحبه للعراق هما اللذان يسكناه ويدفعاه لذلك. كان محبا للناس ويتبنى العلم للجميع. ويذكر احد اصدقائه ان دراسته وعلمه جعلت الامريكان يطلبونه للمساعدة في بناء غواصة. احد اصدقائه في الابتدائية قال: كان مثلهم في المدرسة لكن تفوقه بدأ يظهر من صف الخامس بحيث صار يعبرهم باشواط كثيرة، ولا يلحق بعلمه وتفوقه أحد منهم. كان اشبه بالعباقرة والنابغين، لم يعشق البحوث بل يحب التدريس لانه يؤمن بالعلم للجميع. ويهتم بطلبته ولا يحتكر المعرفة لنفسه حسب. كانت النساء يرددن في تشييعه:- (يا ابناء المدارس ياهل العلم.. سدوا مدارسكم) في تعبير مجازي ان العلم كان في هذا النموذج الانساني الطيب الذي يحب ان يوصل العلم للجميع. وبعضهم شبهه بغاندي. وختم المؤرشف هادي الربيعي بالقول (الوثائق التي امتلكها تقول مؤهلات عبد الجبار كانت افضل من عبد العزيز الدوري اثناء اختيارهما لجامعة بغداد. وفي محكمة المهداوي مثبت ان الدوري خدم حلف بغداد اكثر من الوطن. وذكرها محمد حسنين هيكل في كتابه سنوات الغليان عندما وصلت وثائق حلف بغداد الى مصر بأمر من عبد السلام عارف. وعرض الاستاذ هيثم مجلات كانت تصدرها جامعة بغداد في الخمسينيات.



التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة لا يمكنك اضافة تعليق.