السودان والبيضان في زمن الجوع العراقي والهوان !!

586

احمد الحاج

منذ نعومة أظافري وأنا أحب الهنود الحمر وذوي البشرة السوداء وأتعاطف مع قضاياهم المصيرية حول العالم ، وكنت ومازلت أقف بالضد من كل ما طالهم من حملات الرق والاستعباد الاستعمارية ونقلهم الى اوربا والاميركيتين قسرا ليخدموا هناك ضمن حملات متتابعة أعقبت ارتكاب مجازر وحشية وعمليات إبادة جماعية بحقهم في مجاهل القارة السوداء ، أما عن مجاعات أفريقيا فإنها تشكل عندي هاجسا لطالما أرقني وشغل ذهني وحز في قلبي حزنا عليهم ، ذاك أنهم يموتون بصمت وسط الفيافي والقفار من دون أن يرثيهم أحد ليظهر العنصر الابيض من بين أكوام الجثث بصفة – المخلص – وما هو كذلك طمعا بتنصيرهم وإستعبادهم وسرقة ثرواتهم التي لاتنضب مقابل الغذاء والدواء ، أعز الاصدقاء أيام الحرب العراقية – الايرانية كان واحدا منهم وكان يقرأ علينا خواطره التي يدونها يوميا فيبكينا هنيهة ، ثم لايفتأ يضحكنا بنكاته التي يرتجلها ارتجالا بحسب المواقف ، وأحب نجوم هوليوود الى قلبي هم ” مورغان فريمان، دنزل واشنطن، فورست ويتكر” وكلهم من الزنوج ، ولطالما تأثرت وأستشهدت باﻷمثال اﻷفريقية المستلهمة من وحي الغابة ، ومن رحم اﻷدغال في مقالاتي ، ومن أشهرها ” حينما يسخر الفأر من القط, فتأكد بأن هناك جحرا قريبا منه ” و ” لاتخبر الرجل الذي يحملك على ظهره بأن رائحته مُنتنة ” ولسنين طويلة كانت صور ومقولات ونضالات مالكوم أكس ( مالك شهباز ) الذي اعتنق الاسلام واغتيل في نيويورك بـ 16 رصاصة أثناء كلمة له عام 1965 حاضرة في ذهني ، وكذلك مارتن لوثر كينغ ، وهو من أشد المكافحين ضد التمييز العنصري في اميركا والذي اغتيل بدوره عام 1968، نيلسون مانديلا الذي ناضل طويلا ضد سياسة الفصل العنصري في جنوب افريقيا ومكث 27 عاماً من حياته في السجون بسبب ذلكم النضال المرير ، بطل العالم في الملاكمة محمد علي كلاي ، الذي سجن وحورب من جراء رفضه لسياسة بلاده الامبريالية وحرب فيتنام ، فضلا عن مئات الرياضيين والمفكرين والفنانين والمشاهير من ذوي البشرة السوداء ، ولم أكن يوما عنصريا وﻻ – لونيا – اذا صح التعبير ،ﻷن النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم نهانا كليا عن التمييز العنصري وحسم ذلك بقوله الشريف : (( لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى)) وهذا ما تربيت عليه في عائلتي ومجتمعي منذ الصغر .
في مكتبتي الورقية والالكترونية هناك كتاب الجاحظ – وهو أسود اللون – ” فضل السودان على البيضان ” ، وكتاب ” ابن الجوزي ” تنوير الغبش في فضل السودان والحبش ” ، وكتاب الامام السيوطي ” رفع شان الحبشان “، وكتاب البخاري المدني – وهو غير الامام البخاري – ” الطراز المنفوش في محاسن الحبوش ” وتلك الكتب بمجملها تفصل لنا كل شيء عن أشهر وأشعر وأنبل وأتقى وأزهد – السود – في التأريخ وفي مقدمتهم ، لقمان الحكيم ، ومؤذن الاسلام بلال الحبشي ، فضلا عن ملك الحبشة “النجاشي” وهؤلاء الثلاثة أشهر من نار على علم.
اﻻ أن الوثيقة اﻷخيرة الصادرة عن اﻷمم المتحدة والتي طالبت فيها بوقف التمييز العنصري ضد – ذوي البشرة السوداء – في العراق بمدة أقصاها 4 سنين وعدم التمييز ضدهم والكف عن تهميشهم في التعيينات وتولي المناصب السياسية ، قد أثار دهشتي وحنقي في آن واحد كوني لا أعلم قبل اليوم بوجود تمييز ضد السود في العراق بناء على لون البشرة ، أما عن الفقر والجوع والجهل والمرض فهذا يتساوى فيه “البيضان والسودان” هاهنا في بلاد مابين النهرين التي تجعل الحليم بفتنها المستمرة حيرانا ، وﻻعلاقة للامر جملة وتفصيلا بلون البشرة إطلاقا ، ولعل فكرة التمييز هذه قد أثارتها ﻷول مرة منظمة ” حركة العراق الحرة” كما تطلق على نفسها والتي أسسها ، الناشط المدني جلال ذياب ، عام 2007 قبل مقتله عام 2013 برصاص مجهولين والتي سبق لها أن إحتفلت بفوز ، الـرئيس الاميركي – أم 44 – باراك اوباما ،بأنتخابات 2008 ، ومن مطالبها تقديم اعتذار تأريخي عن كل مالحق بذوي البشرة السوداء في العراق ، ربما لمغازلة الاميركان وربما بتحريضهم من خلف الكواليس ايضا ..اقول ربما ولا أجزم بذلك بوجود تصريحات لبعض ضباط الجيش الاميركي – المحتل – ورقبائه نشرت في صحف أجنبية تتحدث بمجملها عن مجتمعات للسود في العراق لم يكونوا على علم بوجودها قبل غزو العراق في 2003 على حد زعمهم !!
وبدوري أسأل عن أي حقوق للسود تتحدثون وشركاؤهم في الوطن من السمر والبيض كذلك بدون ؟ لقد فتحت اﻷمم المتحدة بذلك بابا لن يغلق في العراق طويلا و اضافت الى السنة والشيعة ، العرب والكرد والتركمان ، وبقية اﻷقليات والطوائف ، أقلية جديدة اﻻ وهي ” أقلية السود ” مع أنهم ليسوا طائفة ولا أقلية وﻻ دين وﻻ مذهب وﻻ قبيلة إنهم مواطنون عراقيون اصلاء لهم ما لغيرهم من حقوق وعليهم ما على غيرهم من واجبات وﻻ تمييز بحقهم بالمرة على أساس اللون مطلقا ، وإن حدثت ضدهم انتهاكات هنا وهناك بين فينة أوخرى فكلها إما طبقية ، أو طائفية، أو اجتماعية ، أو قبلية تعرض ويتعرض لها سواهم أكثر من كونها عنصرية ، وأظن أن القضية أكبر وغاياتها بعيدة اﻷثر وﻻ أستبعد من أن تكون برمتها مقدمة لفصل قضاء “الزبير ” الذي يكثر فيه ذوو البشرة السوداء عن البصرة أو إعلانه إقليما وربما ضمه الى الكويت مستقبلا تحت الوصاية الدولية بما يضمه من حقل كبير للنفط يعرف بأسمها ” حقل الزبير النفطي العملاق ” اكتشف عام 1949 ، ينتج 300 الف برميل يوميا ، ويبلغ احتياطيه 4 مليارات برميل والذي عهد – لفط – ضمن جولة التراخيص الاولى عام 2010 الى كارتل من شركات ” ايني الايطالية ، وشركة أوكسيدينتال الأمريكية ، و شركة كوجاس الكورية والذي لطالما تظاهر أبناء البصرة أمامه للمطالبة بتعيين العاطلين منهم ضمن الكوادر العاملة فيه مناصفة مع الاجانب أو بدونهم !
ورب سائل يسأل ، لماذا إهتم أعلامنا وتراثنا بقضية ” أفضلية السودان على البيضان ” في التراث العربي – الاسلامي وصنفوا فيه كتبا ؟ وأظن أن مرد ذلك ﻷسباب عدة منها الرد الحاسم على أكذوبة توراتية وتلمودية مختلقة حاولت تشويه صورة سيدنا نوح عليه السلام – وهذا ديدن الحاخامات ممن يشوهون صور الرسل و الانبياء ليسوغوا ما يقومون به هم من رذائل – مفادها وكما جاء في سفر التكوين الفصل التاسع ، 20-25 والعياذ بالله ( وإبتدأ نوح يحرث الأرض و غرس كرما و شرب الخمر فسكر و تكشف داخل خبائه فرأى حام أبو كنعان سوءة أبيه – عورته – فأخبر إخوته وهما خارجا فأخذ سام و يافث رداءه و جعلاه على منكبيهما و مشيا مستدبرين فغطيا سوءة أبيهما فلما أفاق نوح من خمره – سكرته – علم ما صنع به إبنه الصغير فقال ملعون (كنعان ) عبدا يكون لعبيد إخوته) ” واذا ما علمنا بأن “حام” هو ابو السودانيين والنوبيين والمصريين والامازيغ واصحاب البشرة السوداء وهو ابو الكنعانيين ايضا – اهل الشام – علما أن حام في اللغة الهيروغليفية تعني الأرض السمراء ..لأدركنا حجم المؤامرة التي طعن اليهود بسببها وهذا ديدنهم بنبي كريم ﻷجل ان يحققوا غرضا مستقبليا في انفسهم خلاصته ان ” المصريين والسودانيين والشاميين ” كلهم عبيد لسام واولاده – ومعلوم ان اليهود ينتسبون الى سام فيسمون أنفسهم بالساميين – وكل من يعاديهم يطلقون عليه اسم ( عدو السامية ) وهي تهمة تكفي لجرجرته في المحاكم اوربيا واميركيا مهما علا شأنه !!
ومن أسباب تفضيل السودان على البيضان في التراث هو الحد من التمييز الطبقي بعد موجات الهجرة الى العراق من افريقيا والمغرب واستقدام العمالة السوداء اضافة الى تجارة العبيد وعيشهم في ظروف غاية في الصعوبة ، علاوة على غلبة العنصر التركي والفارسي والشركسي وبقية الشعوب البيضاء على مقدرات ومناصب الدولة العباسية ووصولهم الى درجة تغيير الخلفاء وقتلهم وعزلهم وتنصيبهم ما دفع الى تفضيل السودان على البيضان كنوع من مجابهة التمييز وإرساء أسس العدالة الاجتماعية ، ولن اتطرق هنا الى (ثورة الزنج) في البصرة التي قادها الفارسي زورا ، والذي سمى نفسه ” علي بن محمد المنقذ” وادعى المهدوية ، كونها من اجل السلطة اكثر من كونها دفاعا عن الحريات والاقليات ومحاربة الاقطاع وتحقيق العدالة الاجتماعية كما يزعم من يدافع عنها ﻷن -علي بن محمد – كان شاعرا مقربا من خلفاء بني العباس في سامراء ويعيش في قصورهم قبل قتل سيده واعتقاله وطرده من القصر- وﻷن اتباعه من الزنج التحقوا بحركته بعد 7 اعوام من انطلاقها فسميت بثورة الزنج نسبة الى اصولهم من – زنجبار – وكانت ثورة تلاقحت فيها الغايات وتقاطعت بشأنها الاهداف وتنوعت فيها الرايات !
خلاصة الكلام ، ليس هناك” تمييز عنصري” على أساس اﻷلوان في العراق وأتحدى ، فلا تصنعوا لنا معضلة جديدة ، اقلية ناشئة ، وﻻتضعوا لنا عصا مخترعة في دولاب الالفة والوحدة الوطنية التي تعاني الامرين ، اذ ان العصي الموضوعة سلفا من قبل المستعمرين والافاقين وسراق المال العام في دواليبها تكفي وزيادة ! اودعناكم اغاتي



التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة لا يمكنك اضافة تعليق.