تفسير سورة الحُجُرات

618

مير عقراوي / كاتب بالشؤون الإسلامية والكردستانية
نص السورة : { بسم الله الرحمن الرحيم * يا أيها الذينَ آمنوا لا تُقدِّموا بينَ يَدَيِ الله ورسوله وآتقوا الله * إن الله سميع عليم(1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيِّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تَحْبَطَ أعمالكم وأنتم لاتشعرون(2) إن الذين يَغُضُّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين آمتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ(3) إن الذين يُنادونك من وراء الحُجُرات أكثرهم لا يعقلون(5) يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا أن تُصيبوا قوماً بجهالة فتُصبحوا على ما فعلتم نادمين(6) وآعلموا أن فيكم رسولَ الله لو يُطيعُكم في كثير من الأمر لَعَنِتُّم ولكن اللهَ حَبَّبَ اليكُمُ الإيمانَ وزيَّنهُ في قلوبكم وكَرَّهَ اليكمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصيان * أولئك همُ الراشدون(7) فضلاً من الله ونعمةٍ والله عليمٌ حكيمٌ(8) وإن طائفتان من المرمنين آقتتلوا فأصلحوا بينهما * فإن فاءت إحداهما على الأُخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيءَ الى أمر الله * فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا * إن الله يحب المقسطين(9) إنما المؤمنون إخوةٌ فأصلحوا بين أخويكم * وأتقوا الله لعلكم تُرْحمون(10) يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم * ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهنَّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسمُ الفُسُوقُ * ومن لم يتب فأولئك همُ الظالمون(11) يا أيها الذين آمنوا آجتنبوا كثيراً من الظنِّ * إن بعض الظن إثمٌ * ولا تًجسَّسوا * ولا يغتب بعضُكم بعضاً * أيحب أحدُكم أن يأكل لحمَ أخيه فكرهتموه * وآتقوا اللهَ * إن الله توَّابٌ رحيمٌ(12) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا * إن أكرمكم عند الله أتقاكم * إن اللهَ عليمٌ خبيرٌ(13) قالتِ الأعرابُ آمنا * قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا * ولمَّا يدخلِ الإيمان في قلوبكم * وإن تطيعوا اللهَ ورسولهَ لا يَلِتْكُم من أعمالكم شيئاً * إن اللهَ غفورٌ رحيمٌ(14) إنما المؤمنونَ الذينَ آمنوا باللهِ ورسولهِ ثمَّ لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيلِ اللهِ أولئكَ هُمُ الصادقون(15) قل أتُعلِّمونَ اللهَ بدينِكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض * والله بكل شيءٍ عليمٌ(16) يَمُنُّونَ عليك أن أسلموا * قل لا لا تمنوا عليَّ إسلامكم * بلِ اللهُ يَمُنُّ عليكم أن هداكم للإيمانِ إن كنتم صادقين(17) إن اللهَ يعلمُ غيبَ السماواتِ والأرضِ * واللهُ بصيرٌ بما تعملون(18) }
معاني الألفاظ :
1-/ غَضُّ الصوت : خفض الصوت
2-/ الفاسق / الفسق : الخروج عن طريق الحق والصلاح
3-/ لَعَنِتُّم / العَنَتُ : الهلاك أو المشقة
4-/ البغي : العدوان
5-/ فاءت : ترجع وتعود
6-/ القسط : العدل . المُقسط هو من أسماء الله تعالى ، وهو بمعنى العادل .
7-/ لا يسخر / السُخْرية : الإستهزاء ، الإزدراء والإحتقار
8-/ تلمزوا / اللمز : التنقص والإزدراء
9-/ تنابزوا / النَبْز : التعيير ، أو اللقب المُستكره
10-/ الحُجُرات : جمع حُجْرة ، وهي بمعنى الغُرَف . حُجْرة الدرس : غرفة الدرس .
11-/ الأعراب : أهل البوادي ، أي القرى والأرياف .
محتوى السورة : تحتوي سورة الحجرات على العديد من الآيات التي كانت تخُصُّ العهد النبوي الشريف مع أصحابه وأتباعه من المسلمين حصراً كما الآية الأولى منها حتى الآية الثامنة ، هكذا الآية الرابعة عشر حتى الآية الثامنةعشر . أما آيات أخرى ، بخاصة الآية السادسة وإن كانت لها حالة خاصة في نزولها إلاّ إنها للعموم أيضا وغيرها من الآيات المشابهة .
بشكل عام إن سورة الحجرات تحتوي على الموضيع التالية :
1-/ تعليم المؤمنين في كيفية التأدب بحضرة ومجلس رسول الله ونبيه محمد – عليه الصلاة والسلام –
2-/ الحذر والتثبُّتُ ممن يأتي بأخبار كاذبة ومشكوك فيها .
3-/ الصلح بين جماعتين مؤمنتين متقاتلتين .
4-/ حُرْمة الإستهزاء والإزدراء والمعايرة واللمز والتنابز بالألقاب المُسْتكرهة .
5-/ الإبتعاد عن كثير من الظنِّ . كذلك الإبتعاد عن التجسُّس والغِيبة وتجنُّبهما .
6-/ التعارف والتعاون والإعتراف بين الشعوب والقوميات والقبائل بعضهم ببعض ، مع عدم ظلمهم وعدوانهم لبعضهم البعض ! .
7-/ الأعراب أسلمت ولم تؤمن ! .
التفسير : سورة الحجرات هي مدنية ونزلت في السنة التاسعة للهجرة ، وهي السورة التاسعة والأربعون من حيث ترتيب سور القرآن الكريم . تبدأُ سورة الحجرات بتعليم المؤمنين يومها ، حيث يبدأُ خطاب السورة موجَّهاً للمؤمنين بأن لا يسبقوا نبي الله ورسوله محمد – عليه الصلاة والسلام – بحكم ولا رأي ، أو جواب لمسألة ، وهو حاضر بينهم ، وذلك مراعاة لموقعه العظيم فيهم ، وعليهم تقوى الله تعالى فيما أُمِرُوا به ، وهو سبحانه – بلا شك – سميع عليم بما يقولون ويفعلون .
كذلك على المؤمنين ألاّ يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ، وأن يُراعوا مقامه النبوي الكريم ، وأن لا يجهروا له بالكلام كما يجهر بعضهم لبعض ، إذِ الإستمرار بذلك يُحبطُ أعمالهم وهم لا يشعرون .
فالذين يخفضون أصواتهم بحضرة النبي ، همُ الذين أخلص الله عزوجل قلوبهم لمرضاته وجعلها أهلاَ ومحلاًّ للتقوى . لذلك لهم لحسن أدبهم وتأدبهم مع رسول الله ونبيه محمد الغفران والثواب العميم والأجر الجزيل في الجنان .
التثبُّت من الخبر : يا معشر المؤمنين عليكمُ التريُّثُ من خبر جاءكم ، أو تسمعونه من فاسق وغيره والتثبُّتُ من صحته وصدقه وأبعاده والتأمل فيه قبل الإقدام على فعل أو رد فعل ، وذلك كي لا تندموا على موقف عليه لاحقاً . ثم آعلموا أيها المؤمنون أن فيكم النبي ، وهو إن أطاعكم ، أي صدَّقكم في كثير مما تسمعونه لوقعتم في جهد وإشكال ومشقة ، لكن الله تعالى أبعد ذلك عنكم وحبَّبَ اليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم . فهؤلاء ، أي المؤمنون قد وصلوا الى درجة الفهم الراسخ ومرتبة الرُشد من الوعي وكله بفضل الله تعالى ونعمةٍ منه ، وهو سبحانه العليم بهم والحكيم – بلا شك – في تدبيره ومشيئته .
الإقتتال بين جماعتين مؤمنتين : إن حدث آقتال مسلَّح بين جماعتين مؤمنتين عليكم التسرُّع في وقف الإقتتال ومحاولة الصلح الفوري بينهم ، وذلك ردعاً لسفك الدماء والفتنة وغيرها من الخسائر الفادحة . أما اذا ما رضيت جماعة بالصلح وآمتنعت الأخرى عن وقف القتال والصلح حينها قاتلوها حتى ترضخ لحكم الله تعالى وأمره ، وهو وقف القتال والصلح ، وإن رضخت بالتالي فأصلحوا بينهما بالعدل والقسط ، والله يحب العادلين في أحكامهم ومساعيهم . إن المؤمنين هم إخوة بعضهم لبعض في الإيمان والدين ، لذا ينبغي الإصلاح بين الإخوة مع مراعاة التقوى لله تعالى ، إذ عليكم الإمتثال لأوامره وآجتناب نواهيه ، حيث فيها الفوز في الدارين .
حرمة الإستهزاء والتجسُّس والغِيبة : أيها المؤمنون لا يسخر ، أي لا يستهزيء قوم من قوم ، ولا أفراد من أفراد ، ولا فرد من فرد ، فربما يكون المستهزأُ به أفضل من الذي ، أو الذين آستهزأوا . هكذا بالنسبة للنساء عليهن أن يتجنبن الإستهزاء ، أو الإزدراء ببعضهن ، كما لا ينبغي أن يطعن بعضكم ببعض ، ولا التنابز بالألقاب البذيئة ، أو المُستكرهة ، ومن لم يترك ذلك وينتهي فهو قد ظلم نفسه بلا ريب .
كذلك عيلكم الإبتعاد وتجنب التجسس بعضكم لبعض ، والغيبة بعضكم لبعض ، فهل يرضى أحدكم أن يأكل لحم أخيه وهو ميِّتٌ إذن ، كما تكرهون أكل لحم الميِّتِ يجب أن تكرهوا الغيبة وتتجنبوها أيضاً ، وآتقوا الله تعالى في ذلك ، ومن آنتهى وتركها فهو سبحانه غفور رحيم .
قال رسول الله محمد – عليه الصلاة والسلام – : { إيَّاكم والظنَّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث ، ولا تجسَّسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا } . وقال أمير المؤمنين الإمام عمر – رضي الله عنه وسلامه عليه – : { لا تظننَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلاّ خيراً ، ولا تعتقدنَّ بها شرَّاً ، وأنت تجدُ لها من الخير محملاً }
الشعوب والقوميات والقبائل والتعارفُ بينهم : الخطاب في هذه الآية ، هو خطاب الى جميع البشر في العالم : من شعوب وقوميات وقبائل ، حيث الله سبحانه خلقهم جميعهم من حيث البداية من ذكر ، وهو آدم ، ومن أنثى ، وهي حواء ، ثم تناسل منهما الخلق الكثير فأصبحوا على على شكل شعوب وقوميات وقبائل وجماعات بشرية شتى ومختلفة الألوان والأجناس والأرومات واللغات وغيرها . وذلك لأجل أن يتعارفوا ويتعاونوا ويتحاببوا فيما بينهم ، ولا فرق بينهم عند الله تعالى في جميع إختلافاتهم أبداً ، حيث أكرمهم هو مَنْ كان أتقاهم ، ومن كان أنفعهم لهم وأكثرهم خيراً وصلاحاً وإصلاحاً ، والله تعالى هو العليم والخبير بهم جميعاً .
إن التعارف الذي يعنيه القرآن الكريم ويقصده كمقصد أعظم وأبعد وأبلغ بين الشعوب والقوميات والأمم والقبائل ، هو أن يتعرفوا على لغات وثقافات وعادات بعضهم البعض ، وأن يتعاونوا فيما بينهم ، وأن لا يظلم بعضهم البعض ، مثل غمط الحقوق والإستيلاء عليها ، أو غصب الأرض وآحتلالها وتشريد وطرد أهلها وتغيير معالمها الجغرافية والتاريخية كما حدث للعديد من البلدان في العالم ، منها كردستان بلاد الكرد حيث تم إنتهاج سياسات التعريب والتتريك والتفريس والتشييع المذهبية والتشريد والظلم والقتل الجماعي ضدهم التي تتصادم مع ما ذكره القرآن الكريم من التعارف والتعاون والإعتراف المتقابل بين الأمم والشعوب ، أو شن العدوان بعضهم على البعض ، أو غيرها من التجاوزات المحرَّمة ، فذلك محرَّمٌ عند الله عزوجل ومستقبح على الإطلاق ولها أحكامها في الدنيا والآخرة .
هنا ينبغي التذكير والقول بأن الإيمان والعبادة والتديُّن لا يلتقي مع أعمال الظلم والفساد في الأرض والتجاوز على الناس والإستيلاء على حقوقهم وأموالهم وسفك الدماء إطلاقاً ، يقول رسول الله محمد – عليه الصلاة والسلام – في هذا الصدد وهو يسأل أصحابه : { أتدرون منِ المفلس ..؟ } ، قالوا : المفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع . فقال رسول الله محمد : { إن المفلسَ من أمتي يأتي يومَ القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيُعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فَنِيَت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه ، أُخِذَ من خطاياهم فَطُرِحت عليه ، ثم طُرِحَ في النار } ! .
الأَعراب والإيمان والإسلام : قالت الأعراب ، وهم أهل البوادي في القرى والأرياف بأنهم آمنوا بالله وكتابه ودينه ورسوله ، لكن الله تعالى رد عليهم بقوله لرسوله بأنهم لم يؤمنوا ذلك الإيمان العميق المترسخ في قلوبهم بعد ، بل إنهم أسلموا ودخلوا في الإسلام وحسب ، ولو أنهم أطاعوا الله ورسوله بحق فإنه لا ينتقص من أجورهم شيئاً ، وهو تعالى الغفور الرحيم .
فالمؤمنون هم الذين آمنوا بصدق بالله سبحانه وتعالى ، وبرسوله ونبيه محمد – عليه الصلاة والسلام – ، ولم يرتابوا ، ثم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، حيث هؤلاء الصنف من المؤمنين ، هم الصادقون حقاً . وقل لهم ، والخطاب للنبي محمد بأن يقول للأعراب : هل أنتم تريدون أن تُعَلِّمون الله عزوجل بدينكم ، وهو سبحانه العالم بغيب السماوات والأرض ..؟ ، والإستفهام المذكور في الآية هو للإنكار والتوبيخ لهم ، فهؤلاء الأعراب كانوا يَمُنُّون على النبي محمد إسلامهم ، فقال الله تعالى لنبيه بأن يقول لهم : لا تمنوا على النبي إسلامكم ، بل بالحقيقة لله تعالى المنة والفضل عليكم أن هداكم للإيمان إن كانوا به مصدِّقين حقاً ، وهو سبحانه عالم بغيب السماوات والأرض ، وهو بصير بما يفعلون .



التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة لا يمكنك اضافة تعليق.