الأكثر مشاهدة

🟠هل استطاعت روايات صبحي فحماوي تقديم مسح شامل لقضية فلسطين؟

أ.د. محمد حسن عبد الله
من الإنصاف للكاتب وقدرته على تحليل الشريحة المنتقاة، التي يجري عليها تجربة الرواية – أن نذكر إلى جوار ما يعاني اللاجئون في المخيمات من أنواع الجوع، والهوان، وقسوة المعاملة من الأجهزة الشرطية (العربية)، ومن موظفي وكالة الغوث على السواء – يذكر وجوهاً مختلفة لمعاناة المواطن العربي، المستقر في بلده (لم يهاجر) المحكوم ببني جلدته – من فساد أجهزة السلطة وقسوتها وتعسفها، بطلب الرشوة، وتزوير الاتهامات، فضلا عن معاناة ما يتعرض له انتقال العربي عن قطره إلى قطر آخر عربي كذلك ، والحواجز التي توضع أمامه لكي لا يتقارب مع غيره من أهل البلاد، أو يحاول الاندماج معهم، ولو بالمصاهرة، أو المشاركة التجارية. فإذا كانت رواية “سروال بلقيس” قد جسدت أشد درجات الهوان التي عاشها المهجرون اللاجئون في المخيمات، فإن رواية “على باب الهوى” كشفت الوجه الآخر للمعاناة؛ المعاناة المزدوجة للفلسطينيين، ولأهل البلاد أنفسهم . كما يمكن أن نشير إلى أن رواية “الإسكندرية 2050” قد صورت معاناة مشهور شاهر الشهري إبان طفولته وصباه في المخيم، على مشارف طولكرم، وكيف استقبله المواطن المصري بكثير من التعاطف والألفة، حتى اختفى لديه تماماً الشعور بالغربة – رغم اختلاف الطبائع، وكانت دراسته بجامعة الإسكندرية الباب الذي فتح له طريق الحياة المتطلعة القوية، التي ترتب عليها كل ما تمتع به من حضور إنساني، وسعادة شخصية .
الفلسطينيون وإعادة الاعتبار
هذا الاتجاه الأخير في محاولة الكشف عن الهوية، لإنفاذ الحق، وإنقاذ الشعب الذي أُجبر على مغادرة وطنه، قد تأخر إبرازه كعنصر مؤسس في تأكيد الهوية، والتطلع إلى انتصار القضية في الروايات التي عرضنا لها. ولا يعني هذا أن الكاتب كان غافلاً عن أهمية هذا العنصر الفلسطيني، فهو الأساس المنطقي والفاعل المنتظر، والمرتجى مهما تعددت الرؤى. غير أن كاتب الرواية – أي كاتب لأية رواية – يكتبها (لأجل فلسطين)، وليس (للفلسطينيينِ)، من ثم اتجه الخطاب، وانطلقت الرؤية تجوب الجهات، ما بين الماضي والآتي، والدائرة الأوسع (القومية) لتستقر عند موطئ القدم (فلسطين) وهذا أمر مألوف في الطباع البشرية، والاستطاعة البدنية، فالنظر تحت الأقدام هو آخر ما نستطلع في كل ما نبحث عنه.
الفلسطينيون حاضرون في جميع روايات فحماوي، وهذا طبيعي ومتوقع، ولكن من الطبيعي المتوقع كذلك أن تختلف مستويات التداخل، ودرجات تركيز الضوء، والشعور بالأهمية (على الأقل لدى المتلقي) وطبائع ونماذج الشخصيات المختارة . وإذ تتعدد الانفعالات والعواطف التي تسعى هذه الروايات (العشر) إلى إثارتها في وجدان متلقيها؛ فإنها لابد أن تختلف موضوعياً ويختلف موقع الشخصيات الفلسطينية فيها التي قد تنحصر في شخصية الراوي وحده، (كما في رواية “صديقتي اليهودية”) أو يبدو الدور الفلسطيني تكميلياً، وكأنه ليس المقصود الأساسي في عمود الرواية؛ كما نجد في “الاسكندرية2050” .
ونبدأ بملاحظة عامة، وخلاصتها أن النماذج الشقية التي تعاني القهر السياسي، والقلق المجتمعي، والعوَز المادي، هي الأكثر حضوراً في هذه الروايات العشر . وملاحظة أخرى: أن الكاتب حاول – قدر الاستطاعة- أن يتحرر، وأن يحرر شخصياته، من الطابع الغنائي التمجيدي للشخصية التي ينتمي إليها (الشخصية الفلسطينية) وإن كان هذا –كما سنرى في التعليق الأخير– لم يستكمل كافة الجوانب السلبية، التي يمكن أن تعلل للمأساة، وأن تكشف عن مكر التدبير (الصهيوني) وضعف التقدير (العربي) بالمقابل.
في رواية “عذبة” نلاحظ – فيما يتعلق بالهوية- أمرين : الأول : أن مفتتح الرواية يصور حركة جماعات من شهداء المجاهدين، منهم عم الكاتب نفسه الذي أهدى إليه الرواية، والآخر، وهو الأهم، ما ترمز إليه “عذبة” في ذاتها، فهي الفتاة الجميلة، التي لا يتأثر جمالها بمضي الزمن، “عذبة” إنساناً تعادل قرية “أم الزينات” مكاناً، التي لم تغادر وجدان الراوي، ومن أجلها غامر برحلته مجتازاً حدود فلسطين المحتلة، ليلقى “عذبة” بعد أعوام طوال من الفراق لم تغادر ذاكرته، ولا ذكرياته ، وكان يعتقد بيقين أنها لا تزال كما تركها. ومن ثم كانت الرحلة (الغريبة) . ولعل عماد المنذر (الراوية) يعيد الآن النظر في الحكم الأخلاقي والسياسي بين الذين غادروا أرض فلسطين، نجاة بأنفسهم(أو حرصاً على أعراضهم) فتسلمهم الشتات، وعاشوا على هامش الأحلام والتمني، وبين من يطلق عليهم الآن (الصامدون) وهم الذين تلقوا صدمة البقاء والخضوع، إلى أن أعيد تكييف المواقف والامكانات، فتغيرت الموازين . هكذا يراجع عماد المنذر حسابات الماضي وعباراته المتداولة الساخرة، التي تدخل في التهاجي المألوف بين أقاليم الوطن الواحد ، فيقول في نفسه : “أهلا شباب الرينة، كل عشرة منكم بقُطينة”! لكن ثبت يا عذبة أن شباب الرينة أحسن منا، ولا أعرف كيف تحايلوا على احتلال فلسطين! وكيف استطاعوا أن يبقوا، رغم القتل والذبح، الذي لم يسلم منه شاب! ورغم الإرهاب والتشريد، الذي لم يسلم منه عجوز أو طفل فلسطيني… قد تكون حمتهم دخانيس ومغارات غابات الجليل في تلك المجازر، وحنت عليهم، فاختبأوا بين ثناياها”(21) . هكذا – أخيراً – استرد فلسطينيو الداخل كرامتهم التي أهدرت زمناً طويلاً، ونزعت عنهم الثقة العربية دون حساسية أو إعادة نظر، وكما نعرف، فإن شاعرين عظيمين مثل : محمود درويش وزميله سميح القاسم قد قدما للقضية الفلسطينية، ودافعا عن بني جلدتهم أضعاف ما صنع أولئك الذين تملكهم الذعر، أو أغرتهم الأماني، فكان تفريغ المكان من أهله جزءاً من البلية التي لحقت بفلسطين(22).
هذه الإشارة (الجزئية) – في رواية “عذبة” – تكررت في روايات أخرى، ولعلها بلغت مداها في آخر رواية مما بين أيدينا (قاع البلد)، وفيها النموذج العكسي؛ أي الذي يتمرد على اللجوء، ويقرر اقتحام الأسلاك الشائكة، والعودة إلى ما بقي من عائلته الكبيرة المحاصرة في أرض الوطن .
هذا رد اعتبار مهم، بالنسبة للفلسطينيين، الذين جرى العرف (المكتسب) بتسميتهم (الصامدون)، بعد أن طالتهم تهمة الخيانة والعمالة زمناً ليس بالقصير .
أما فلسطينيو الشتات، فقد اختلفت مواقفهم من قضية الوطن الكبرى، حسب مواقعهم في الغربة، ما بين الأقطار العربية، والهجرة إلى أوروبا أو أمريكا، وقد عنيت الروايات بالإشارة الدالة – وإن تكن عابرة، إلى المهاجرين في دول الغرب . ففي رواية ” الأرملة السوداء” سافر لبيب إلى البرازيل، وفي رواية “حرمتان ومحرم” سافر غازي إلى أمريكا للدراسة، ورفض العودة إلى قطاع غزة ، وفي رواية “على باب الهوى” يشير إلى العرب الأمريكان، ويذكر أن خمسة ونصف في المائة من علماء الولايات المتحدة أصلهم من عرب فلسطين(ص135) .
لقد صور النماذج الشقية بكل ما تعاني من قسوة، وشظف، وفقر، ولكنه بالمقابل صور الثري الفلسطيني الانتهازي (سائد الشواوي) الذي أثرى بدرجة تفوق الحصر، حصر الثروة، مع أنه تحول من “ولد ساقط سادس ابتدائي إلى ملياردير”(23). وكانت لمسة لغوية تحليلية بارعة: أن مرض هذا السائد الشواوي هو نقص المناعة، كما جعل هذا الشواوي يهذي في غيبوبته باستعادة صور من ماضيه المحروم.
وفي رواية “سروال بلقيس” تنقلب العبارة العربية المتداولة إلى (الأرض أغلى من العرض) !!(24) . ولم يترفق الكاتب – في جملة تصويره للمجتمعات الفلسطينية المستقطبة – بالصورة التي يقدمها إلى المتلقي عن حياة المهاجرين الفلسطينيين في مهاجرهم المؤقتة (المخيمات) وسكناهم حول المدن العربية . ففي رواية “قاع البلد” حيث تستولي روح “مقاومة الفناء” على الجميع، نجد التنافس في انتزاع فرص العمل، ومحاولات هجرة الرجال إلى الخليج، بحثاً عن فرصة للعيش واتساع الرزق، بما يترتب على ذلك من ترك الزوجات وحيدات في مواجهة الشبع المادي، والجوع الإنساني! كما نجد الانحرافات الأخلاقية والسلوكية، مثل الشيخ لهلوب المزواج (ص167)، ومثل تلك المرأة التي تمارس البغاء في أتعس صوره (ص95) . على أن رواية “قاع البلد” وفي ليلتها العاشرة؛ أي الليلة الأخيرة تنتهي بالمظاهرات التي تسد الشوارع، والإشارة إلي (معركة الكرامة) التي تركت أثراً إيجابياً في التصور العربي العام تجاه الفلسطينيين، في الضفة الغربية وفي غزة وغيرها ..
وبوجه عام .. يمكن القول إن الشخصية الفلسطينية كانت موضع عطف الكاتب فحماوي، وهذا طبيعي ومتوقع، ولعله يناسب مراحل مواجهة المواقف الصعبة، كاستهداف العدو المسلح لبسطاء الناس من الفلاحين المسالمين، الذين انصاعوا لنصائح زعمائهم (وبعض الزعامات العربية) فنجوا بأنفسهم ليتجرعوا كأس المر في المخيمات القريبة، كما في المنافي البعيدة. ولكن هذا العطف أو التعاطف من الكاتب لم يكن على إطلاقه؛ فالفلسطينيون– في وطنهم (فلسطين)أو خارجه- على مشارفه في المخيمات، أو بعيداً حيث المنافي ومواطن الغربة- هم بشر من البشر، تتحقق فيهم كافة الطبائع، حتى رأينا كبير الشرطة (أبو شرين) يقسو على بني جلدته، ويكرههم على الاعتراف بما لم يرتكبوا، ويتقبل الرشاوى، ويكرههم على أدائها، ولكن بالمقابل عايشنا تجربة مشهور شاهر الشهري في (الإسكندرية2050) وهو يهبط إلى الإسكندرية وحيداً غريباً، فيتألف القلوب، ويفوز بالصداقات، ويحصل على البكالوريوس، ويضرب في الأرض، فيعمل في دبي، ويرسل ولده برهان للدراسة في ألمانيا، ليتزوج برهان – بدوره – ألمانية، تشاركه بحوثه في تحويل الخلية الحيوانية إلى بشرية حيوانية نباتية !! وبصرف النظر عن مدى إقناع هذا التحول لذائقة المتلقي وعقله؛ فإن هذا الفتى القادم من المخيم، الصاعد إلى ألمانيا، المتطلع إلى التفرّد العلمي باباً لحل مشكلة انتسابه إلى العالم المعاصر، يكاد يكون هو الصورة النمطية بالفعل أو بالتطلع – وليس بالتمني – لشباب فلسطين في المخيمات وخارجها .. إلى اليوم .
خاتمة:
لا نتطلع – في خاتمة المطاف- أن يكون ما قدمناه عن هذه الروايات الإحدى عشرة ، تحليلاً نقدياً، يكشف عما شكل هيكلها، ولون أسلوبها أو أساليبها بجماليات اللغة، وأصول فنون السرد؛ لأننا في هذا التناول عنينا بقضية ” الهوية” – لم نتجاوزها إلا تحت ضغط الضرورة السياقية . “الهوية” علامة وجود، وشرط تحقق الكيان، وضمان الاستمرار . وإذا كان الأمر يتعلق بالهوية ” الثقافية” تحديداً؛ فإن الثقافة ماثلة في كل ما يسلك الفرد، أو يقول أو يعتقد، أو يعمل ، بما يجعل من الهوية الثقافية صفة ملازمة، نابعة من تجربة الوجود المتحققة في الزمان والمكان بذاتها . وقد استمدت هذه الدراسة مشروعية العناية بروايات فحماوي، في جملتها وتفصيلاتها، لأن كل رواية من هذه الروايات الإحدى عشرة تنبثق في وجدان الكاتب من حس وطني شعبي تاريخي، مشغول بفلسطين . ولا تثريب عليه في ذلك، فقد عانى مرارة الرحيل عن الوطن، ومعايشة الاغتراب والغربة وهو في نعومة أظفاره، ولأنه يملك من الوعي الإنساني الفطري، والتطلع الوطني، والتمسك بالهوية الثقافية … ما يحمله حملاً، بالفطرة، على أن تأتي رواياته في نطاق إبراز تلك الهوية الثقافية عند قطاعات أو شرائح أو طبقات أو أفراد من بني وطنه، في مستقرهم التاريخي: فلسطين، أو في منافيهم على امتداد جهات العالم.
ولقد حاول الكاتب بالفعل أن يضع كل هذه المحاور أو الدوائر المتداخلة، تحت ضوء “التحليل الفني”/السيكولوجي. ولهذا تراجعت نبرة ” الغنائية”، والنزوع إلى تمجيد الوطن، وإعلاء كافة فعاله إلى الحد المقبول في مثل ظروف الكتابة التي يمارسها صبحي فحماوي، وإن كان هذا لا يعني – بالضرورة – أنه : (قال كل شيء)!! . فهذه عبارة مغامرة، لا يصح لناقد أن يتوكأ عليها فيما يحاول من اكتشاف ثغرات أو نقاط ظليلة، فيما قدم الكاتب المعني بالقضية، لأن الفن – كما هو معروف – رؤية، وجهة نظر، إطلالة شخصية على موضوع أو قضية، تحاول أن تبدو موضوعية في تجاوز هوية الكاتب، إلى هوية المكتوبين، أو المكتوب عنهم، أو المروي لهم، حسب مركز الثقل في رؤية الكاتب .
لقد غاص الأستاذ صبحي فحماوي في أعماق تاريخ المكان (الفلسطيني) ليرصد أحداثاً، وصراعات تكشف عن تجذر الشخصية الفلسطينية (سلالة كنعان) في المكان ذاته، الذي يحاول الاحتلال الصهيوني أن يغير مسماه، بادعاء اكتشاف طبقات (جيولوجية) سكانية قديمة، – لم يجدوها-  لتدعم حركتها من أجل استخلاصه، أو اغتصابه في الحقيقة !! ولكن فحماوي في رواية “قصة عشق كنعانية”، لجأ في حفرياته الأركيولوجية إلى النقيض، أو الوجه المقابل، بالرحيل إلى الزمن الآتي، واستشرافه في “الإسكندرية 2050” . ومن الوجهة الفنية الخالصة، نرى أن الرحيل إلى الزمن الآتي في “الإسكندرية 2050 ” كان أكثر توفيقاً، فنياً، من الرحيل إلى الزمن الماضي، وبخاصة أنه : الماضي الأسطوري، حتى وإن حملته بعض المخطوطات أو الحفريات، ربما لرتابة أحداث ” قصة عشق كنعانية” الذي انعكس على اصطناع الحبكة، ووضوح التدبير (الفني) في رسم أحداثها. وهذا النوع من الحبكة قد يصلح لصناعة مسرحية (مثلما نجد في مسرحية ” أوديب ملكاً” المتكررة لدى عديد من مؤلفيها القدماء، والمحدثين، والمعاصرين) أما الرواية فتحتاج إلى أمور أكثر تعقيداً، وعمقاً، وبخاصة في مجال بواطن الشخصيات، وما تخفيه، وما تدبره تجاه الآخرين من خصومها!!
ويبقى لدينا تعليق على ما عدّه الكاتب حلاً علمياً لقضية فلسطين وصراع العرب واليهود على أرضها . لقد رأى الكاتب في رحلته إلى الزمن الآتي، أن الحل العلمي (المتخيل) يأتي في أثناء اكتشاف مركب جديد للخلية، يتحد فيه العنصر الحيواني مع العنصر النباتي، وبذلك – في رأيه – تتراجع دوافع الصراع، وتختفي العداوات؛ إذ تختفي حالات الاحتياج، وحالات الاهتياج – على السواء. ولكن: على افتراض أن تحويل الخلية ممكن بعد حين طويل أو قصير. هل من المحتم أن يوصل هذا التحويل إلى الحل الذي ارتآه برهان، وكانت ثمرته ولده كنعان؟! إن هذا الإنسان(الثالث) الأخضر، صناعة علمية ألمانية، وإن شارك فيها عنصر بشري شرقي عربي فلسطيني، من ثم يظل هذا التقدم العلمي، كما تراه الرواية – إنجازاً عربياً-غربياً ، وبالقياس إلى ما هو مألوف من الغرب: أليس من المُحتمل أن يضن هذا الإنسان المتحول على أهل العالم المتخلف، من أمثال مَن اغتُصبت بلادهم، فأُخرجوا منها، ومن التهم البحر نصف أرضهم، فعجزوا عن حمايتها، ألا يجوز أن هذا الإنسان المتحول يضن علينا بمشاركته نعمة التحول؟! حتى لا نتساوى معه؟ وبذلك يشق قطاع من البشر طريقه إلى مستقبل جديد (متحول) يجني خيرات هذا التحول لنفسه ويترك تلك الجماعات البشرية المتخلفة، على صورتها الراهنة، تصارع من أجل أن تحصل على أنفاسها، وقوت يومها، وكأنها في حديقة حيوان، أو متحف جيولوجي خارج الحساب الزمني، والتطور؟ قد يبدو هذا الاحتمال الآخر قاتماً ومتشائماً، ولكنه ليس بمستغرب في مجال الخيال العلمي، وبخاصة أن الحيوان بفصائله المختلفة ينطوي على غريزة افتراس القوي للضعيف، وحتى في مجال النبات، فإن الأشجار المعمرة الضخمة ترسل عروقها لتمتص ما استطاعت من غذاء الأرض، ومن المياه الجوفية، ولا يعنيها أن تموت النباتات الهزيلة المتهالكة، فالمعنى المستخلص (المتشائم) يضع احتمال أن يسفر التحول إلى الإنسان الأخضر عن إمكان مزيد من العزلة والتخلف للجماعات البشرية الضعيفة أو المستضعفة – في مختلف أنحاء العالم .
لقد تمسك الفلسطيني بهويته الوطنية، وثقافته المميزة، الماثلة في موروثه من العادات والسلوكيات والأمثال والآداب .. إلخ . وحملها معه أينما حلّ، وتقبل كل ما يمكن أن يواجه من هوان أو صعوبة أو حتى اضطهاد بسبب هذا الانتساب الصريح إلى فلسطين، ولقد مضت على هذا أجيال، ما بين عام النكبة(1948) وإلى يومنا هذا، ونستطيع أن نجد هذا المعنى ماثلا في مختلف الروايات، بأساليب وأعمال وتضحيات تناسب موضوع الرواية، وطبائع الشخصيات ومستواها النفسي والعلمي والمادي.
غير أن رواية “حرمتان ومحرم” قد بدأت بغير ما انتهت إليه – ولعل هذه الرواية الوحيدة دون غيرها التي تبدأ من قطاع غزة بجغرافيته وحدوده وامكاناته المضيق عليها. ففي رواية “حرمتان ومحرم” تتخرج الفتاتان(تغريد وماجدة) بشهادة تربوية متوسطة، فلا تجدان عملاً في القطاع، من ثم تتطلعان إلى العمل في بلاد النفط، وبالفعل تجدان عملاً بالتعاقد، شريطة وجود “محرم” بصحبتهما!! ولأن الفتاتين لم تساعد ظروف أي منهما على الزواج الذي لا يرحب به الأهل، لأنه سيؤدي إلى استهلاك المرتب الذي تحتاجه الأسرة في القطاع – وهكذا عقد للفتاتين كزوجتين– ضرتين– ظاهريا على الكهل (أبو مهيوب) خبير البستنة في القطاع، الذي لا يجد ما يمنع من صحبة الفتاتين كغطاء لشرط العمل في بلد النفط الشهير! غير أن الظروف المتطورة، والحاجات الإنسانية تحول الزواج الشكلي الظاهري إلى زواج حقيقي، بما ترتب عليه من الانقطاع عن الأهل في غزة، وحجب أو تقليل المعونة المادية المرسلة إلى أسرتي الفتاتين، بما يعني أن هذه الهُوية الفلسطينية تواجه شيئاً من احتمالات (التجميد) في مقابل استقرار مرحلي للحياة الشخصية، ومواجهة نتائج الاغتراب الفلسطيني في أقطار عربية تفرض شروطاً يصعب تحققها على من يقيم بها، وإن تكن الإقامة مؤقتة .
وأخيراً .. فإذا كان صبحي فحماوي قد حاول – دون أن يقصد– أن يقدم لقارئ الرواية العربية مسحاً شاملاً لقضية وطنه الفلسطيني، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، في أهم توجهاته وطبائعه وممارساته، فإن رواياته قد حملت هذه الرسالة بكثير من دقة التحليل، وأمانة التصوير، ورشاقة التعبير، وشمول الرؤية في امتدادها: الزماني والمكاني، ومع هذا تبقى مساحات شاغرة، ليس من حق النقد، أو الناقد أن يشير إليها، (إلا إذا رضي لنفسه موقع مفتش الفصل المُوجِّه، وهو يراجع دفاتر تحضير المدرسين لدروسهم).
فعلى سبيل المثال، تبرز خطوط الهجرة الفلسطينية إلى العالم الخارجي، العربي، والغربي، والأمريكي، مساحة مهمة في حاضر القضية، ومآلاتها المحتملة مستقبلاً، كما أن قطاع غزة، وما يمثله (راهناً) من انشقاق، وما أدى إليه هذا الانشقاق من خلخلة وضع الضفة، كان ولا يزال يحتاج إلى متابعة فنية، وبصيرة نافذة مثل تلك التي يملكها صبحي فحماوي، كما رأينا تجلياتها في رواياته المتتابعة، ونذكر أخيراً ببعض ما أشار إليه المثقف الفلسطيني عارف العارف في كتابه:”النكبة”، فقد سجل بالأسماء والمساحات: كيف “تصرف” بعض ملاك الأراضي الفلسطينيين، وبعض الشركات الأجنبية، التي كانت تملك أراض زراعية في فلسطين، كيف تصرف هؤلاء وأولئك في ممتلكاتهم، مما قوى قبضة اليهود الوافدين على الأرض، وأضعف من قدرات المناضلين الفلسطينيين في الدفاع عن أراضيهم التي استماتوا في سبيل الحفاظ عليها .
وكذلك مرت أحداث عنيفة ودموية، بالنسبة للزعامات الفلسطينية خاصة، فإلى اليوم يعد موت (ياسر عرفات) لغزاً يحتاج إلى تفسير منطقي، ليلائم معطيات الراهن المأزوم للوجود الفلسطيني، وعن أولئك القياديين الذين رأينا تحولاتهم الغامضة، ومصارعهم الفاجعة.. إلخ . فضلا المترهل للوجود العربي، وبالطبع لا نملك أن نطالب صبحي فحماوي بأن ينهض وحده لأداء هذا الواجب الفني، وكل ما أردنا أن نسجله في نهاية هذا الفصل أن موضوع فلسطين يتجاوز قدرات الكاتب.. أي كاتب، وأنه لا تزال المساحات الشاغرة فيه تحتاج إلى من يمتشق قلمه، ويتابع ليقدم الجديد  في هذه القضية الشائكة!!
جامعة القاهرة- جامعة الكويت

🟠أشترك معنا بقناة التلكرام https://t.me/joinchat/AAAAAE7_6e1AeLX_QUe4BA

وسوم :