الأكثر مشاهدة

الدولة والعملية السياسية

كتب نصير غدير الدولة التي ليس بإمكانها أن تحمي نفسها وكرامتها، لا تستحقني

الدولة والعملية السياسية

لو كنت مكان مدير عام صحة ذي قار، لمضيت بتنفيذ الاستقالة، وما عدت للوظيفة ولو جاءتني السلطات الثلاث تحبو على الركب، لأن الدولة التي ليس بإمكانها أن تحمي نفسها وكرامتها، لا تستحقني، فما الذي يمنع أن يتكرر المشهد المذل نفسه؟!

سأضطر لشرح الفارق بين النهب في العراق في عام 2003 وهو ما يعرف بين العراقيين بالحواسم، وبين النهب في تظاهرات أميركا، وستعلمون معنى الفارق بين الغضب على النظام والغضب على الدولة..

في 2003 كنت ممن شكل مجاميع تطوعية لحماية بعض ممتلكات الدولة من النهب والسلب، ولذلك كنت قريباً لدرجة تمييز دافع كل من شارك في الحواسم من حولي، قسمتهم في ذهني على مجاميع، منهم اللصوص والنهابون والفاسدون الذين لا يرقبون إلاً في مال خاص أو عام، ومنهم المعدمون المحرومون، ومنهم من كان يرى أن هذه الدولة مارقة، ومالها حلال لهم، وهؤلاء كان لنا شأن حواري معهم، وكانوا أسهل المجاميع في التعامل، فحين كنا نقول لهم نعم نتفق معكم أن دولة صدام مارقة وربما حل لكم أخذ مالها، ولكنها سقطت وآل المال كله للشعب، ولا يجوز لكم أخذه، كانوا يرعوون ويعيدون المال إلى محله، ولن أطنب في شرح وتفصيل هذه الفئات وغيرها ممن لم أذكرها، ولا في معالجاتها، التي اتخذت في معظم الأحيان جانب استرجاع المال بالقوة، لأن الهدف من هذا المنشور هو بيان الفارق بين مفهومات الدولة وسلطتها وأملاكها في عيون أفراد الأمة، ولهذا سأقف عند الفئة الأخيرة، فهذه الفئة، استهدفت مؤسسات الدولة (المارقة)، لأن هذه المؤسسات هي ما تبقى بعد هروب أركان السلطة، وكان استهداف المؤسسات هو الاستهداف الثأري والعقابي الرمزي لأركان السلطة الذين اختفوا عن أنظار المحرومين والمستضعفين.

انقلب الحال في التظاهرات التي رافقها عنف أحياناً، ولا سيما منذ 2018، فالمتظاهرون لا يسلبون ولا ينهبون دوائر الدولة، بل يستهدفون مقرات الأحزاب، وأحياناً مقرات مجالس المحافظات ومباني إدارة المحافظة، ذلك أنها ترمز عندهم إلى السلطة التي يخرجون عليها، ولا يمسون بعد ذلك مصرفاً أو دائرة عقار أو مدرسة أو جامعة، إلا في حوادث ضيقة وذات سياق خاص، لماذا؟! لأنهم يعلمون أن هذه أملاكهم هم ودَور السلطة هو دور إداري تيسيري، وإن فشلت فيه، فلا يجوز ضرب المؤسسة المملوكة من الشعب، وحتى في جانب ضرب رموز السلطة في مجالس المحافظات، حاججناهم وقلنا لهم هذه أيضاً أملاك الشعب، ولا يجوز إتلافها.

ماذا حدث في أمريكا؟! كانت التقارير عن استهداف المؤسسات الحكومية ضيقة بل شبه معدومة، ولكننا رأينا استهدافاً وتخريباً ونهباً واضحاً للمتاجر الكبرى، لماذا؟! لأن دوائر الدولة هناك هي خدمية تيسيرية إدارية، وهي مدفوعة من أموال الناس، أموال المحتجين أنفسهم.
وهم يستهدفون السلطة الحقيقية، وهي سلطة المال المتمثلة بأصحاب هذه المتاجر، ومن ورائهم المهيمنون على إدارة وحركة رأس المال، وحتى في هذا، لاحِظوا أن البنوك هي أكبر المضاربين والمتحكمين في رأس المال، ولكنهم لم يضربوها، لأنها تحسن أن تظهر لكل مواطن على أنها جزء من ملكيته، فهو يستلم أجره عبرها، ويحصل على منزله من خلالها، ويدير شؤون كل حياته عبرها، وعبر الفيزا كارد والماستر كارد الذي توفره هذه البنوك.

لاحظوا، إذن، كيف أن الدوائر الحكومية ليست رمز السلطة هناك بل حيث يتراكم رأس المال، وكيف أن الدوائر والأملاك كانت رمز السلطة التي زالت في سنة 2003، وكيف أن دوائر الدولة لم تعد رمز السلطة، بل مؤسسات الأحزاب، ومقرات هيمنته في مقرات المحافظات ومجالس المحافظات.

وبعد كل هذه “الجلجلوتية”، لو كنت مكان هذا المدير هل سأقبل بأن أكون جزءاً من دولة لا دولة! لا يمكنها أن تقنع المتظاهرين مهما كانت دوافعهم وأجنداتهم، أنني مقدس بعيد عن المساس لأنني أمثل مصلحتهم، لا مصلحة القوى التي انتفضوا ضدها! هل توجد لدينا دولة محصنة، وبعيدة عن كل ما يجري في العملية السياسية؟! أم أن أولي الأمر هم المسؤولون عن تدمير هيبة الدولة بجعلها دُولةً لأفراد العملية السياسية ومتى ما انتفض بعض الناس على العملية السياسية انتفضوا على الدولة وأهانوها! ولكن مهلاً من أهان الدولة وجعلها بلا منعة ولا حصانة؟! مؤكداً قوى التحاصص، لأنهم صاروا هم الدولة ثم لم يحترموا أنفسهم ويجبُّوها عن الفساد، فصارت الدولة هي الفاسد الذي يعاديه الناس.

وحين لا يمكن للدولة أن تمنع نفسها وتمنع كرامتها من أن تمس، يمكن لأي مجموعة أن تقتحمها، وتملي ما تريد، ومن ثم ننتقل ببساطة إلى منظومة حكم أوكلوقراطية ochlocracy، يحكم فيها الرعاع دون تفويض.

وسوم :