الأكثر مشاهدة

أدب الجوائح: رسائل ومضامين

 
نزار حسين راشد
بين طاعون كامو وكوليرا ماركيز،قواسم مشتركة،تمثل سمات وخصائص تطبع أدب الجوائح بمجمله وعمومه.
الجائحة سانحة تاريخية مهيأة للاستثمار الأدبي،ذلك أنها تمثل تحدياً إنسانياً،لحظياً ومكثفاً،يستنفر النوازع الإنسانية، بحديها الأزليين:الخير والشر،حين يضع وجوده موضع امتحان.وهذه هي الثيمة الأزلية للأدب،الإنسان بقوته وضعفه،طيبته وخبثه،استسلامه وتمرده،وفي ضوء الأزمة الكاشف تبرز هذه الأبعاد الإنسانية،جلية شفيفة لتتيح للادب قراءتها والتعبير عنها.
بين التعاطف والتخلي ،الأنانية والتضحية تتراوح شخصيات ،الطاعون وكذا الحب في زمن الكوليرا،فالرسالة الأبلغ التي توصلها رواية الطاعون من خلال شخصية الطبيب ريو،هي أن وقوف الإنسان في وجه الطوفان،ليس جهداً عابثاً،ولا هباء منثورا،وإنما موقف تمليه إنسانيته وإيمانه بنفسه،الذي لا ينبغي أن يفقده،ضع صخرة في وجه الطوفان فربما تعيق تقدمه شيئاً ما،حتى وإن بدا جهدك عابثاً فلا تستسلم للفكرة،وهكذا يجد الطبيب والقس نفسيهما على نفس المسار، القس المعتقد بالغيب والمستسلم للقدر، والطبيب الذي يجند كل ما هو متاح ليهزم الوباء، حتى وإن انتصر الوباء فسينحسر مخلداً موقفك الذي اعتصمت به، وكفك التي رفعتها في وجهه، والتي ستبقى مرفوعة كشاخصة إنسانية بعد أن يغيض الموج.
ما الذي يميز أدب الجوائح عن أدب الحروب إذن، حيث كليهما يضع الإنسان أمام امتحان الحياة والموت؟
برغم التشابه الظاهر،إلا أن هناك فرق جوهري يدفع كلاً منهما في اتجاه مختلف، فالحرب خيار إنساني خاطيء، يحمل الإنسان خطاياه واوزاره، وربما يخضع للحساب والمحاكمة على ما اقترفته يداه،إنها مخاطرة واعية يقدم عليها الإنسان بأحط الدوافع وأدناها،الجشع وغرور القوة، وإنكار الآخر.
وعلى العكس من ذلك الجائحة، فهي قدر غالب لاحيلة لأحد فيها، ولذا يتوحد الجميع في مواجهتها متجاوزين الفوارق والضغائن وقافزين فوق الإحن والعصبيات، فهنا موضوع تكامل، وهناك موضوع تفاضل وتكريس للفروقات والعصبيات، هنا يلتئم الشرخ وهناك يتسع.
فهل حدث شيء مختلف في ظل كورونا المستجد؟
هنا شيء مختلف تماماً، فالحملة ضده تولت كبرها السلطات الرسمية،ووضعتها تحت عنوان كبير: العزل والتباعد أولاً،لا بل رتبت لها أولويات متوحشة مجردة من القيم الإنسانية وعلى رأسها: أعط الاولوية للصغار ودع كبار السن يموتون، ولم تخجل أو تتورع  عن إعلان كهذا.
لقد بدا الامر وكأن السلطة تريد تأليه نفسها وأُعلنت قوانين الطواريء والدفاع وشُدّدت العقوبات، وحُرّم التواصل الإنساني،حتى تاق إليه الناس، فتجاوزوه بالتلويح عبر النوافذ والقبلات الطائرة والعزف من على الشرفات.
هنا وصلت رسالة مختلفة، جعلت الكثيرين يشككون في دوافعها حتى ذهب البعض إلى أنها مؤامرة كبرى من حكومة العالم الخفية، وحين طغى الشك فقد الحدث حرارته وصدقه، ولم نجد أدباً معبرا ينتهز حرارة اللحظة.
صحيح أنهم يقولون أنه لا بد من فاصل أو مسافة بين الحدث والمبدع حتى يستطيع تمثّله والتعبير عنه،و أنّه لن يستطيع أن يراه في شموليته ما دام منغمساً  فيه،ولكن الأمر بدا مختلفا هذه المرة ،وكأنه مخطط أو لعبة وليس قدراً ولا غيبا،إنها يد الإنسان العابثة وليست يد الله العارفة،هي من أتى بالوباء.
وعزّز النزوع إلى التكذيب الغموض الذي اكتنف الفيروس المسبّب،حيث لا حقائق طبية تقف على أرض صلبة،ولا جهة علمية رصينة تثبت المعلومة،وإنما ترك الحبل على الغارب لكل من يدلي بدلوه،حتى اقترح الرئيس ترمب شرب المطهرات.
وإذن فقد تفتق المشهد عن مهزلة حقيقية ومسخرة يمكن فقط لكاتب كوميديا أو رسام كاريكاتير أن يبرز جوانبها المضحكة.
وأخيرا وبدل التضامن الإنساني تطلّ العنصرية القبيحة برأسها، عوضا عن التعاطف والأخوة الإنسانية، وهنا يطفح الكيل وتثور الجماهير لتضع نهاية لتاريخ الكراهية الأسود وتحاكم رموزه الحية محاكمة جماهيرية لا قضائية فالقضاء القابع تحت مظلة سلطة عنصرية ليس أهلا للثقة، وفي خطوة مضحكة تُعمّق السخرية والألم يضع الإمبراطور الأحمق على رأسه قبعة الدين في محاولة هازلة لإلباس عنصريته ثوب الشرعية، فينكره أقرب الناس إليه وزير دفاعه ولم يبق إلا اغتيال القيصر على يد مجلس الشيوخ!
ولكن القيصر سقط بالفعل في العراضة الشعبية حتى وإن لم يركبوه على حمار بالمقلوب ويطوفوا به في شوارع واشنطن.
إذن فقد تمخض المشهد عن جائحة أخلاقية وقيمية ومرض اجتماعي مستفحل طفا على سطح الجائحة الوبائية المزعومة أو المبتدعة أو حتى الحقيقية.
ولكن الأهم الذي تمخضت عنه والرسالة التي أوصلتها هو أن الأولوية هي في لقاح ضد العنصرية والظلم، الجرثومة التي لا تزال تفتك بالإنسانية بأكثر مما يمكن أن يفعله وباء جرثومي أو فيروس صغير لا يكاد يبين، فلنُطح بالأصنام الكبيرة أولا بدل البحث عن المخلوقات الميكرسكوبية، فهؤلاء هم الخطر الحقيقي، فليكتب التاريخ نهايتهم قبل أن يكتبوا نهايته ولنبنِ الحضارة الإنسانية على أسس أكثر جدارة بدل الانقياد الاعمى وراء نظرية صراع الحضارات، ولا نترك روما لنيرون كي يحرقها جنونا أو استهتارا.
أيها السادة لقد دخلنا في عصر ٍ مختلف فعندما يسقط هبل الكبير، ستكرّ بعده الأصنام الصغيرة وسيتوالى السقوط حتى تطهُر الأرض ومن عليها، هذه هي رسالة العصر الجديد، فأوصلوها أيها الأدباء!

وسوم :