الأكثر مشاهدة

ید المفسدین أعلى من ید الحكومات

علي علي
ھو مشھد یبعث في النفس القلق والرعب، ویثیر ملَكَة البحث عن حلول، ولكن دون جدوى تستحق العناء، ذاك ھو مشھد
العراقیین وھم یتقلبون بین لیل مظلم ونھار أكثر ظلاما، وصباح حالك ومساء أشد حلكة، وبین ھذا وذاك یأتي بصیص
الضوء من كوة أضیق من سم الخیاط، لایستشعر بھا إلا القلة القلیلة من الناجین سھوا، او المؤجل إعدامھم لحین إتمام
النصاب الشرعي اللازم لإحیاء حفلة الإعدام، المزمع إقامتھا على مرأى من الحاكمین من ساستھ. أما مكان التنفیذ فھو أمر
لایستوجب الدراسة والتخطیط، فالأسواق الشعبیة مكتظة بالعراقیین المستھدفین جمیعھم من دون استثناء، كما ان الجوامع
والحسینیات والكنائس على مرمى بصر القائمین بتنفیذ الحكم، وبمتناول أیدیھم، ولاضیر إن كانت محصنة، فالدور الآمنة
للمواطنین العزل منتشرة في أزقة المدن ونواحیھا وقصباتھا وھي تفي بالغرض ذاتھ. وبذا لایمكن الفصل بین ساحة حرب،
وساحة مدرسة یلعب فیھا الأطفال، وباحة منزل یفوح منھا عطر السعادة والبھجة، فالكل بین مطرقة التھدید وسندان
الوعید، والأمر بینھما غدا سیان.
ھذا ھو المشھد الفعلي والمعاش الیوم في العراق الدیمقراطي الفدرالي التعددي ذي السیادة التامة، لاسیما وأن الحكومة
فیھ منتخبة (منا وبینا)، بعد أن أشار الیھا العراقیون في الأعراس البنفسجیة التي أحیوا طقوسھا أربعا، خلال السنوات
الماضیات، ظانین أن مستقبلھم سیتولى أمره أناس جادون في تقدیم الأفضل.. فكان الأسوأ، وتصوروا أن زمن الدكتاتور قد
ولى وقُبر وبات نسیا منسیا.. فإذا بأشباحھ تلوح في أفق العودة بترحیب وتھلیل وأخذ بالأحضان، من قبل نفر مافتئوا یندسون
في كل ركن من أركان البلاد، مھیئین أمام الموعودین الطریق مزروعا بالورود، وفي الوقت ذاتھ زارعین طریق العراقیین
بالنار والحدید من فسادھم، وقطعا كللت أعمالھم ھذه بمباركة دول وحكومات وشخصیات، لھا من الماضي أضغان وأحقاد
وأطماع، فراحت تغذي أفرادا وتنشئ عصابات وتمول مافیات، غایتھا تكبیل العراق، وتحجیم دوره وسط زحام الأمم
المتسارعة بالتقدم والرقي والعمران.
إن مایلوح في أفق العراق الیوم بالإمكان إعادة رسم معالمھ من اللحظة، ووضع نقاط یقینھ عن بعد فوق حروف الشك
والمجھول فیھ بكل بساطة، الأمر الذي قد یراه البعض صعبا او مستحیلا، إلا أنھ في الحقیقة سھل المنال وقریب النوال،
لكن أنّى للعراقیین من قادة وصناع قرار حازمین صارمین؟ وقبل الحزم والصرامة أین النیة الخالصة في العمل الذي
یصب في صالح البلاد والعباد؟ ونحن نرى تھافت متصدري الحكم بمناصبھم كافة، على المصالح الخاصة او كما نقول؛
(كلمن یحود النار لگرصتھ)، وھم -كما نرى- مستقتلون في تھافتھم ھذا رغم تظاھرات العباد وقرارات رئیس الوزراء،
والأخیر ھذا صار في موضع لایحسد علیھ أحد، فتارة یكون في صدارة المتھمین بالتواطؤ مع الفاسدین في البلد، بمحاولتھ
امتصاص زخم المتظاھرین وتھدئة ثورتھم بالوعود المخملیة والحلول الترقیعیة، وتارة یحكم علیھ بالضعف والخور في
اتخاذ المواقف الجریئة والحدیة، أمام دایناصورات الفساد ومافیات جرائم السرقات، وتارة ثالثة یوصم بالانصیاع لأوامر
خارجیة وإبدائھا على متطلبات منصبھ ومقتضیات واجباتھ المنوطة بھ، وتارات رابعة وخامسة وسادسة یروم محاربوه
إسقاطھ أرضا، باتباع التسقیطات السیاسیة والشخصیة والمھنیة، بإعاقة تنفیذ قراراتھ بشكل او بآخر، بغیة استمرارھم في
غیھم یعمھون..! وھم بھذا طبعا لایأبھون بصیحات المواطن واستغاثاتھ ومطالباتھ بأبسط حقوق المواطنة.
وبذا یظل المشھد العراقي محكوما بإرادة المفسدین لا بإدارة رئیس الوزراء، ولا أمل بتاتا في تغییر المشھد إلا بتغییرھم.
[email protected]

وسوم :