الأكثر مشاهدة

رؤية تحليلية لأهداف الحوار الاستراتيجي بين العراق الولايات المتحدة


عقد العراق والولايات المتحدة اتفاقيتين الأولى: هي اتفاقية انسحاب القوات الأمريكية المعروفة بـsofa، والتي انتهت مع نهاية عام ٢٠١١ قانونياً وعمليا، والثانية: اتفاقية الإطار الاستراتيجي النافذة، وهي موضع اختلاف في تفسيراتها والتزاماتها وشابها الكثير من الغموض والالتباس من كلا الطرفين إضافة إلى ضعف الآليات المتبعة لتنفيذ الالتزامات وتباين وجهات النظر حول المدة القانونية لها، كما أن هذه الاتفاقية بقيت في إطار التنظير الشكلي أكثر من الأبعاد العملية خاصة في طرق الاحتجاج ببنودها، ولهذا تحتاج أما لإعادة نظر من حيث تعديلها أو تطويرها،

أو استبدالها باتفاقية جديدة في ظل المعطيات والتحولات الجيوسياسية التي استجدت بعد هذه الاتفاقية.

أولا: أهداف الجانب الأمريكي للحوار الاستراتيجي:
هنالك عدة معطيات دفعت الجانب الأمريكي إلى دعوة العراق إلى حوار استراتيجي، حول واقع ومستقبل العلاقة بين الطرفين، من المفترض أن يعقد يوم العاشر من حزيران الجاري.

في مطلع نيسان الماضي قال مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكية: أن الولايات المتحدة ستضطر إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها في العراق في ظل الضغط المتزايد لقوات الحشد الشعبي على وجود القوات الأمريكية في العراق، كما المح بومبيو: أنه بالتزامن مع انتشار فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط وتراجع الاقتصاد العراقي، فمن المحتمل جدا أن ينزلق العراق لعدم الاستقرار؛ الأمر الذي من شأنه أن يعزز الانقسامات السياسية الداخلية ويقوي عودة داعش مرة أخرى إلى الواجهة، في الوقت الذي يعزز من النفوذ الإيراني في العراق من جديد عبر إسناد قوات الحشد الشعبي في مهام قتالية تعيد بزوغه للواجهة العراقية من جديد.

لكن الحقيقة أن الدوافع والأهداف المباشرة لواشنطن لإجراء مثل هذا الحوار يرتبط بالأساس بالآتي:

1- مواجهة وتقليص النفوذ الإيراني في العراق، إذ تعتقد إدارة الرئيس ترامب أن هذا النفوذ تعزز وتزايد بعد تشكيل حكومة عادل عبد المهدي رغم استقالتها والضغوط الشعبية والسياسية التي مورست ضدها.

2- البحث عن سلامة التواجد العسكري والدبلوماسي الأمريكي في العراق، والحفاظ على هذا التواجد وفق المقاربة الدبلوماسية المرتبطة بالسياقات الاقتصادية والأمنية.

3- أدركت واشنطن أن سياسة الضغوط القصوى والعقوبات الاقتصادية تجاه إيران لم تكن كافية وناجعة لإرضاخ إيران وتقليص نفوذها المتنامي وخاصة في العراق، كما أنها لا تريد استمرار استهداف المصالح الأمريكية بصواريخ فصائل الحشد الشعبي المقربة من إيران، يدفع بها إلى إجراء هذا الحوار لتأمين سلامة وجودها العسكري والدبلوماسي.

4- لا تريد واشنطن انسحابا كاملا من العراق لأن مثل هذا الانسحاب يعد انتصار استراتيجيا لإيران، ولهذا تبحث عن خيارات البقاء وإعادة الانتشار مع ضمان تحييد النفوذ الإيراني. وهذا يكون عبر التفاهم والحوار والتفاوض مع الحكومة العراقية، التي سيتوقف الدعم الأمريكي لها وفقا لمعطيات ومخرجات هذا الحوار.

5- إحلال توازن عراقي-إيراني في العلاقات والقدرات لا ينعكس سلبا على واشنطن؛ إذ ما تريده واشنطن من العراق يرتكز على استغلال الواقع الاقتصادي المتردي، والانقسام السياسي والفوران الشعبي، وانبثاق تنظيم داعش من جديد، فالمعادلة في هذا الحوار ستكون وفق الرؤية الأمريكية قائمة على تحييد العراق من إيران مقابل تمكينه اقتصاديا وامنيا وسياسيا، والعكس صحيح تماما.

6- لا تريد الولايات المتحدة أي مواجهة مع إيران في العراق، ولهذا ستعمل واشنطن على إدامة زخم تلك الضغوطات على طهران عن طريق تحييد العراق وتمكينه، وجعله يتصرف بنحو غير داعم لإيران بما يعزز نجاح الضغوط القصوى تلك، ويجبر إيران على التعامل وفق هذه المعطيات الجديدة.

ثانيا: أهداف الجانب العراقي للحوار الاستراتيجي:
1- يعد قرار مجلس النواب العراقي في كانون الثاني المنصرم بشأن انسحاب القوات الأجنبية- الأمريكية من العراق، أهم الأهداف التي تدفع الحكومة العراقية الحالية للحوار مع الولايات المتحدة، لأنه يعكس واقع حاجة العراق إلى حماية سيادته وأجواءه وقراره السياسي من جهة، ويعكس وجود انقسام سياسي حول شكل العلاقة مع الولايات المتحدة مكوناتيا، من حيث تعزيز التعاون والبقاء مقابل الانسحاب من جهة أخرى.

2- من أهداف هذا الحوار البحث عن اتفاقية جديدة بديلة عن اتفاقية الإطار الإستراتيجي غير الواضحة وغير العملية، تعكس المصالح المتبادلة بين الطرفين دون ضرر أو انحياز أو ميلان كفة على حساب الكفة الأخرى.

3- الهدف الأمني: تدرك القوى السياسية والحكومة العراقية أن القوات الأمريكية باقية في العراق رغم الانسحاب من عدة قواعد لكنها تمركزت بقواعد أخرى في إقليم كُردستان وقاعدة عين الأسد، كما أنها نصبت منظومة باتريوت المضادة للصواريخ، وهذا يعني يجب التعامل مع هذا التحول وانعكاساته، فمن بين الأهداف لهذا الحوار أن يضمن العراق عدم استخدام هذه القواعد ضد أهداف
د. احمد عدنان الميالي

مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية

وسوم :