الأكثر مشاهدة

ثورة العشرين الكبرى وبداية تصحيح المسار

باسم حسين الزيدي

ثورة العشرين بكل تفاصيلها كانت محاولة لرفض العراقيين للواقع الذي فرض عليهم، وان اختلف في تقييم فشل او نجاح الثورة في تحقيق أهدافها، لكن الجميع اتفق على امتداد اثارها الداخلية والخارجية التي غيرت طريقة التفكير الغربي وتعاملهم مع العرب بصورة خاصة والشرق عموماً، وهي الطريقة التي اكدتها غيرترود بيل (المعروفة باسم مس بيل او الخاتون هي مستشارة للمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس الذي حكم العراق في العشرينات من القرن الماضي) بالقول: “لم يكن يدور بخلد أحد ولا حكومة صاحبة الجلالة، أن يمنح العرب مثل الحرية التي سنمنحهم إياها الآن كنتيجة للثورة”.

صحيح ان ثورة العشرين لم تحصل على مكاسب مادية آنية، حتى مع اعلان استقلال العراق وتنصيب حاكم عربي للبلد، لأنها كانت إجراءات شكلية مسيسة خدمت مصالح البريطانيين بعد ان امتنعوا من منح رجال الثورة وقادتها أي فرصة للمشاركة في حكم البلد او اختيار طريقة الحكم كعقاب لما اعتبروه تمرد على حكومة صاحبة الجلالة، لتستمر المعاناة التي وصفها الامام محمد الشيرازي (رحمه الله) بالقول: “الثورة قد جرت الويلات والمآسي على الشعب العراقي إلى يومها هذا”، لكنها كانت البداية في طريق بحث العراقيين عن هويتهم الوطنية من خلال المطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والتحرر ورفض كل القيود المفروضة عليهم من الخارج، كما انها كانت البداية لتصحيح المسار السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي بملامح قومية عراقية بعيداً عن (التهنيد نسبة الى الهند) او التغريب او الاستعمار.

انطلقت ثورة العشرين الكبرى في العراق بنص خطاب الامام الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي الذي قال فيه: “بسم الله الرحمن الرحيم، مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم، في ضمن مطالبهم، رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطاليبهم”، وقد اختزلت هذه الكلمات احقية الشعب في انتزاع حقوقه من الاستعمار او الاستبداد وكل اشكال الظلم التي مورست ضده خلال سنوات حكم المستعمر الإنكليزي إضافة الى قرون من الاستعمار الأجنبي الذي تعاقبت عليه العديد من الدول، كما انها نجحت في:

1. التأسيس لمبدأ المطالبة بالحقوق واعتبارها من المقدسات التي لا يجب التنازل عنها مهما كانت الأسباب والظروف باعتبارها حقوق ولدت مع الانسان وليست هبة او منة من الحاكم او المستعمر.

2. التأسيس لعقد اجتماعي يقوم على أساس التكافؤ بين الحاكم والمحكوم وليس على أساس التبعية او الاستغلال او الاستعمار، يقوم فيه العراقيون باختيار الحاكم ونظام الحكم والعلاقة بينهم وبين النظام بصورة عامة.

3. التأكيد على “السلم والامن” باعتبارهما الأساس في التحرك للمطالبة بالحقوق وجعل الاستثناء هو “التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطاليبهم”، وقد اعتبرت قاعدة “رعاية السلم والامن” من القواعد الذهبية التي سار عليها اغلب المصلحون في تحقيق مطالبهم من خلال نبذ العنف واختيار طريق السلم لتغيير الواقع الفاسد.

4. يقول الامام محمد الشيرازي (رحمه الله): “للناس حاجات، وهم يلوذون بعلمائهم ومراجعهم في تلبية الحاجات لأنهم يلجؤون إلى من يحبونهم والى من يستطيعون أن يتحدثوا معهم بحرية، وقد أكدت الشريعة الإسلامية أشد التأكيد على تلبية حاجات الناس”، وقد اعتبرت ثورة العشرين مثالاً واضحاً على هذه العلاقة بين المؤسسة الدينية والمجتمع، وهي علاقة مبنية على الابوية ورعاية المصالح وتقديم النصيحة والمشورة والحكمة في الأوقات التي توجب التدخل لتصحيح المسارات الخاطئة.

5. وحدت الشعب العراقي حول قيادة واضحة ومحترمة، وابعدت عنهم الطائفية والعنصرية، وشخصت جميع السلبيات التي تعترض طريق النجاح، كما انها وحدت مطالبهم ورؤيتهم للمستقبل كشعب مستقل وغير خاضع لسلطة اخرى لأول مرة منذ قرون من الزمن.

بعد مائة عام على انطلاقها، مازال الشعب العراقي يتظاهر للمطالبة بحقوقه ضد الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق والتي لم تتعظ من الماضي القريب، بل واستخدمت كل الأساليب المتاحة في القمع والتعذيب والتهجير والقتل لمنع أي تغيير او اصلاح، وهي أساليب المستبدين للبقاء في الحكم على حد قول المرجع الراحل السيد الشيرازي: “من أساليب الدكتاتورية تحطيم إرادة أولئك الذين يريدون الحرية، بإلصاق التهم بهم، وقتلهم، وسجنهم، وإبعادهم، ومصادرة أموالهم، وزرع الفرقة بينهم”، ويضيف: “يسعى الدكتاتوريون إلى خلق اليأس في نفوس الناس بالقدرة على إسقاطهم، وأنهم جاؤوا ليبقوا، وليسوا كالأفراد العاديين لهم بقاءً وفناءً”، والغريب انهم يصدقون هذه الأكاذيب التي اطلقوها كما فعل نظام البعث الدكتاتوري الذي حكم العراق لعقود من الزمن لكنه سقط في نهاية المطاف.

رغم كل المكاسب التي حققتها الثورة واثارها الايجابية التي انعكست على المجتمع العراقي لكنها لم تتمكن من تحقيق النجاح على المستوى العسكري كنتيجة طبيعية لضعف الإمكانات المادية والعسكرية امام أكبر قوة استعمارية في العالم في ذلك الوقت، كما استغل البريطانيون الأخطاء التي وقع فيها الثوار كمدخل لزرع التفرقة وتحريف مسار الثورة.

يقول المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله): “وتدخلت القوى الكبرى الاستعمارية، وجاءت بحكومة شكلها عراقي، ولكن حقيقتها ليست كذلك، فجرت الويلات والمآسي على الشعب العراقي إلى يومها هذا، إن تلك الانتكاسة يلزم أن تكون عبرة لنا، لنصحح الأخطاء التي وقعنا فيها في ذلك الوقت، حتى لا تتكرر ثانية”، ولو تأملنا فيما قاله المرجع الشيرازي عن تلك الحقبة سندرك جيداً ان ثورة العشرين الكبرى مازالت تبحث عن نهاية جديدة تغير الواقع المرير الذي يعيشه العراقيون وهم يطالبون بحقوقهم وتحقيق العدالة والحرية والكرامة، مع مراعاة اخذ العبر والنصائح من الماضي لضمان النجاح في الحاضر والمستقبل ومن هذه النصائح ما قدمها المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) للساعين للإصلاح والتغيير:

1. على الذين يريدون التغيير أن يعقلنوا حركتهم وبحسب متطلبات الظروف لا بحسب رد الفعل، حيث إن الإنسان إذا كانت حركته في دائرة رد الفعل سيكون في أزمةٍ يخلقها عدوه له، حيث إن ردّ الفعل يسحب الإنسان حيث أراد صاحب الفعل، لا حيث هو يريد.

2. من يحارب الدكتاتور يجب ألا يكون ديكتاتوراً، ومن يحارب الظلم يجب ألا يكون ظالماً، ومن يحارب الكذب لا يكون كذاباً، والحزب الذي يحارب الأصنام البشرية والحجرية ويحارب ما هو ضد الإسلام لا يمكن أن يكون صنماً، وإلا فلا جدوى من محاربته، لا إسلامياً ولا اجتماعياً، ومصيره النهائي هو الفشل المحتم.

3. من أهم الأمور التي تجب على الذين يريدون التغيير هو فهم السياسة، إذ بدونه لا يتمكن الإنسان من الشروع في العمل وإن بدأ، فإنه لا يتمكن من الاستقامة في أمره وإن تجلّد وقاوم، فإنه لا يتمكن من مواصلة السير بالحركة إلى شاطئ السلام والهدف المنشود.

4. إذا كان دعاة الإصلاح قد فشلوا في الاتفاق على منهج بناء مقبول لدى الجميع، فهو لأنهم افتقدوا الى قاعدة مشتركة تلتقي بها وجهات نظرهم المتباينة.

5. على الذين يريدون التغيير، أن يوسعوا صدورهم في الرخاء والبلاء، فلا تبطرهم النعمة، ولا تؤيسهم النقمة، فإن في طريق التغيير يكون كل ذلك.

6. ينبغي عليكم ألا تدّخروا وسعاً لتقويم كل اعوجاج، وللوقوف في وجه كل من يعمل ضدّ حرية الناس وضد حقوق المسلمين وغير المسلمين، وأن تتحملوا في ذلك مسؤوليتكم الكاملة أمام الله (عز وجل) وأمام الأمة وأمام الأجيال القادمة.

7. من المهم جداً تحييد السلاح كي لا يدخل الميدان لصالح الدكتاتور، وغالباً يمكن تحييد السلاح بابتعاد الشعب عن استخدام السلاح في إضراباته ومظاهراته، بأن تكون حركته سلمية، تتجنب العنف والشدة.

8. السبب الذي يأتي بالدكتاتور إلى الحكم ثم يبقيه ما بقي ذلك السبب، هو جهل الجماهير وتطبعها بنزعةٍ منحرفة تجعل من عبادة الفرد والتسليم له مذهباً دينياً، وتريهم أن كل ميلٍ من الحاكم يكون كالميل عن الدين.

9. إذا اهتم الناس في بلدٍ يحكمه ديكتاتوري لإسقاط الدكتاتور، دون أن يكون لهم منهج بديل للحكم القائم أو لهم منهج لكنه لم يكن واضحاً في بنوده وخصوصياته، فإنهم سيقعون مرة ثانية وثالثة ورابعة فريسة لدكتاتور جديد.

10. ينبغي على الإنسان المصلح أن يقابل الإساءة بالإحسان، فإن ذلك يوجب التفاف الناس حوله، وتمنحه النفوذ فيهم وأخيراً يتيسر له الوصول إلى هدفه.

وسوم :