الأكثر مشاهدة

العراقیون بین الداخل والخارج ـ في سیكولوجیا التعصب الأعمى

د.عامر صالح
لا زلت غیر مقتنع في التقسیم المتحجر الذي یقسم الشخصیات العربیة او الأسلامیة او التقسیم القائم على اساس جغرومناطقي الى
شخصیات ذات ثبات شبھ مطلق وغیر قابل للتغیر أو التأثر بالظروف او الفترات والحقب التاریخیة التي تنتج شخصیات مختلفة في
مراحل سیاسیة وتاریخیة مختلفة, وبالتالي عندما نتحدث عن الشخصیة المصریة, او الشخصیة العراقیة, او اللبنانیة او المغربیة
وغیرھا یجب ان یكون الحدیث مقترنا بسلامة منھجیة تعبر عنھا الظروف المحیطة والتغیرات السیاسیة والاقتصادیة والسیاسیة
والاجتماعیة لكل حقبة زمنیة أنتجت شخصیات مختلفة, حتى وأن سمیت بأطرھا الجغرافیة المكوناتیة العرقیة, وبالتالي یمكن القول أن
ما كان عراقیا او مصریا او لبنانیا أن یتبادلا المسمیات عندما تتشابھ الظروف التي یمرون بھا, فما ھو عراقي یمكن ان یكون لبناني او
مصري او مغربي وبالعكس.
وھنا اتفق نسبیا ان ثبات الظروف الاقتصادیة والاجتماعیة والسیاسیة عبر حقب مختلفة ینتج بالضرورة ثباتا نسبیا في الصفات
السیكولوجیة للشخصیة وقد تتأصل الكثیر من الصفات السلوكیة والشخصیة بفعل عوامل التعزیز الدائم والدعم المحیط بما یترك
انطباعا اولیا انھا صفات وراثیة وذات طبیعة تأصلیة ویصعب تغیرھا او یستحیل حتى اذا تغیرت الظروف التي انتجتھا” طبعا ھذا
غیر صحیح ” والصح ھو ان ھناك بطئ شدید او عدم توافق وتطابق دینامي بین التغیرات الحاصلة في البنیة الاقتصادیة والاجتماعیة
وبین منظومة القیم والصفات الشخصیة حیث الاخیرة تتخلف عنھا نسبیا بفعل ارتباطھا في البعد الشخصي ومدى تفاعلھ مع التغیرات
الموضوعیة الحاصلة على الارض, ولكنھ لا یستمر طویلا حتى یلتحق بتلك التغیرات ویكتسب افرازاتھا السایكولوجیة وحتى بما
تفرزه من منظومة اخلاقیة.
وبتأصل جذورھا الى مرحلة النظام 2003ما ارید الحدیث عنھ بتلك المقدمة ھو ما افرزتھ الظروف السیاسیة في العراق حالیا بعد
السابق ھو الدعاوى الباطلة والفاقدة للسند العلمي والاخلاقي ھو تقسیم العراقیین الى عراقیي الداخل وعراقي الخارج والتفضیل المفتعل
لعراقي الداخل على عراقي الخارج, والذي وصل الى مطالبات تفتقد الى الحس الانساني والتي تدعو الى الخلاص او اسكات صوت
عراقي الخارج, ھذه الدعاوى المبطنة لھا جذورھا في موقف النظام السابق من المعارضة العراقیة ودعواه للخلاص منھم وتصفیتھم
وخاصة عندما رفعوا شعار الكفاح المسلح لأسقاط النظام الدكتاتوري, وفشلت اغلب محاولاتھ لترویض المعارضة العراقیة في الخارج
وخاصة ذات المزاج والتوجھ الیساري, في محاولة منھ لأستغلالھا في كسب الرأي العام العالمي لدعم النظام وبقائھ وفك العزلة الدولیة
عنھ.
وللأسف الشدید ان ھذه الدعاوى الیوم امتدت وبأشكال مبطنة الى بعض مجامیع الحراك الجماھیري وبشكل خاص الى جماھیر
انتفاضة اكتوبر العراقیة والتي اندلعت في الاول من اكتوبر للعام الماضي ولا تزال مستمرة, بل وصل الأمر الى ما ھو الأسوء ان
یتجاوز بعض من ” المثقفین او الاساتذة ” على عراقي الخارج ویدعوھم الى السكوت عن المطالب العراقیة المشروعة في العیش
الكریم او تحت دعاوى مبطنھ تحت شعار ” دعوا شعب الداخل وشأنھ ” ولا ارید التشكیك بتلك الدعوات إلا من منطلق من استفاد
الكثیر منھم في اكمال دراساتھ في ظل النظام السابق والجمیع یعرف ضغوطات النظام السابق على ذوي الدراسات العلیا وغیرھم, فأن
لم یكون مع النظام علیھ توقیع تعھد براءة من العمل السیاسي المعارض, وفي تلك الاشكالیة قد تفسر بعض من عقدة كراھیة عراقي
الخارج, والیوم في ھذا الظرف عندما یحضروا ھؤلاء كناشطین مدنیین او دعاة تغیر فأن التلوث الأسقاطي اشد حضورا في سلوكیاتھم
الأضطرابیة.
عراقیو الخارج كما یحلو للبعض ان یطلق علیھم ھم عراقیون لیس من حق احد ان ینتزع منھم وطنیتھم وولائھم للوطن ولیس من حق
احد ان یوزع الوطنیة كیفما یشاء وینتزعھا ممن یشاء. كما لا یمكن أن یُأخذ ستة ملایین عراقي في الخارج بجریرة حفنة
أساؤوا التصرف ، فلیس من العدل ان یجردوا من وطنیتھم ، ویتم الھجوم علیھم وكأنھم خونة أو متآمرین. ولو قارن المواطن النبیھ
والفطن: كم من فاسد سیاسي قادم من الخارج ساھم في الحكم بمن ھم فاسدین من عراقي الداخل, ومن اعلى درجة وظیفیة الى ادناھا
.!!!
ان افتعال الفرقة بین العراقیین و تقسیمھم الى داخل وخارج وزجھم في معركة خاسرة خطیئة بحق الوطن ، فالعراق عراق الجميع ،
وما تحدث بھ بعض المسؤولین أو سیاسین او من المشعوذین ” المثقفین ” بأن العراق للعراقیین في الداخل ھي كلمة حق یراد بھا
باطل. ان في عراقیي الخارج كفاءات كبیرة وطاقات مھمة ، یقومون بدور فاعل في بناء البلدان التي یعیشون فیھا ولھم سمعة طیبة،
فاقصائھم ھو مؤامرة مقصودة ، وانا ھنا لا اعني السیاسیین بل ، الكفاءات العلمیة والاكادیمیة والطبیة والھندسیة والفنیة والادبیة
الأبداعیة وفِي بقیة المجالات ، ان دول العالم تدفع الأموال الضخمة وتقدم الإغراءات الكبیرة من اجل استقدام العقول والطاقات ونحن
في العراق وللاسف نمارس وبجھل طرد العقول البناءة من ابناء الوطن. أن فاسد سیاسي قادم من الخارج وینتمي الى حزب لا یؤمن
بالدیمقراطیة والتعددیة والتداول السلمي للسلطة لا یمكن تعمیمھ على عراقي الخارج, ففي ذلك جھل وفتح بوابة جھنم لتشتیت شمل
العراقیین في الداخل والخارج.
یجب على كل شعبنا ومثقفیھ وطلائعھ السیاسیة الخیره ان تقف بقوة ضد ھذا التصنیف المفتعل: عراقیو الخارج وعراقیو الداخل, وان
ھذا التقسیم والتجزئة للجسد العراقي الواحد قد یحمل في طیاتھ بوادر سیئة لقتل وتصفیات متبادلة بین مكونات شعبنا وقد تفقده اكثر
الناس كفاءة ونزاھة, وفي مجملھا تصب في خدمة الأسلامویین غیر المؤمنین بالدیمقراطیة والتعددیة, وبقایا ثقافة البعث المنھار وتعید
انتاج العنف المجتمعي بین شرائحھ النوعیة والأكثر وفاء للوطن.
وبھذا السلوك الاقصائي بین عراقي الداخل والخارج فھو سلوك أناني سلبي قائم على تعمیمات وأوھام ومشاعر وانفعالات تجعل
المتعصب من عراقي الداخل یتصرف على نحو عاطفي غیر منطقي، یتنازعھ دافعان متناقضان، الحب الأعمى للذات من جھة، والحقد
الأعمى للآخر من جھة ثانیة. وكما یمكن الحدیث عنھ باعتباره سلوكا فردیا، یمكن الحدیث عنھ باعتباره سلوكا جماعیا، باعتبار
الجماعة المتعصبة ھي مجموع الأفراد المتعصبین المكونین لھا. ولذلك یعد التعصب، بھذا المعنى، مرضا نفسیا واجتماعیا في آن معا.
وذلك بالنظر إلى كونھ إنتاجا للفرد والجماعة معا، یتأثران بھ معا. ومن المعاني التي ترتبط بالحقل الدلالي للتعصب التقوقع والتزمت
والعمى والعنصریة والتمییز والإقصاء والاستبعاد والتطرف. وھي كلھا معاني سلبیة. ھكذا نجد أن التعصب داء یصیب الأفكار
والقناعات والمشاعر فیؤثر سلبیا على معقولیة وجودة وحكمة التصرفات التي تصدر عن المتعصب.
في ھذا التعقید من النزوع جراء تعقد الاوضاع الداخلیة في العراق, ولكي نكون براء من تلك النزعة اللاانسانیة علینا نحن عراقي
الداخل ان نكون اكثر وعیا في تشخیص مواطن الضعف واسباب الانھیارات الكبرى في مجتمعنا وان نكون اكثر بعدا عن الانفعالات
لعقود ماضیة, تلك ثقافة النظام المقبور والاسلامویین الذین یعزفون على الانفعالات المریضة في محاولة للخلاص من ازماتھم, المدمرة للذات العراقیة الواحدة في تجزئتھا الى عراقي داخل وخارج, أنھا ازمة حضاریة ومعبرة عن عزلة شعبنا عن العالم الخارجي
وبالتالي فأن شعبنا امام مھمة معقدة ومتشابكة وھي الخلاص في ثقافتھ من التعصب الدیني والمذھبي والابتعاد عن الھویات الفرعیة
الضارة وعدم تجزئة شعبنا الى شعب في الداخل وشعب في الخارج, انھا ھجمة مفبركة ضد أي تغیر مرتقب في الاوضاع الحالیة
للعراق, بل انھا دعوى لأقصاء النخب السیاسیة النزیھة, بل وللأنفراد بشعبنا مجددا واقحامھ في آتون الطائفیة والمناطقیة والفرعیة
والمذھبیة والشوفینیة العرقیة.
اعتقد ان تلك التجزئة والفرقة بین عراقیي الداخل والخارج ھي ردة فعل حضاریة حملھا النظام السابق بعزلتھ العالمیة والحضاریة عن
العالم الخارجي والتي وضع فیھا العراقي في موقع القوي المفتعل شكلیا ولكنھ ضعیفا امام متغیرات الحضارة الانسانیة وضعیف
الاستیعاب امام ما یجري من منجزات في الفكر والثقافة والعلوم المختلفة, ومن ثم كان مجیئ الاسلامویین اشد وقعا في اعادة انتاج
التخلف وفھم ظروف العصر والانفتاح واعادة انتاج خطاب القرون الوسطى الذي لا یصلح للحیاة, وعلى شعبنا ان یدرك اللعبة بأمعان
وان یستفید من خبرة الیسار العراقي بكل اطیافھ في استعادة اللحمة الوطنیة والابتعاد عن خطاب التفرقة والتراجع الى الخلف, فأن
العودة الى الصفر یعني ضیاع العراق !!.

وسوم :