إسرائيل تحتفِل بالإنجاز التاريخيّ ونتنياهو: لا مفّر للعرب والمُسلمين إلّا التنازل لأننّا أقوياء والاتفاق مع الإمارات هو “سلامٍ مُقابِل سلام” ومُستشرِقة: “نصبوا كمينًا للفلسطينيين وأوقعوهم فيه”

“سلام مُقابِل السلام”، قال رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، في خطابه الذي أعقب البيان الرسميّ عن التوصّل غير المفاجئ، بلْ المُتوقّع جدًا، لاتفاق سلامٍ بين كيان الاحتلال وبين دولة الإمارات العربيّة المُتحدّة، وفي هذا السياق يجِب التذكير بأنّ الدولة العبريّة لا تعتبِر دول الخليج في مصاف الدول الأعداء، كما هو الحال مع سوريّة، إيران، العراق ولبنان.
وسائل الإعلام العبريّة على مُختلف مشاربها، احتفت واحتفلت بهذا الـ”إنجاز التاريخيّ”، الذي جاء في الوقت المُناسِب لمُساعدة نتنياهو في تغيير سُلّم الأولويات، وصرف الأنظار عن تورّطه في القضايا الجنائيّة المُتهّم بتنفيذها، وعن فشله المُدّوي في مكافحة فيروس (كورونا) المُستجّد، وعن وجود أكثر من مليون إسرائيليّ عاطلين عن العمل، وعن الأزمة الاقتصاديّة التي تعصِف بدولة الاحتلال، كلّ هذه الأمور باتت مؤقتًا على الرّف، بفضل حُكّام دولة الإمارات العربيّة المُتحدّة، الذين منحوه غطاءً حميميًا، وأعطوه طوق النجاة على حساب فلسطين، التي تذرِف الدمع والدّم بفعل الفظائع الإجراميّة التي يقوم فيها “جيش نتنياهو الأكثر أخلاقيّةً في العالم” (!)، كما يتشدّق أقطاب وأركان الكيان.
يتحدّثون عن فلسطين ولكنّهم لا يتحدّثون معهم، يتكلّمون عن وقف خطّة الضمّ، وهو الأمر الذي نفاه نتنياهو في خطابه الدراماتيكيّ مساء أمس، الفلسطينيون، مُشدّدًّا على أنّ خطّة الضمّ ما زالت على الأجندة، وأنّ البيت الأبيض هو الذي سيُقرِّر متى ستخرج إلى حيِّز التنفيذ، بحسب أقواله.
إلى ذلك، نقلت المُراسِلة السياسيّة لصحيفة (هآرتس) العبريّة عن مصادر واسعة الاطلاع في تل أبيب، قولها إنّ الفلسطينيين بقوا لوحدهم خارج اللعبة الجديدة، لافتةً في الوقت عينه إلى أنّه ليس سرًا أنّ العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، وليس الإمارات فقط، مُستمرّةً منذ زمن طويلٍ على نارٍ هادئةٍ، بشكلٍ سريٍّ، وفي الآونة الأخيرة بصورةٍ أقّل سريّةً، طبقًا للمصادر الرفيعة في الكيان.
واستذكرت المُراسِلة، نوعا لانداو، أنّه في إحدى الزيارات التي قام بها نتنياهو سُئِل لماذا يتفاخر ويتباهى بوجود تطورّاتٍ سياسيّةٍ، علمًا أنّه في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينيّة في العام 1994 قام الزعماء الإسرائيليين بزيارة جميع الدول التي يقوم هو الآن بزيارتها. نتنياهو، أضافت لانداو، ردّ بشكلٍ مفاجئ وقال: نعم، كان آنذاك تطورّات سياسيّة، ولكنّه أضاف: طريقتهم كانت تقوم على تقديم تنازلاتٍ خطيرةٍ للفلسطينيين، لأنّ النظرية التي كانت سائدة في ذلك الوقت أكّدت على أنّه من أجل التوصّل لاتفاقيات سلامٍ مع الدول العربيّة والإسلاميّة، ومع دول العالم الأخرى، عليكَ أولاً أنْ تُبرم اتفاق سلامٍ مع الفلسطينيين، على حدّ قوله.
وتابع قائلاً: أنا قلت العكس من ذلك، أولاً قررت أنْ أتوجّه للدول في العالم، ومن هناك إلى الدول في العالميْن العربيّ والإسلاميّ، وعن طريق هذه الاتفاقيات من المُمكِن أنْ نصِل من هناك إلى الفلسطينيين، هكذا فقط، جزم نتنياهو، بحسب الصحيفة العبريّة، إذا كُنّا أقوياء، سيفهمون أنّ لا مفّر لهم، إلّا التوصّل معنا إلى  تفاهماتٍ وتنازلاتٍ واتفاقات سلامٍ، على حدّ تعبيره.
بالإضافة إلى ما ذُكر أعلاه، يجِب التذكير بأنّ المصالح الإستراتيجيّة لأمريكا وإسرائيل تتساوَق مع مصالح دول الخليج مُجتمعةً: الطرفان يعتبِران إيران العدوّ الرئيسيّ، الذي يجِب مُحاربته لوقف ما يُسّمى في معجمهم التمدّد الشيعيّ، و”احتلال” إيران لأربعة عواصم عربيّةٍ، دمشق، بيروت، بغداد وصنعاء، وبالإضافة إلى ذلك، مجلس التعاون الخليجيّ صنّف يوم 2 آذار (مارس) من العام 2016 حزب الله اللبنانيّ منظمةً إرهابيّةً، وانتقد في الوقت ذاته ممارسات الحزب التي تُشكِّل تهديدًا للأمن القوميّ العربيّ، كما جاء في القرار. عُلاوة على ذلك، تعتبِر دول الخليج التطبيع مع كيان الاحتلال خيارًا إستراتيجيًا، أيْ أنّ المُقاومة باتت إرهابًا والتطبيع قاعدةً وليس استثناءً.
من ناحيته، قال مُراسِل الشؤون العربيّة في موقع (WALLA)، الإخباريّ-العبريّ، أنّ ولي عهد الإمارت، محمد بن زايد أدار ظهره للسعودية وتركها في الوراء، وأرسل قمرًا اصطناعيًا إلى الفضاء وقام بتدشين محطةٍ نوويّةٍ، والآن أخرج العلاقات السريّة مع إسرائيل إلى العلن، مُضيفًا في الوقت عينه أنّه يخشى من إيران وتركيّا، ولكنّ بلاده، مقارنة بدولٍ عربيّةٍ أخرى في الشرق الأوسط، تُعتبر دولةً لبراليّةً، على حدّ وصفه.
في السياق عينه قال كبير المحللين الإسرائيليين، ناحوم بارنبيع، في صحيفة (يديعوت أحرونوت) إنّ الاتفاق بين الكيان والإمارات هو أكبر إنجاز حققه نتنياهو في حياته السياسيّة، لافتًا إلى أنّه إذا نجح فإنّ نتنياهو يحِّق له التفاخر بذلك، وإذا فشِل فسيكون الفشل من نصيبه فقط، فيما قال المُستشرقة سمدار بيري، في الصحيفة نفسها، إنّ الاتفاق هو بمثابة فخٍّ تمّ نصبه لرئيس السلطة الفلسطينيّة، محمود عبّاس، على حدّ تعبيرها.
الناصرة-“رأي اليوم”- من زهير أندراوس:

وسوم :