في سیكولوجیا الدفاع عن النفس… حذاري من أراقة الدم العراقي

د.عامر صالح
بات المشھد العراقي الیومي أكثر دمویة حیث ضحایا الأحتجاجات التي بدأت في الاول من اكتوبر من العام الماضي بتزاید مستمر
وبأنتقائیة اجرامیة للضحایا, حیث الضحایا من النخب المیدانیة والقیادیة لأحتجاجات اكتوبر وایضا من الكوادر الطبیة والھندسیة
والتدریسیة والاعلامیة التي انخرطت في الحراك الاجتماعي دفاعا عن المطالب المشروعة للشعب في الحیاة الحرة الكریمة, من
خدمات اساسیة: صحة وكھرباء وتعلیم وفرص عمل, الى جوانب الدعاوى الشرعیة في اعادة بناء خریطة النظام السیاسي
المحصصاتي والطموح المشروع للأنتقال بھ الى نظام المواطنة الصالحة بعیدا عن الانتماءات الفرعیة المذھبیة والدینیة والمناطقیة
عاما وأركنتھ مع مصافي الدول المعوقة والفاشلة وجعلت شعبھ یعاني 17والعنصریة والشوفینیة التي ارھقت العراق وأفلستھ خلال
الأمریین, من بؤس وفقر وجوع وفساد أضاع ثروات العراق ومستقبلھ وكرست ملامح حاضر تعیس ورسمت ملامح مستقبل غامض
عدیم الأفق والاستقرار الانساني.
قبل وبعد زیارة رئیس الوزراء العراقي الى الولایات المتحدة الامریكیة ازدادت موجات العنف ضد المتظاھرین السلمیین, وازدادات
معھا موجات صواریخ الكاتیوشا الموجھة الى المنظقة الخضراء والى معسكرات الجیش العراقي المختلفة والتي یتواجد في بعض منھا
أمریكان, وھي كما معروف وسائل ضغظ لیست دبلوماسیة بل عسكریة وھدفھا واضح للضغط على رئیس الحكومة العراقیة للتحاور
مع الامریكان كي تنسحب من العراق وتھدید ضمني للكاظمي أنھ في حالة عودتك الى العراق ولم تنسحب القوات الامریكیة ستكون
الارض تحت اقدامك جحیم” من مزیدا من الصواریخ الكاتیوشویة الى مزیدا من قتل المتظاھرین السلمیین وتحمیلك مسؤولیة دمھم
المراق” وبما أنك مسؤول مخابرات سابق فأنك تتحمل مسؤولیة قتلھم لأنك تعرف بكل شاردة وواردة, وبالتالي خلط الأوراق على
الكاظمي ووضعھ في موقع المجرم القاتل والمبارك لبقاء القوات الأمریكیة. تلك ھي لعبة سوداء یجیدھا من یسعى الى اللااستقرار في
العراق, بل ویجیدھا من أتى ودعم مجیئ الكاظمي للخلاص من الضغظ الجماھیري للأفلات من العدالة, ثم التنصل عنھ ووضعھ في
موضع الضعیف وغیر القادر على الخروج من مأزق البلاد وتحمیلھ كل اخفاقات الحكومات السابقة.
أن كل ھذه التكتیكات من ضرب القوات الأمریكیة، واستخدام البرلمان والحلفاء السیاسیین لإصدار قرارات، واستھداف المتظاھرین
والاختطاف والجریمة المنظمة، وإیجاد جیوش إلكترونیة تثیر الھلع والرعب وتبث أخبارا كاذبة، كلھا الغرض منھا خلق حالة من
الاضطراب؛ للضغط على صانع القرار السیاسي بالعراق والحكومة العراقیة بشكل خاص وحرف مسارات حوار بناء یستجیب
للمصلحة العراقیة في ظروف صعبة وتھدیدات خارجیة وداخلیة ماثلة امام العراق, ولكن ھذه المجامیع تستجیب لأمزجة ومصالح
آنانیة ضیقة وتستجیب لضغوط اقلیمیة خارج اطار المصلحة الوطنیة العراقیة. أن الجماعات المسلحة التي تستھدف الأمریكیین تدرك
أن الوجود الأمریكي أكبر بكثیر من أن تجعل الولایات المتحدة تغیر من منظومة تحالفاتھا بضربات متفرقة من صواریخ كاتیوشا،
لذلك ھم یریدون الضغط على الحكومة العراقیة الضعیفة أصلا بطبیعة نشأتھا وعدم وجود كتلة برلمانیة واضحة تدعمھا وعلى طریق
اسقاطھا.
في ھذه الملابسات المعقدة وفي ھذا التوقیت الصعب یجري خلط الاوراق وزج المحتجین السلمیین في آتون الصراع بین الحكومة
والمیلیشیات المسلحة, واستخدام الأخیرة وعلى نطاق واسع تھم التخوین والعمالة للمحتجین وفبركة مختلف الحجج والروایات للتغطیة
على الاعمال الاجرامیة والقتل التي تستھدف ناشطي الاحتجاجات ورموزھم القیادیة, وھي لعبة مزدوجة, تستھدف التخلص من
القیادات المیدانیة للأحتجاجات الى جانب احراج الكاظمي واضعاف قدرتھ في اتخاذ خطوات جریئة وملموسة لفضح ما یدور حولھ من
تحالفات سیاسیة برلمانیة غیر نزیھة وشل قدرتھ على اتخاذ اي قرارات تفضح دور الدولة العمیقة ودورھا التخریبي في استقرار
العراق.
أن تھم العمالة للسفارات الاجنبیة وخاصة الامریكیة منھا ھي من اسھل التھم لشرعنة قتل المحتجین بشكل یومي واستباحة دمائھم
تؤكد لنا من ھو العمیل, الذي بارك المحتل 2003وتیتیم اطفالھم وترمل زوجاتھم والعبث بمستقبل الأسرة العراقیة. وتجربة ما بعد
وصفق لھ وفرح لقدومھ للخلاص من الدكتاتور دون حسبان لعواقب الاحتلال, وكان جزء من التحركات المكوكیة للمحتل في صیاغة
النظام الطائفي والاثني البغیض والذي فرح لقوات الاحتلال الامریكي بما تفعلھ في العراق من تحطیم لمؤسسات الدولة والمجتمع
بواجھة الخلاص من الدكتاتوریة, أم أن العمیل ھو المحتج السلمي والراغب في اصلاح النظام السیاسي وانتشالھ من مستنقع الطائفیة
والاثنیة المحصصاتیة والفساد الاداري والمالي والداعي الى خروج القوات الاجنبیة من العراق في أطر مقننة تضمن سلامتھ.
منذ اسبوع والملیشیات السائبة وحملة السلاح المنفلت یسرحون ویمرحون في البصرة وبغداد والناصریة وغیرھا من المدن المحتجة
ویستبیحون الدم العراقي في وضح النھار وبكل صلافة وسقوط اخلاقي, انھ استمرار لمسلسل القتل والأغتیالات الذي اشتد منذ الأول
اكتوبر من العام المنصرم, وقد عجزت الحكومات عن تحدید ھویة القاتل وسوقھ للعدالة او تغافلت عن تحدید ھویة القاتل لأسباب
متعددة ومتشعبة ولكنھا غیر مبررة بكل الأحوال, وأمام ھذا العجز الحكومي قد یضع المحتجین امام خیار حمل السلاح للدفاع عن
النفس والرد على اطلاق النار بأطلاق نار مقابل ومشروع في اطار الحق العام للدفاع عن النفس بما یكفلھ الدستور والقانون, وقد بدأت
بوادر ذلك لدى احدى الناشطات في البصره في الدفاع عن نفسھا ضد محاولة اغتیالھا. تلك لیست دعوى لحمل السلاح من قبل
حد لقتل الأبریاء وبالتالي فلكل فعل تراكمي ردة فعل مساویة لھ. المحتجین ولكن سیاق الأحداث قد یفرض مختلف الخیارات للدفاع عن النفس في ظل العجز والشلل التام للحكومات المتعاقبة في وضع
أشكالیة السیاده العراقیة تتحملھا جمیع الأطراف الدولیة والأقلیمیة والداخلیة السیاسیة والطائفیة وان انتھاك الدولة وسیادتھا یجري
یومیا, وبكل الأحوال لا یجوز تبریر قتل العزل وممارسة الأغتیالات ویفترض بدولة مستقرة وقضاء مستقل قوي یبت في كل
الأشكالیات بعیدا عن التصفیات الجسدیة. ولیست من الأنصاف والعدل والاخلاق ان نضع المسؤولیة برقبة المواطن كي یدفع حیاتھ
ثمنا لمطالبتھ بحقوقھ اما الخوض في التفاصیل وفرز الطالح من الصالح فلا تحلھ لغة السلاح.
ان الحاجة لتجنب الألم و الخطر حاجة فطریة بیولوجیة یشترك بھا الإنسان مع بقیة الكائنات الحیة في سلم التطور البیولوجي ، أذ یخلق
الإنسان و ھو مزود ببعض الأسالیب التي تمكنھ من الابتعاد عن ما یؤذیھ و یسبب لھ الضیق ، و قد نشاھد بدایة ھذا السلوك لدى
الإنسان في مرحلة الرضاعة ، و یظھر في صراخ الولید و بكائھ والتي تشكل احتجاجاتھ البدائیة الأولى ، أو عندما نكبل الطفل
بوسادة أو یدنا على وجھه فسرعان ما یدفعھا بیدیھ او حركة رأسھ لتجنبھا أو دفعھا بعیداً عنھ . و ھكذا مع نمو الإنسان و احتكاكھ مع
الآخرین من أفراد الأسرة و الأصدقاء و المجتمع واندماجھ لاحقا بالنظام الاجتماعي والسیاسي والاقتصادي ، یطور الإنسان ھذه
أم الأكبر ، و يظھر ذلك في اھتمامھ بتحسین ظروف وجوده من خدمات انسانیة تلیق بأنسانیتھ.

وسوم :