زبد یعلو وجیف تطفو

علي علي
بین ملك ووصي ورئیس وزراء ورئیس جمھوریة، تأرجح علم العراق طیلة 88 عاما بأرجوحات حكامھ، وقد كان
صنیع أغلبھم بھ لاتحتملھ قطعة قماش ولا كتلة اسمنتیة ولاحتى حدیدیة. ھذا دیدن علمنا منذ الثالث من تشرین الأول من
عام 1932 .إذ رفع في ھذا الیوم أول علم عراقي فوق ساریة مقر عصبة الأمم المتحدة مع أعلام الدول الأخرى، حیث
صدر قرار مجلس عصبة الأمم بقبول العراق عضوا مستقلا فیھا، بعد إلغاء الانتداب البریطاني على العراق.
وقد عُد دخول العراق عصبة الأمم كأول دولة عربیة مستقلة آنذاك، مكسبا وطنیا وقومیا بارزا، وأظن ان الفرحة تغمر كل
مواطن یشعر بالانتماء الى ھذا البلد، وتملأ الغبطة قلبھ حین سماعھ خبرا مثل ھذا، سواء أكان ھذا بالأمس أم الیوم أم غدا!.
وقد بشر ملك العراق فیصل الأول حینھا الشعب العراقي وقال مانصھ:
(أن العراق أصبح حرا طلیقا، لاسید علیھ غیر إرادتھ.. نحن احرار، مستقلون). وطلب من الصحفیین أن یكتبوا ذلك إلى
الشعب بأحرف بارزة قائلا لھم: (اذھبوا بین إخوانكم وانشروا علیھم كلماتي ھذه.. إنني وبلادي مستقلون، لاشریك لنا في
مصالحنا، ولارقیب علینا بعد دخولنا عصبة الأمم إلا الله سبحانھ وتعالى).
وما من عراقي سوي لایفرح لخبر او حدث یعود لعراقھ بالخیر، او یحقق لھ الأمن والاستقرار، وإبعاد الشریرین عنھ
ووضع القیود والأصفاد في أقدام وأیادي من تمكن منھم في غفلة من الزمن من تنفیذ مخطط معادٍ، او ھدف شخصي او فئوي
او اقلیمي، یبتغي النیل من ترابھ اومن حقوقھ او سیادتھ بین الدول. وقطعا كل ھذا من شأنھ دیمومة اشتراك العراق مع باقي
الامم في السیر معا في ركب التطور الحضاري، من دونما عراقلة او تلكؤ او تقھقر، یفصل العراق عن باقي الدول، ویضعھ
في رفوف المقاطعات والممنوعات والمحظورات ببنودھا وفصولھا التي عھدناھا، كما حدث ویحدث منذ ستینیات القرن
رسمیا عام 1991 نتیجة عنجھیات قائده الضرورة وبھلوانیاتھ الرعناء غیر المدروسة. المنصرم، یوم جثم على صدر العراق شبح البعث بنظامھ القمعي الدكتاتوري، الذي حقق مقاطعة المجتمع الدولي للعراق
وعلى ھذا المنوال أتت وجوه وشخصیات حكمت العراق والعراقیین، ورحلت أخرى وتبدلت حكومات منھا أحسن من
سابقتھا ومنھا أسوأ، والعراقي المسكین بین تصفیق للجید والحسن منھم، وبین من یثور ویتظاھر على السیئ من دون جدوى،
فیما كان ساستھ یستمرون في تقلیبھ بین أسنة رماحھم ویتقلبون علیھ، واضعین مصلحتھ في أسفل فقرات جداول أعمالھم،
وكیف لا..! وكعكة العراق عامرة بصنوف الخیرات والمغریات أمامھم.
ھكذا ھي سیرة شعب وادي الرافدین العریق، وھكذا یعیش أبناء بلاد مابین النھرین الموغل في الحضارات والقدم،
فالاحتلالات رافقت العراقیین (من الگماط) إذ ما إن خرجوا من احتلال إلا وقعوا تحت ظلام الانتداب وھو وجھ آخر من
وجوه الاحتلال، وماإن تخلصوا من انتداب علني صریح حتى وقعوا تحت أسر انتداب مبطن، وحین شعت في طریقھم أنوار
الحكم النزیھ والشریف أواخر خمسینیات القرن المنصرم، تمركز نظام دكتاتوري دموي في مفاصل البلد، وراح یعیث فیھا
فسادا وخرابا وتخریبا لبنیة الإنسان العراقي، وھي خطة مرسومة كان قد أعلن عنھا رئیس النظام السابق حین قالھا بلسانھ:
(سأسلِّم العراق ترابا)، وقطعا ھو لایقصد الأبنیة والجسور والبنى، إذ كان المقصود الإنسان العراقي كأصغر خلیة في بنیة
ترعرع علیھ، لم تكن مألوفة عند آبائھ وأجداده, وھي التي نرى بعضھا في یومنا ھذا متفشیا بین كثیر من العراقیین. المجتمع، فراح یحاصره بأسالیب العیش لینتزع منھ القیم الأصیلة والمثل السامیة، ویزرع بدلھا طبائع وسمات شذت عما
الیوم وبعد ثمانیة وثمانین عاما تذبذب فیھ الحكم والحكام، وظھرت على سطح العراق خصال غیر حمیدة، وعلا زبد
وطفت جیف لم یعھدھا العراقیون من قبل، أما آن استئصال مازرعھ السابقون السیئون؟ أظنھ سؤالا علینا نحن العراقیین
لا غیرنا الإجابة علیھ.
[email protected]

🟠 قناة تسريبات نيوز على التلغرام
https://t.me/tasrebatnews

وسوم :