مصطفى الكاظمي.. أهداف كبيرة وخيارات محدودة

 
الدكتور حسن مرهج
بخطوات سياسية متسارعة، افتتح رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أبواب التأويل والتحليلات، لجُملة المسارات القادمة في المنطقة، فهذه الحيوية السياسية تكللت بزيارتين إحداها إلى طهران، والاُخرى إلى واشنطن، مع ترقب قادم لجهة زيارة الرياض، لتُختتم هذه الحيوية بقمة عُقدت في الأردن مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وعلى الرغم من محدودية التصريحات التي أعقبت هذه القمة، إلا أن تصريح الكاظمي خلال جلسة لـ مجلس الوزراء في العراق، قد يكون أو لا يكون ترجمة لمُجمل تحركاته السياسية، بيد أن الواقعية السياسية تفترض منا التعمق في تحليل جُل ما سبق، فـ الكاظمي قال “إبعاد العراق عن سياسة المحاور هو المنهج الذي تسير عليه الحكومة الحالية وفق مصلحة شعبنا”. وأضاف أن “التوازن والوسطية والاعتماد على تعزيز التعاون، وبالأخص في العلاقات الاقتصادية بما يضمن مصلحة العراق، هو ما نسعى إليه في علاقاتنا مع الدول”، فـ هل حقاً يحاول الكاظمي أخذ العراق بعيداً عن سياسة المحاور.
القمة التي حدثت في الأردن بُعيد زيارة الكاظمي إلى واشنطن ولقائه ترامب، تضعنا أمام توقيت مُريب، خاصة أن ما طرحه الكاظمي لجهة مشروع بلاد الشام الجديد، أيضاً يأخذنا بعيداً عن المناخ المتوتر في عموم المنطقة، لكن يُبقينا ضمن سيناريوهات تصادمية أقله سياسية، إن لم تكن عسكرية، فـ التكتّل الذي يحمل اسم مشروع بلاد الشام الجديد، أولاً لا يضم العاصمة السورية “الشام الاسم التاريخي لدمشق”، وهي الدولة المُحاذية للدّولتين الأبرز فيه أي الأردن والعراق، خاصة أن هذا المشروع يقوم على أساس التفاهمات الاقتصادية والسياسية بين العراق ومصر، وقد دخلت الأردن على خط المشروع مؤخراً، ما يعني أن هذا المشروع قائماً على أساس أن مصر تمثل كتلة بشرية والعراق كتلة نفطية، والأردن دخلت على الخط للاستفادة من خدمات كليهما.
لكن ضمن ذلك، لا تزال هناك قطبة مخفية تحتاج إلى تفنيد ودراسة، فبالنظر إلى مناخ المنطقة يتضح لنا جليّاً أن مناخ التوتر هو السائد، لكن هذه القمة وغموضها الذي بدأ يتجلى رويداً رويداً، يضعنا أمام حقائق لا مفر منها، فالعراق وبحكم موقعه الاستراتيجي كان ولا زال ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وهذه حقيقة يُدركها الجميع، وبنظرة منطقية يتضح لنا بأن إيران تمتلك من المقومات ما يجعلها في صدارة القوة إقليمياً، خاصة في العراق، أما أمريكا لا شك بأنها قوة عالمية ولديها مصالح  في العراق، وتنظر بتوجس بالغ تُجاه إيران، وبين واشنطن وطهران يقف الكاظمي وأمامه حقل ألغام، ما يعني أن كل خطوة يقوم بها قد تكون قاتلة بالمعنى السياسي.
كل هذا يعني مبدئياً حتى يثبت العكس، بأن عراق الكاظمي مؤهل لعناق تل أبيب، ضمن موجة التطبيع السائدة في هذه الأيام، بالمقابل لم تصلنا أي تأكيدات لجهة رغبة ترامب صراحة بضم العراق إلى تسونامي التطبيع، لكن وراء الكواليس هناك عناق أمريكي مع الكاظمي غايته عدم تعقيد الأوضاع مع الإيرانيين في الوقت الراهن، فبعد أن أنهى الكاظمي زيارته الأولى إلى طهران، لم يحصل من ترامب فقط على وعود بمساعدة اقتصادية، بل أيضاً على تقرير واسع عن الخطوات التي تجري بين الإمارات وإسرائيل.
ما يتضح بأن البيت الأبيض لم يدعه إلى الانضمام علانية إلى التطبيع مع جُملة المطبعين، لكن يتعين على العراق قبل كل شيء إيجاد سبيل للتخلص من إيران في العراق، بدليل أن كل الإشارات التي أرسلها الكاظمي، لا يدعو فيها إلى خروج القوات الأميركية، ولا يقف ضد اتفاقات التطبيع مع إسرائيل، وهناك دليل آخر يؤكد هذه النظرة، فتقاطع العلاقات الإسرائيلية الأردنية المصرية، قد تجعل من بغداد شريكة محتملة، وفي الوقت الراهن لا ضرورة للتطبيع إن كانت الخطوط مفتوحة مع تل أبيب عبر القاهرة وعمان ومن المؤكد أبو ظبي، ما يعني أن عراق الكاظمي يسير في الطريق الأردني المصري الإماراتي الواصل إلى تل أبيب.
في جزئية أُخرى أيضاً تتقاطع مع المصالح الإماراتية الأردنية المصرية، تتعلق بالعداء لـ تركيا، والعراق تضرر مؤخراً من السياسات التركية في شماله، وعليه قد نشهد ولادة حلف جديد لمواجهة إيران وتركيا في المنطقة، وفي جانب موازٍ يُمكننا القول بأن هناك خطة أمريكية لمواجهة عموم الشيعة في المنطقة، والعمل على تحجيم دورهم السياسي في العراق ولبنان، ما يعني بشكل أو بأخر إحداث توترات سياسية من شأنها الحد من التواجد الشيعي في البرلمانات، وحتى إقصاء ممثلي الشيعة من أي مشهد سياسي، الأمر الذي يشي بتهيئة الساحتين اللبنانية والعراقية للمزيد من الهتافات الطائفية العنصرية، كل هذا يصب مباشرة في بوتقة إضعاف محور المقاومة، والتأثير بشكل مباشر على القاعدة الشعبية للمقاومة.
في المحصلة، يبقى الترقب سيد الموقف في قادم الأيام، ولعل في الرسالة التي نقلها فالح الفياض مبعوث رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ورئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق، إلى الرئيس السوري بشار الأسد، مدعاة للتأني وانتظار ما ستكشفه قمة عمان وبرقية الكاظمي للأسد، وما سيتمخض عن كل ذلك من زيارات ولقاءات ورسائل، فهل المنطقة تقف على أزيز رصاصة لتنفجر؟.

وسوم :