لماذا التحذیر من الحرب الأھلیة في العراق ـ ملاحظات سایكواجتماعیة

د.عامر صالح
طالما حذر العقلاء من سیاسي العراق والحریصین على مستقبلھ من الحرب الأھلیة, او من عملیات العنف والعنف المتبادل, لأنھا
بالنتیجة النھائیة ستعقد اي حل مرتقب لأزمة الحكم في العراق, كما انھا تزید الخراب بمزیدا من الخراب وتفقد بصیص الأمل في
العثور على حل للمشكل السیاسي والاقتصادي والاجتماعي, الى جانب ما تؤدیھ تلك الحروب الى مزیدا من الخراب والدمار في البنیة
الى المزید من 2003التحتیة للبلاد أو ما تبقى منھا وتضعف النسیج الاجتماعي العراقي وتھشمھ, وقد تعرض المجتمع العراقي ما بعد
محاولات دفعھ صوب الحرب الاھلیة الشاملة وتكریس تمترسھ الطائفي والاثني على حساب وحدة المجتمع وسلامة تنوعھ الدیني
والمذھبي والعرقي بمكوناتھ المختلفة. والتجارب العالمیة والعربیة في الحروب الاھلیة او استخدام العنف والعنف المتبادل على نطاق
واسع تؤكد طیلة استمرارھا لا یوجد فیھا طرف رابح, وبالتالي لا یوجد غیر لغة الحوار بدیلا عن لغة السلاح لتجنب المزید من
الكوارث الاقتصادیة والاجتماعیة والانھیارات الكبرى غیر المتوقعة.
وبالتأكید عندما نتحدث عن لغة الحوار بین اطراف النزاع لا یعني ھذا العمل على قاعدة”عفى الله عما سلف” أو” تصفیر للمشاكل”
لأن مظلة الحوار بین اطراف الصراع یفترض ان یكون القانون والقضاء وسیادة الدولة وھي الثوابت التي تجري في ظلھا كل
التسویات السیاسیة والاجتماعیة والاقتصادیة, وان الاستمرار في غیاب أجھزة الدولة المسئولة عن إحقاق العدالة وفرض القانون
وھیبتھ على جمیع شرائح المجتمع بدون تمییز ستعزز ثقافة التشرذم والانتقام والثأر وتزید من تغول المجموعات المتناحرة السیاسیة
الحاكمة على النفوذ والموارد والسلطة في ظل زیادة التمترس حول القبیلة والعشیرة والطائفة لحمایة مصالحھا التي تقف ضد استقرار
الدولة وسلطة القانون.
قد یكون خیار الحرب الأھلیة او الدفع بأتجاھھا والتملص من الحساب والقصاص المجتمعي ھو خیار الملیشیات المسلحة التي یضیق
الخناق علیھا مع مرور الوقت ومع الدعم المجتمعي والعالمي لخیار الانتفاضة السلمي, وتزاید مطالب المجتمع الدولي في محاربة
مجرمي الملیشیات الحاكمة قتلة المتطاھرین السلمیین, وبالتالي ترى الملیشیات الحاكمة في الظل فرصتھا الوحیدة للھروب من العقاب
المجتمعي والقانوني ھو الدفع بأتجاه خلط الاوراق والوصول الى الذروة في اعلان الحرب الأھلیة وھي محاولة بائسة لمساواة
المجرم القاتل بصاحب القضیة العادلة. نعم الحرب الأھلیة اعلنت من طرف واحد وھي الملیشیات المسلحة او ما یسمى بالطرف الثالث
ألف مواطن من بینھم المئات من الأعاقات الدائمة, وكذلك 30 متظاھر سلمي وجرح اكثر من 700بأرتكابھا عملیات قتل لأكثر من
ناشط مدني وكادر اعلامي وصحفي. 130تغییب اكثر من
معھد السلام العالمي، وھو معھد أمریكي مستقل یتخذ من مدینة نیویورك مركزا لھ ویعمل على منع الصراعات بین الدول وضمن
الدول نفسھا، قام بإعداد دراسة موسعة لجمیع الحروب الأھلیة التي حظیت باھتمام مجلس الأمن الدولي على مدى عقدین من السنین.
ووضع في ضوء ذلك بعض المعاییر للحكم على طبیعة النزاعات وتصنیفھا، وقد ورد تعریف للحرب الأھلیة یتلخص في أنھا “صراع
قتیل سنویا، وتكون الحكومة القائمة الطرف الرئیس في ھذا الصراع”. 500مسلح یشترك فیھ طرفان أو أكثر، یسقط فیھ ما لا یقل عن
وقد أولى المعھد اھتماما للحروب الأھلیة التي قد تستمر سنوات عدیدة قد تھدأ فیھا أحیانا، واعتبر أن ھذه الحرب تعتبر نشطة وقائمة
متى تخللتھا معارك دمویة، لا یقل عددھا عن خمس وعشرین معركة خلال سنة. وفي ضوء تلك المعالجات فأن حالة الحرب الاھلیة
في العراق ھي معلنة من طرف واحد قد یكون حكومیا أو ملیشیات الدولة العمیقة وبما سببھ من ضحایا منذ الاول من اكتوبر الماضي
الذي اندلعت فیھ الاحتجاجات المطلبیة.
معالجة الوضع السیاسي العام في العراق لا یحتمل اعلان حرب اھلیة من قبل المحتجین السلمین الذین قدموا التضحیات المیدانیة
الكبیرة لأغناء وترسیخ المفھوم السلمي للحركات الاحتجاجیة, وان ھناك من یدفع بأتجاھات لجعل انتفاضة اكتوبر انتفاضة مسلحة
وخاصة ان 2003وتلك اجندة تلحق الضرر بالسلم الاھلي الذي یعاني اصلا من تلكأءات كبیرة ومن بقایا حقب الحرب الاھلیة ما بعد
موازین القوى ومستویات التنظیم المیداني لازالت غیر راجحة لجانب المحتجین. وبالتالي أن جوھر الضغوطات الجماھیریة
المشروعة بعد اسقاط حكومة عادل عبد المھدي تجري التركیز على ما یلي والذي یسبق اجراء الانتخابات المبكرة:
أقرارالقانون الانتخابي: وھو من اختصاص مجلس النواب وقد تم التصویت على أغلبیة مواده، وان المتبقي تحدید عدد الدوائر وعدد
المقاعد المخصص لكل دائرة، والتي ھي محل شد وجذب بین الكتل السیاسیة حتى ھذه اللحظة. وحسب تقدیرات المفوضیة العلیا
المستقلة للانتخابات، لابد من إقرار القانون الانتخابي قبل ستة أشھر من الموعد المحدد للانتخابات، لغرض توفیر المواد اللوجستیة.
تعدیل قانون المحكمة الاتحادیة: لقد أصبح تعدیل قانون المحكمة الاتحادیة حاجة ملحة بعد الاختلال في قوامھا، لغرض إعادة النصاب
93لاجتماعاتھا، لأنھا ھي المعنیة بالمصادقة على النتائج النھائیة للانتخابات العامة لعضویة مجلس النواب، وفق (الفقرة سابعاً، المادة
من الدستور العراقي).
حل مجلس النواب: لا یمكن الحدیث عن الانتخابات العامة المبكرة دون الاتفاق بین الكتل السیاسیة على حل مجلس النواب بالأغلبیة
المطلقة لعدد أعضائھ، بطلب من ثلث أعضائھ أو من قبل رئیس مجلس الوزراء وموافقة رئیس الجمھوریة، وان یكون ذلك قبل شھرین
من السادس من حزیران إذا اتفقت الكتل السیاسیة على ھذا الموعد، لیتسنى لرئیس الجمھوریة الدعوة للانتخابات العامة المبكرة، وفق
من الدستور).64)الفقرة ثانیا، المادة
دون إجراءات حقیقیة لتفعیلھ، وقد جاء ضمن المنھاج 2015تطبیق قانون الاحزاب السیاسیة: لقد تم إصدار قانون الأحزاب منذ
الوزاري: التطبیق الكامل لقانون الأحزاب وھو من اختصاص الوزارة والمفوضیة العلیا المستقلة للانتخابات وكذلك دیوان الرقابة
المالیة وأیضا یقع من مھام مجلس النواب المعني بالرقابة على أداء ھذه المؤسسات. لضمان الحد المقبول من تكافؤ الفرص بین
الكیانات السیاسیة عند خوض الانتخابات.
نزع سلاح الملیشیات السائبة والسیطرة على السلاح المنفلت والاستعانة بالمنظمات الدولیة لمراقبة الانتخابات وتوفیر بیئة آمنة
للناخبین الى جانب الجرأة الحكومیة في الاعلان عن قتلة المتظاھرین وبما یسھم في خلق مزاج مطمئن للناخب ورسالة للمواطنین ان
الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات مصیریة تبعث الامل وتؤسس لنظام سیاسي جدید یعبر عن ارادة المواطن بعیدا عن التزویر
والتھدید وسلب ارادة الناخب.
ان مشكلات العراق الاقتصادیة والاجتماعیة السیاسیة والمتراكمة لعقود لا یمكن حلھا بحرب اھلیة تحرق الأخضر والیابس وتضیع
بصیص أمل التغیر, وناھیك عن انخفاض اسعار النفط وتداعیاتھ الاقتصادیة والمالیة الخطیرة على البلاد الى جانب جائحة كورونا
وعجز القطاع الصحي عن التخفیف من ھول الوباء, فھناك وبالارقام فقط بعیدا عن التفاصیل ما یعكس عمق ازمة مجتمعیة تحتاج الى
معالجات شاملة:
ألف یعیشون في 700 ألف نازح داخل العراق. ملیون و100 ملایین و4 دولة. 64 الف مھجر موزعین على 400 ملایین و3
ملایین 6 سنة. 52 ـ 15 ملیون ارملة أعمارھن بین 2 سنة ). 17 ألف یتیم ( اعمارھم بین شھر ـ 600 ملایین و 5مخیمات مختلفة.
%31عراقي لا یجید القراءة والكتابة وفي مقدمة المدن التي منتشرة فیھا ھي: البصرة وبغداد والنجف وواسط والانبار. نسبة البطالة
من العراقیین تحت خط الفقر(اقل من %35وفي مقدمة المدن: الانبار والمثنى ودیالى وبابل في الصدارة تلیھا بغداد وكربلاء ونینوى.
٪ 9 معدل تعاطي الحشیش والمواد المخدرة ( بغداد في الصدارة تلیھا البصرة والنجف ودیالى وبابل وواسط). %6 دولار یومیا). 5
مرض ووباء ابرزھا الكولیرا وشلل الأطفال والكبد الفایروسي وارتفاع نسبة الإصابة 39 عاماً. انتشار ١٥نسبة عمالة الأطفال دون
48 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجیة. تراجع مساحة الاراضي الزراعیة من 328 ألف و 13بالسرطان والتشوھات الخلقیة. توقف
14 من المواد الاخرى. التعلیم الاساسي في اسوء حالاتھ( %91 من المواد الغذائیة و%75 ملیون دونم. استیراد 12ملیون دونم الى
ملیار 124 طینیة والحاجة الى ألف مدرسة جدیدة). الدیون العراقیة اكثر من 800 مدرسة, تسعة آلاف منھا متضررة و 658ألف و
) الف ملیار دولار لم تسھم في حل اي مشكلة من مشكلات المجتمع 2016 ـ 2003 دولة. بلغت مبیعات النفط للأعوام ( 29دولار من
ملیار دولار.1400العراقي, بل ھناك تقدیرات بأن مابلغ من اھدار للمال بلغ
الوعي في القضایا المصیریھ واتخاذ موقف منھا محددا ھو لیست سلوك فطري تحملھ لنا الوراثة البیولوجیة على نسق ما نولد بھ من
صفات جسمیھ بل انھ سلوك وموقف عقلي وفكري یتربى علیھ المرء والمجتمع من خلال زرع منظومة قیمیة صالحھ تكون مخرجاتھا
النھائیة ھو تشكیل وعي محدد اتجاه الوطن والمواطنھ وادراك حجم المخاطر التي تھدد البلاد وما یتبع ذلك من سھولة وانسیابیة في
تشكیل رأي عام یصب في مجملھ في التعبئة الوطنیة الصالحة ووفقا للأمكانیات المتاحة وخلق حالة من التلاحم بین الشعب والحكومة
الحالیة بما یعزز تماسك الجبھة الداخلیة.
في العراق وحیث الجبھة الداخلیة تعاني من تصدعات كبرى على مستوى السیاسة والأقتصاد والمجتمع وحیث معاناة الشعب وعدم
اشباع الحاجات الأساسیة التي تشكل بدورھا الحد الأدنى من ضرورات تشكیل المناعة الصالحة, نجد الیوم خلاف حاد حول اولویات
المواطن العراقي في حیاتھ الیومیة وخاصة عندما یرى الفساد الأداري والمالي ینخر في السلطات الحاكمة ومؤسسات الدولة والمجتمع,
ولا ارید ھنا اعادة التذكیر بعقود سبقت سقوط الدكتاتوریة والتي أخلت بمفھوم الأنتماء للوطن والمواطنة ومن تأصیل لقیم الدكتاتوریة
والقمع وربط كل المفاھیم الوطنیة بشخص قائد الضرورة فھو الفلتر الأساسي للمنظومة الأخلاقیة والقیمیة وھو المحك والمصدر
الأساسي في الرضى وعدمھ ومنھ تشتق مفاھیم ماھیة الدفاع عن الوطن وتعریف المواطنة وتحدید الأصدقاء والأعداء, في وسط ھذا
عدم ثقتھ في النظام السیاسي الحالي. كل ھذا التراكم یعزز من صراع الأقدام والأحجام في المواقف المصیریة. التراكم وتراكم ما بعد سقوط النظام یرى المواطن العراقي نفسھ في قلق وجودي یتمثل في فوضى الحاضر وغیاب المستقبل الى جانب
الطریق للتغیر الایجابي لیست سھلا لأن طبیعة وبنیة السلطة في العراق واحزابھا القائمة على الھویات الفرعیة ولیست على فكرة
المواطنة والولاء للوطن لن تؤمن بالتدوال السلمي للسلطة ودیمقراطیة الانتخابات, وترى في صنادیق الاقتراع وسیلتھا للاستحواذ على
السلطة والانفراد بھا, وبالتأكید ستتشبث القوى القدیمة البالیة في البقاء والعناد وسوف تلجأ الى كل الخیارات غیر النزیھة لتغیر وتشویھ
مسار ونتائج وعملیة الاقتراع, طبعا الى جانب عبثھا الحالي بتوقیتات اجراء الانتخابات مبكرا والتحایل على القوانین ذات الصلة,
ولكن انھا فرصة شعبنا لخوض غمار تجربة الانتخابات لتغیر موازین القوى السیاسیة والبدأ في عملیة اعادة بناء النظام السیاسي على
اسس من العصرنة والدیمقراطیة الحقة.

وسوم :