التعاطف الانتقائي واعلام البطيخ

جلال الخرسان

شاهدت مقطع من مشهد تمثيلي بين مخرج برنامج ولاية بطيخ نشره أحد الأصدقاء على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي وهي مناسبة جيدة لإثارة راي (كمشاهد) حول عمل هذا الفريق الذي يحاول مؤخرا وضع نفسه في خانة معينة واحتساب نفسه على طرف واستعداء اخر ثم التهويل من حجم العدو وحجم الاستهداف وهذا ما انطلى على الكثير من الفنانين والممثلين والرياضيين والمحللين …الخ، و الكثير من المؤثرين في الراي العام ويبدو انها عملية يساق لها هؤلاء بشكل ممنهج من حيث لا يعلمون كي يتم استدراجهم الى مناطق استعداء وتهجم والخروج من زاوية المنطق والموضوعية والتحول الى بيدق للتهجم في وقت لاحق وتكون النهايات أحيانا مأساوية ليبتسم (الصانع) ويشرب نخب دم اخر ويثير الراي العام ويحاول النجوم والكفاءات الى حملات تعاطف (هاشتاك) ولوحات نعي تكسب الصحافة والصفحات المأجورة والوكالات التابعة المزيد من التفاعل والمزيد من الاعجابات.
ذكرني المشهد بالفقيد هشام الهاشمي وكيف رثاه (إبراهيم المصيدعي واقتبس منه: هشام الهاشمي وداعا اللعنة على هذا الحدس الذي قلما يخطئ ، قبل اسبوع فقط اتصلت به ورجوته ان يضبط خطابه ، قلت له دكتور ربما بقينا على قيد الحياة كل هذه السنوات لأننا وقفنا في المنتصف، مثلنا يسمح له ان ينتقد كل الاطراف لكن مجرد انحيازنا لطرف سيلاحقنا الرصاص ومذكرات القبض حسبما يتاح لكل خصم من سلاح ، ولن نكون سوى رقم في قائمة شهداء، من ننحاز اليه ان اعترف بنا اصلا لكي لا يعترف بعجزه عن حمايتنا؟ ، طالت المحادثة بيننا كثيرا ووعدني ان يعود الخبير الذي يتقبل خبرته الجميع .ليس لدي لائحة اتهام ضد احد بقتل هشام الهاشمي فمثله قطعا كانت تتربص به اكثر من بندقية، لكن استشهاد هشام خسارة كبيرة لإنسان بقمة التواضع والخلق وباحث وخبير في الجماعات المسلحة والارهاب من الصعب ان يعوض .) انتهى الاقتباس
المشكلة ان هؤلاء عليهم ان يدركوا انهم يضعون أنفسهم (كشاخص) وهذا موقف صعب يكون الاستهداف فيه من قبل الجميع (من تعتقد انه صدق و عدو) في نفس الوقت فقد يغدر بك الصديق لإثارة الراي العام واحراج الاخر وقد يسكتك مختلف جاهل، هؤلاء الشباب والنجوم بحاجة الى نصيحة صادقة بعدم وضع انفسهم (كشاخص)، ما تقدم أعلاه لا يعني ان يتحول هذا الحياد المطلوب الى الحد من حرية الرأي وحرية النقد وتقنين دائرة حرية الراي والتعبير لكنه يسعى ان لا يكون النقد (فئوي، انتقائي) يتحول خلالها الناقد الى بيدق لتصفية حسابات طائفية سياسية إقليمية.
لا يمكن مشاهدة هذا المشهد الا في سياقه العام، وتوقيته الزمني ومحاولة القناة التي تعاني من حملة مقاطعة من قبل طيف واسع من الجمهور العراقي لبثها الخطاب الطائفي ومحاولة ركوب أمواج المظاهرات وتوجيهها بوصلتها واستثمارها لضرب المجتمع الشيعي والدفع بالمجتمع في الجنوب والوسط حصرا الى الاقتتال الداخلي بالإضافة الى الضجة التي أثيرت حولها مؤخرا، تحاول هذه القناة العودة وبقوة الى الشاشة ولم تجد اسهل من برامج الكوميديا المخلوطة بالدماء وهو سلاح نافع مع المجتمع العراقي لتعوض خسارتها من رصيد المشاهد الواقع تحت تأثيرها، وتتجاوز الدعوات التي انطلقت لحذفها من لائحة قوائم المشاهدة، استخدمت القناة والقائمون عليها (متهمون بقضايا فساد كبيرة) البرنامج لانتقاد الفساد بطريقة ساخرة ضد مكون معين وتناست تماما ان هذه القناة وحسب الاتهامات انها ممولة من أموال الفساد ومتلبسة تماما فيه، لذلك نحن بحاجة الى التأكيد على شباب ولاية بطيخ وغيرهم ان يتناولوا موضوعاتهم بموضوعية ويبتعدوا عن النقد الفئوي الانتقائي وان لا تصل معهم مراحل التعاطف مع الشهداء بانتقائية فالمضحي على الساتر في معارك داعش لا يختلف كثيرا عن ضحية حرية الرأي ولا يمكن التعاطف مع احدهم دون الاخر ومن دون الموضوعية والإنسانية نتحول الى بيادق في هذا الصراع المحتدم بين الشرق والغرب والحروب الناعمة التي تشنها دول قريبة وبعيدة بهدف تغيير قناعات ، كل التوفيق للفن في العراق وأتمنى ان يتحلى بالموضوعية اكثر.

وسوم :