اليوم العالمي للمسنين: ضرورة حقوقية واخلاقية

في 14 كانون الأول/ديسمبر 1990، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 45/106 يوم 1 تشرين الأول/أكتوبر بوصفه اليوم للمسنين، وجاء هذا الإعلان لاحقا لمبادرة خطة العمل الدولية، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 51/37 المؤرخ 3 كانون الأول/ديسمبر 198، يعد أحد أعياد الأمم المتحدة، ومناسبة عالمية يتم إحياؤها سنوياً منذ عام 1991، بهدف رفع نسبة الوعي بالحقوق، والمشكلات التي يواجها كبار السن، يوجد في العالم اليوم ما يقارب عن مليار نسمة تتجاوز أعمارهم 60 عاما، طالما وصفت شيخوخة السكان بأنها خطر محدق يهدد اقتصاد الدول، لما يترتب عليها من تآكل القوى العاملة وزيادة الأعباء على أنظمة الرعاية الصحية.

حذر تقرير صدر مؤخرا للأمم المتحدة من أن مشكلة شيخوخة السكان ستضاعف الضغوط المالية التي ستواجهها الكثير من الدول في العقود المقبلة في إطار سعيها لبناء أنظمة للرعاية الصحية والمعاشات وتوفير الخدمات الاجتماعية للمسنين.

بشكل عام، من المتوقّع أن يصل معدّل الأمل في الحياة عند الولادة الذي ارتفع من 64.2 سنة في عام 1990 إلى 72.6 سنة في عام 2019 إلى 77.1% بحلول عام 2050، وفي عام 2019، الأمل في الحياة عند الولادة في البلدان النامية هو أدنى بحوالي 7.4 سنة مقارنة بالمعدّل العالمي، وتعد سويسرا واحدة من البلدان التي يوجد فيها أعلى معدّل أمل في الحياة عند الولادة، في عام 2016، كان 81.5 للرجال و85.3 بالنسبة للنساء أما معدّل الامل في الحياة في صحة جيدة فكان 67.7 سنة للرجال و67.9 بالنسبة للنساء وذلك في عام 2012، بحسب بي بي سي.

إحصائيات
لا تقل أهمية المساهمة الأساسية التي يمكن أن تستمر بها أغلبية الرجال والنساء الأكبر سنا في أداء المجتمع إذا توفرت ضمانات كافية وأن حقوق الإنسان تكمن في صميم كل الجهود المبذولة في هذا الصدد ولا يزال المسنون والمسنات يضطلعون بدور مهم في المجتمع، بوصفهم صف القيادة وحماة التراث إلا أنهم مع ذلك فئة مستضعفة، حيث يقع كثير منهم في ربقة الفقر أو يقيدهم العوق، أو يواجهون ضربا من ضروب التمييز ويتزايد عدد المسنين والمسنات مع تحسن خدمات الرعاية الصحية، وتتزايد احتياجاتهم في نفس الوقت الذي تتزايد فيه مساهماتهم في هذا العالم.

وبحسب البيانات الواردة في تنقيح 2019 من تقرير التوقعات السكانية في العالم، فمع حلول عام 2050 سيكون 16% من عدد سكان العالم ( 1من كل 6 أفراد في العالم) أكبر من سن 65 سنة، أي بزيادة 7% (1من كل 11 فرد) عن عام 2019 أما في أوروبا وأمريكا الشمالية، فالمتوقع أن يكون ربع سكانها ممن هم فوق سن 65 سنة وكان عام 2018 هو أول عام في التاريخ — على الصعيد العالمي — يزيد فيه عدد المسنين فوق سن 65 عن عدد الأطفال دون الخامسة. كما أن من المتوقع أن يزيد عدد من هم فوق سن الـ80 ثلاثة أضعاف من 143 مليونا في 2019 إلى 426 مليونا في عام 2050.

وتشير الاتجاهات السائدة حالياً في هذا الشأن إلى أن هناك تفاوتا متزايدا بين الكبار والصغار في السن سيتجلى بشكل أكبر بحلول عام 2050، ففي ذلك العام سيكون عدد أفراد الشريحة العمرية فوق 65 عاماً ضعف من تتراوح أعمارهم من يوم واحد إلى أربع سنوات وترمز هذه الفجوة الآخذة في الاتساع إلى توجه يتقصى أثره الباحثون في علم السكان منذ عقود، وهو ذاك المتمثل في أن غالبية دول العالم تشهد ارتفاعاً في متوسطات الأعمار، وتراجعاً في عدد المواليد.

وكشف تقرير البنك الدولي إلى أنه بالعودة إلى الوراء لأكثر من نصف قرن، سنجد أن معدل الخصوبة في العالم خلال عام 1960 كان خمسة أطفال تقريباً تنجبهم كل امرأة وبعد مضى قرابة 60 عاماً، تقلص المعدل إلى النصف ليصل إلى 2.4 لا أكثر وفي الوقت نفسه، استفاد المواليد الجدد من التطورات التي شهدها العالم على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، فبينما كان متوسط العمر المتوقع يزيد قليلاً في عام 1960 على 52 عاماً، فقد وصل في عام 2017 إلى 72 عاماً، ويعني ذلك أننا صرنا نعيش جميعا لسنوات أكثر، وتتزايد متطلباتنا من الموارد بشكل أكبر، كلما تقدمنا في العمر، ما يزيد الضغط على منظومات مثل تلك الخاصة بقطاعات التقاعد والرعاية الصحية.

وتتفاقم مشكلة شيخوخة السكان في الدول المتقدمة، التي تشهد على الأغلب معدلات إنجاب منخفضة لأسباب عدة ترتبط في غالبيتها بالوضع الاقتصادي فنسب الوفيات تتدنى بين المواليد، ومن السهل على البالغين الاستعانة بوسائل تحديد النسل، علاوة على إمكانية أن تكون تكاليف تربية الأطفال مرتفعةً نسبياً وفي هذه الدول، لا تنجب النساء غالباً سوى في مرحلة متقدمة نسبياً من العمر، وهو ما يعني أنه لا يتسنى لهن سوى إنجاب عدد أقل من الأطفال.

ويعني ارتفاع مستوى الحياة أن يرتفع متوسط أعمار سكان تلك الدول المتقدمة، وتعد اليابان مثالاً بارزاً على ذلك، إذ يبلغ متوسط العمر المتوقع فيها نحو 84 عاماً، وهو الأعلى في العالم كما أن نسبة من يزيد عمرهم على 65 عاما بلغت في العام الماضي 27 % من إجمالي عدد السكان، ليصبح عددهم في اليابان مقارنة بعدد سكان هذا البلد هو الأكبر على وجه الأرض، وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة من هم أدنى من سن الخامسة 3.85 % من السكان، وفقاً للأمم المتحدة.

وقد أثار هذا التحدي المزدوج قلق السلطات اليابانية لعقود، وأصدرت الحكومة هناك العام الماضي قرارا بالرفع الإلزامي لسن التقاعد من 65 إلى 70 عاما، وفي حالة تطبيق هذا القرار، سيصبح سن التقاعد في اليابان هو الأكبر في العالم، لكن مشكلة اختلال التوازن السكاني تهدد الدول النامية أيضا. فرغم أن شريحة السكان الأكبر من 65 عاماً تقل بكثير في الصين مثلاً عن اليابان، إذ لا تتعدى 10.6 % من المواطنين هناك، أدى تطبيق سياسات صارمة لتحديد النسل منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى أن تصبح الدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم ذات معدل خصوبة منخفض نسبياً، لا يتجاوز 1.6 طفل لكل امرأة وفي الوقت الحالي، تقل نسبة الأطفال دون سن الخامسة في البر الرئيسي في الصين عن 6 % من إجمالي عدد السكان.

وقد أشار الباحثون في علم السكان، إلى أن الإنجاب بمعدل 2.1 طفل لكل امرأة يمثل “رقماً سحرياً” لكل مجتمع باعتبار أنه كاف لتحقيق أهدافه من الوجهة السكانية فهذا الرقم يمثل – بحسب الخبراء – معدل الخصوبة الضروري لكي يتمكن المجتمع من إتمام عملية الإحلال والتجديد في صفوفه بنجاح ومع ذلك، تشير أحدث البيانات الخاصة بالأمم المتحدة إلى أن 113 دولة، أي أكثر قليلاً من نصف دول العالم، تتناسل بهذه الوتيرة كما يقول الباحثون إن الدول ذات المعدلات المرتفعة على صعيد وفيات الأطفال، ويتدنى فيها كذلك المتوسط المتوقع للعمر، تحتاج إلى أن يصل معدل الخصوبة فيها إلى 2.3 طفل لكل امرأة ، وهو مستوى لا تصل له في الوقت الراهن سوى 99 بلداً.

ومن المرجح أن تشهد الكثير من الدول تراجعاً كبيراً في تعداد سكانها، بسبب تناقص أعداد المواليد، وذلك رغم تزايد عدد السكان بوجه عام في العالم، إذ أنه من المتوقع أن يصل هذا العدد إلى 8 ملياريات بحلول عام 2024 وتشكل روسيا أحد النماذج ذات السمات المتطرفة في هذا الصدد فمن المتوقع أن يؤدي معدل الخصوبة السائد فيها والذي لا يتعدى 1.75 طفلا لكل امرأة، إلى تراجعٍ حاد في عدد الروس خلال العقود القليلة المقبلة؛ إذ تفيد تقديرات شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة بأن عدد سكان روسيا سينخفض إلى 132 مليون نسمة بحلول عام 2050 مقارنة بمستواه الحالي البالغ 143 مليوناً.

ويعني تناقص عدد السكان وبلوغ الكثير منهم مرحلة الشيخوخة، تقلص عدد القادرين على العمل، وهو ما يمكن أن يقود بدوره إلى تناقص الإنتاجية الاقتصادية التي تكبح النمو بالتبعية، في نوفمبر الماضي، حذر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد الياباني عرضة لأن ينكمش بنسبة تفوق 25 % خلال السنوات الأربعين المقبلة بسبب شيخوخة السكان وهناك إجماع على أن حكومات دول العالم بحاجة للتحرك من أجل نزع فتيل قنبلة “الشيخوخة” الموقوتة وهو أمر تحاول الحكومات القيام به بالفعل وقد راجعت الصين في عام 2015 سياسة “طفل واحد” لكل أسرة، وألمحت عام 2018 إلى أنها ستنهي سريان كلّ القيود المفروضة على عدد المواليد بحلول العام المقبل. لكن يصعب علينا اعتبار أن تخفيف مثل هذه القيود يشكل حلا سحرياً، فعدد المواليد في الصين خلال 2018 بلغ 15.2 مليون، وهو المستوى الأدنى منذ أكثر من 60 عاماً. وعزا الباحثون الصينيون ذلك التراجع إلى انخفاض عدد النساء في سن الإنجاب، ولإرجاء الأسر خططها الخاصة بإنجاب الأطفال لأسباب مالية. وغالباً ما تتدنى تكاليف الرعاية الصحية في الدول التي ينعم فيها كبار السن بصحة أفضل.

وقد كشفت الإحصائيات الصادرة مؤخرا عن صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع جامعة الدول العربية، في تقرير مفصل بشأن التغيير الديموغرافي في المنطقة العربية، عن أن نسبة الشيخوخة ستبلغ ذروتها في السنوات المقبلة حين يتوقع أن يكون خمس سكان الدول العربية مسنين بحلول سنة 2050، وأنه يوجد في الدول العربية أكثر من 27 مليون مسن تجاوزت أعمارهم الـ 60 سنة، وهو ما يعادل 8 % من مجموع السكان. ومن المتوقع أن يرتفع عدد الشيوخ في 2030 إلى أكثر من 20 مليون، وأن يتجاوز عددهم 90 مليون مسن بحلول 2050، وسيمثلون خلالها حوالي 15% من مجموع سكان الدول العربية.

وكشفت نتائج دراسات استقصائية حول السكان العرب وصحة الأسرة أجريت في عدد من البلدان العربية لمحة عن حالة كبار السن في البلدان العربية، أن 85 % من السكان البالغين من العمر 60عاما أو أكثر في هذه البلدان هم أرباب أسرهم وأضافت أن 63 % أزواج أو أرباب الأسر ، و22 % من بين كبار السن هم الرجال، 94 % هم أرباب الأسر المعيشيين مقابل 30 % من نظرائهم من النساء، وكشف مختصون في المجال الديمغرافي في المؤتمر العربي حول كبار السن الذي انتظم سنة 2017، أن المسنين في جميع الدول العربية تجمعهم نفس الظروف الاجتماعية المتردية من بينها ارتفاع الأمية، ضعف المشاركة الاقتصادية، ونسبة إعالة الأسر من قبل كبار السن بسبب هجرة الشباب وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن مسنا من كل أربعة مسنين في الدول العربية يتمتع بالتغطية الاجتماعية، كما ارتفعت حصيلة العاطلين عن العمل في الدول العربية في صفوف كبار السن، حيث أن أكثر من 71% من المسنين يلازمون البيوت وعاجزون عن العمل، بحسب موقع مصراوي.

هل صُمم فيروس “كورونا” خصيصا ليفتك بكبار السن؟!
هناك فرضية متداولة بين صفوف بعض الباحثين في العلوم الإنسانية وعلوم السكان والأحياء وعلماء الاقتصاد، هؤلاء يعتقدون أن الأمر يتعلق بتصفية جماعية للإنسان غير النافع حسب اعتقادهم في الغرب، والأمر يتعلق بفئة العجزة وكبار السن الذين يشكلون عبئا كبيرا على ميزانية جل دول العالم المتقدم، والذين يدخلون ضمن فئة الشيخوخة.

تنفق دول العالم المتقدمة مليارات الدولارات على خدمات الرعاية الخاصة بالعجزة، حيث وصل حجم الإنفاق في بعض البلدان الأوروبية إلى ما بين 3و4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويستهدف فيروس كورونا الأعضاء الحساسة للإنسان كالكبد والرئة وضعاف التنفس، ويصيب جهاز المناعة أيضا، وحسب الإحصائيات المتداولة حاليا فإن أزيد من 90 في المائة المصابين بفيروس كورونا هم من فئة كبار السن، هؤلاء كانوا يعانون من أمراض مزمنة من قبل، جعلتهم أكثر تأثراً بالفيروس. ولهذا تتوقع منظمة الأمم المتحدة، أن تكون الشيخوخة واحدة من أبرز التحولات الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين، حيث ستؤثر في جميع قطاعات المجتمع، بما في ذلك سوق العمل والأسواق المالية، والطلب على السلع والخدمات، مثل السكن والنقل والحماية الاجتماعية، فضلا عن البُنى الأسرية والروابط بين الأجيال.

واقتصاديا، تنفق دول العالم المتقدمة مليارات الدولارات على خدمات الرعاية الخاصة بالعجزة، حيث وصل حجم الإنفاق في بعض البلدان الأوروبية إلى ما بين 3و4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي ميزانية مرهقة جدا لهذته الدول، لذلك بدأت الدول الأوروبية تستغني عن الرعاية الرسمية، حيث تسعى إلى جعل الرعاية الأسرية غير الرسمية أكثر جدوى، حيث يعتقد أنها أكثر فائدة لكبار السن، كما أنها تقلل التكلفة الاجتماعية.

اعتقاد هذه الفئة بأن هناك خطة لتصفية فئة العجزة، والتقليص منها ما أمكن لما تشكله من عبء ثقيل على دول العالم، خصوصا وأن هناك مؤامرة تحاك في الخفاء منذ تجاوز سكان العالم خمس ملايير نسمة، والتي نرى بعضا مما تحقق منها كالحروب التي اجتاحت مختلف مناطق العالم وخلفت مئات الآلاف من القتلى، والإبادات الجماعية والتهجير القسري لملايين البشر حول العالم، تقيس جانبا من الصواب والواقعية. ولا شك أن النموذج الإيطالي الذي تأثر بجائحة كورونا، والتي تجاوزت فيها حالات الوفيات الثلاثة آلاف، والأغلبية الساحقة من المرضى كبار السن، في الدولة الأكثر احتضانا لنسب الشيخوخة في أوروبا، يقوي هذه الفرضية ويعطيها مصداقية ولو بعد حين، بحسب الجزيرة.

وسوم :