العقوبات الأمريكية فشلت في إيقاف برامج إيران العسكرية وإيقاف نفوذها الإقليمي

محمد مصطفى العمراني
فرضت وزارة الخزانة الأمريكية الخميس الماضي 8  أكتوبر تشرين الأول الجاري حزمة جديدة من العقوبات على القطاع المالي الإيراني استهدفت 18 مصرفا، وقال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين في بيان: “إن شمول هذه المصارف بالعقوبات يعكس التزام الولايات المتحدة” بوقف الوصول غير المشروع إلى الدولار الأميركي وأن إجراءات اليوم ستستمر في السماح للمعاملات الإنسانية لدعم الشعب الإيراني”.
وتابع أن “عقوباتنا ستستمر إلى أن تتوقف إيران عن دعم النشاطات الإرهابية وتضع حدا لبرامجها النووية”.
وأكدت الخزانة الأمريكية بأنه سيتم إخضاع المؤسسات المالية الأجنبية وغير الإيرانية لعقوبات في حال التعامل مع المصارف الإيرانية المشمولة ، ومن ثم عزلهم فعليا عن النظام المالي الدولي.
من يتابع تاريخ العقوبات الأمريكية على إيران يلاحظ أن بداية العقوبات الأمريكية على قد بدأت عقب الثورة الإيرانية عام 1979، عندما جمدت إدارة الرئيس جيمي كارتر الأصول الإيرانية في بنوك الولايات المتحدة ردا على أزمة الرهائن، التي احتجز فيها 52 أمريكيا لأكثر من عام داخل السفارة الأمريكية في طهران.
واستمرت العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران وبشكل متقطع وازداد ضغط العقوبات الأمريكية نهاية التسعينيات وبداية القرن الحادي والعشرون في عهد إدارتي كلينتون وبوش، ردا على مضي طهران في برنامجها النووي ودعمها لتنظيم حزب الله اللبناني .
مع قدوم باراك أوباما للبيت الأبيض تواصلت العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران ولكن أوباما أنتهج نهجا أكثر تسامحا مع إيران وفي عهده شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية نوعا من التقارب حيث تم توقيع الاتفاق النووي الإيراني في 2 نيسان أبريل 2015م والذي بموجبه تم الرفع الجزئي للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران إلا أن هذا الاتفاق لم يدم طويلا إذ أنسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 مايو آيار 2018م وبشكل أحادي وبعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق قام ترامب بفرض سلسلة من العقوبات القاسية ضد إيران والتي وصلت إلى حدودها القصوى وهدفت إلى تصفير صادرات إيران من النفط والغاز والكثير من المنتجات الإيرانية الهامة للضغط على إيران للعودة إلى طاولة الحوار والتفاوض مكرهة وتستجيب للشروط الـ 12 التي وضعها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في 21 مايو أيار 2018م والتي تركزت حول برنامجها النووي والصاروخي وتدخلاتها في المنطقة ووجودها في سوريا ودعمها لحلفائها في المنطقة .
فشل العقوبات في إجبار ايران على التفاوض
رغم الضرر البالغ الذي أحدثته هذه العقوبات في الاقتصاد الإيراني والذي تأثر بشكل سلبي بسبب جائحة كورونا حيث واصلت العملة الإيرانية انهيارها أمام الدولار والذي ارتفع سعره في السوق السوداء بإيران اليوم السبت إلى 304500 ريالا في رقم قياسي جديد متأثرا بهذه العقوبات الجديدة إلا أن إيران كما يبدو لن ترضخ لهذه العقوبات والضغوط الأمريكية وستواصل نهجها في رفض التفاوض مع واشنطن وهو النهج الذي أكده المسؤولون الإيرانيون مرارا أن لا تفاوض مع واشنطن إلا بعد إعادة العمل بالاتفاق النووي الإيراني ورفع كافة العقوبات المفروضة ضدها وهذا الأمر صار من المعروف للجميع وقد أكد عليه المسؤولون في إيران مرارا بداية من المرشد الأعلى السيد علي خامنئي حتى أصغر مسؤول إيراني لأن القيادة الإيرانية تعتبر هذا الأمر مسألة كرامة ومبدأ وثوابت لا تقبل المساومة .
تسعى إيران للبحث عن خيارات جديدة وهذا ما يفسر زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف للصين غداة العقوبات المفروضة على إيران حيث أكد ظريف أنه تم إجراء “مباحثات مثمرة ” مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي ، بشأن تحقيق “الشراكة الاستراتيجية الشاملة “، معلناً أنهما رفضا “الأحادية الأميركية وجهود الولايات المتحدة لإيجاد نظام عالمي أحادي القطب”.
التوجه الإيراني نحو الصين وروسيا وانتظار نتائج الانتخابات الأمريكية وتواصل التعاون الاقتصادي مع دول الجوار وأبرزها العراق والإمارات وتركيا والتحايل على العقوبات الأمريكية أبرز ما تراهن عليه إيران لمواجهة هذه العقوبات القاسية التي يعاني من تأثيراتها المواطن الإيراني ولم يتأثر منها رموز النظام .
فشل العقوبات في ايقاف النفوذ الإيراني
مثلما فشلت العقوبات الأمريكية القاسية في إجبار ايران على الرضوخ للضغوط الأمريكية والجلوس على طاولة المفاوضات مع واشنطن لإنجاز اتفاق نووي معدل فشلت هذه العقوبات في إيقاف نفوذ إيران الإقليمي ولم تؤثر سلبا على حلفائها في المنطقة رغم أن هذه العقوبات قلصت كثيرا من الدعم المادي الذي كانت تقدمه إيران لحزب الله الذي يتبع الآن سياسة تقشف مالي صارمة إلا أن الحزب يواصل أنشطته وفعالياته لأنه قد أسس الكثير من المؤسسات التجارية والمالية التابعة له في لبنان وخارجها وبأنشطة مختلفة وتحت إدارة أشخاص لا ينتمون للحزب ويصعب إثبات صلتهم بحزب الله وكذلك الحال مع حلفاء إيران في العراق والذين لا يتلقون منها مساعدات مالية كونهم يسخرون موارد الدولة العراقية لصالحهم وليسوا بحاجة إلى إيران وكذلك الحال مع جماعة الحوثي حلفاء إيران في اليمن والذين يستخدمون موارد السلطة في شمال اليمن لصالحهم وصار لديهم مؤسسات مالية وتجارية كبرى داخل اليمن وخارجه ولذا فإن نفوذ إيران لن يتأثر كثيرا بهذه العقوبات الأمريكية إذ تعمل إيران دوما على دعم حلفاءها وتوجد لهم قنوات وآلية لترتيب أوضاعهم المالية  وتوجههم لبناء مؤسسات تجارية ومالية بحيث يستغنون عن دعمها المالي الذي لا يكون إلا في حالات ضرورية واستثنائية وعبر برامج محددة تمويل قنوات فضائية ومشاريع إعلامية وغيرها .
فشل العقوبات في ايقاف البرنامج النووي والصاروخي
مثلما فشلت العقوبات الأمريكية في اجبار إيران على الجلوس في طاولة مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة وفشلت هذه العقوبات في إيقاف نفوذ إيران الإقليمي ولم تؤثر سلبا على حلفائها كذلك فشلت هذه العقوبات في إيقاف برنامجي إيران النووي والصاروخي وتخفيض الأنشطة العسكرية لإيران التي تواصل مناوراتها وإنتاجها العسكري حيث أطلقت إيران في 22 نيسان أبريل الماضي أول قمر صناعي عسكري هو ” نور1 ” وهو القمر الصناعي الذي استقر في مداره حول الأرض على مسافة 425 كيلومترا كما تواصل إيران انتاج سلسلة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى كشفت إيران خلال عرض عسكري في 8 آب أغسطس الماضي عن صاروخ باليستي جديد يحمل اسم ” قاسم سليماني” يصل مداه إلى 1400 كيلومتر ، وصاروخ كروز باسم “أبو مهدي المهندس” يصل مداه إلى أكثر من ألف كيلومتر.
كما أعلنت إيران عن محرك توربين نفاث سيتم استخدامه في الطائرات، فضلا عن إنتاج محركات لمقاتلات محلية الصنع.
كما لإيران برنامج لتطوير البحرية الإيرانية وتجديد سفنها كما لبرنامج إيران النووي ميزانية سيادية ومستقلة وفي كل الظروف والأحوال لم تتأثر الميزانية العسكرية الإيرانية بسبب هذه العقوبات ، كما تتطلع إيران بعد رفع مجلس الأمن لحظر السلاح المفروض على إيران في منتصف آب أغسطس الماضي إلى شراء منظومة حديثة من الطائرات الروسية ومنظومة الدفاع الروسية إس 400 وتصدير أنواع من الصواريخ والطائرات المسيرة التي تقوم بإنتاجها .
خبرة طويلة في التحايل على العقوبات
إيران الدولة والشعب قد تعودت على هذه العقوبات وتعايشت معها وصارت تمتلك نفس طويل وخبرة واسعة في الالتفاف والتحايل عليها والاستفادة من بعض ثغراتها وجوانب الفشل الأمريكي في آلية تطبيقها حيث من الصعب تطبيق هذه العقبات بشكل كامل وصارم كما تجاوزت إيران بوسائل وتدابير عديدة بعض آثار هذه العقوبات بل واستطاعت خلال العقود الماضية ان تطور صناعاتها العسكرية وتحقق نهضة تنموية في مختلف المجالات وتبني نفوذها الإقليمي وحضورها الدولي رغم هذه العقوبات التي نجزم أنها لن تنجح في دفع إيران للتفاوض والحوار مع واشنطن لأنها لا تثق بترامب وإدارته ووعوده ومعاهداته خاصة بعد خروجه من الاتفاق النووي وفرضه كل هذه العقوبات ضدها وعلى العكس أدت هذه العقوبات إلى التفاف جزء كبير من الشعب الإيراني حول نظامه الذي يتعرض لحرب اقتصادية أمريكية  قاسية وتفهم أبناء إيران وضع النظام الذي أتخذ منها مبررا للفشل الاقتصادي ودعم خطابه الإعلامي الذي يسوق لمناهضة إيران للهيمنة الأمريكية والمواجه للاستكبار العالمي والرافض لإذلال الشعوب وتجويعها وحصارها .
عقوبات أمريكية وفشل إيراني داخلي
من المؤكد بأن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران والتي وصلت إلى حدودها القصوى لها تأثير سلبي كبير جدا على اقتصاد إيران وخاصة مع تأثيرات جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط العالمي ولكن هناك في الوقت نفسه فشل حكومي مزمن وفساد كبير وبيروقراطية ومؤسسات وجهات وشخصيات كبيرة لها ما يشبه الحصانة ولا تخضع للرقابة والمساءلة وخصوصا تلك المؤسسات التابعة للحرس الثوري أو تلك المحسوبة على المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي وكذلك تلك الشخصيات المقربة منه والتي جمعت بين المناصب الرفيعة والتجارة في مجالات عديدة وهذا بسبب التداخل والازدواجية في بنية النظام الإيراني وحماية المرشد لهذه المؤسسات ومنع أي رقابة عليها أو مساءلة لها ، فالتداخل بين مؤسسات الثورة ومؤسسات الدولة عمل على تقييد مؤسسات الدولة والحد من دورها وفاعليتها وهذه الازدواجية هي من أكبر عوائق التنمية في إيران ومن أبرز أسباب الفشل الإقتصادي والسياسي فيها فهي تحول دون تطبيق مبدأ الرقابة والمحاسبة على هذه المؤسسات والشخصيات وتعرقل تطبيق النظام والقانون على الجميع .
الخلاصة : هذه العقوبات الأمريكية فشلت في تحقيق أهدافها ودفع ثمنها المواطن الإيراني الذي يعاني بسبب تدهور الاقتصاد الإيراني وانهيار العملة الوطنية وعدم وفاء النظام بوعوده في تحقيق الرفاهية للمواطنين بينما واصل النظام أنشطته العسكرية ومد نفوذه الإقليمي والسعي لتعزيز شراكته الاستراتيجية مع الصين وروسيا ومواصلة هيمنته على السوق العراقية والاستفادة منها ومواصلة شراكته الاقتصادية المتميزة مع الإمارات وتعزيز تعاونه الإقتصادي مع تركيا وغيرها من دول المنطقة بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية وحينها لكل حادث حديث .

وسوم :