المعيار القانوني للعجز المالي في العراق

صباح نعوش
باحث إقتصادي
ينص قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 على نسبة قدرها 3% من الناتج المحلي الإجمالي كحد أعلى للعجز المالي. هل يمكن لميزانية الدولة المتسمة منذ عدة سنوات بارتفاع عجزها احترام هذا المعيار؟
قدمت الحكومة مشروع ميزانية الدولة لعام 2020 أمام البرلمان بهدف مناقشته والتصويت عليه. لكنها سحبته بعد يوم واحد فقط. الأمر الذي يدل على عدم وضوح الرؤية ويشير إلى التسرع في اتخاذ القرارات.
كما يواجه هذا المشروع معارضة برلمانية لعدة أسباب منها عدم احترامه لمعيار العجز المالي.
حسب مشروع الميزانية بلغت النفقات العامة 148 ترليون دينار والإيرادات العامة 67 ترليون دينار. وبذلك يصل العجز إلى 81 ترليون دينار. وهذا أعلى رقم مسجل في العراق على مر العصور والأنظمة.
الفقرة الرابعة من المادة السادسة من القانون المذكور أعلاه تمنع تجاوز العجز المالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي. وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء بلغ الناتج المحلي الإجمالي 53.1 ترليون دينار للفصل الأول من العام الجاري. بمعنى أن معدله السنوي 212.4 ترليون دينار. وعلى هذا الأساس تصبح العلاقة بين العجز المالي والناتج المحلي الإجمالي 38%. وهي من أعلى المعدلات في العالم. كما تعادل اكثر من 12 مرة العجز المالي المسموح به وفق المعيار. علماً بأن هذه النسبة قد ترتفع لأن حجم الناتج المحلي الإجمالي في الفصل الثاني من العام الجاري اقل من الفصل الأول بسبب جائحة كورونا.
حل قانون الإدارة المالية الاتحادية محل قانون الإدارة المالية والدين العام لسنة 2004 الصادر عن سلطة الاحتلال (الائتلاف). لكن القانون الحالي ادخل أحكاماً جديدة منها تلك النسبة العليا للعجز المالي. واعتبر البعض هذه الخطوة إيجابية لأنها تحد من مستوى العجز فتقود إلى تخفيف عبء المديونية العامة.
لكن الموقف من هذه الخطوة يجب أن يُدرس بصورة مستفيضة. ترى على أي أساس استند واضعو القانون لاختيار هذا المعيار؟ لماذا 3% دون نسبة أخرى؟ في الواقع لا توجد إجابة مقنعة منسجمة مع المعطيات العراقية.
تعود جذور هذه النسبة إلى ميثاق النمو والاستقرار الذي قام عليه الاتحاد النقدي الأوروبي أي منطقة اليورو. ينص هذا الميثاق على أربعة معايير للتقارب الاقتصادي بين الدول الأعضاء. المعيار المالي والأهم جاء بالحد الأعلى للعجز المالي المسموح به وهو 3% من الناتج المحلي الإجمالي. ومعيار المديونية العامة الذي يستوجب أن لا تزيد الديون على 60% من الناتج المحلي الإجمالي. أما المعيار الثالث فيتعلق بالتضخم والمعيار الرابع يخص أسعار الفائدة.
وفق السياسة المالية المتبعة في ألمانيا وفرنسا قبل نشوء الاتحاد النقدي يتعين أن يكون الحد الأعلى للمديونية 60% من الناتج المحلي الإجمالي. وحتى يتحقق ذلك ينبغي أن لا يزيد العجز المالي على 3% من الناتج المحلي الإجمالي. هنالك إذن ربط بين المعيارين في سياسة هذين البلدين. لذلك قرر الألمان والفرنسيون فرض معيارهم المالي على الأوروبيين الآخرين. وهكذا تأسس اتحادهم النقدي. علماً بأن غالبية بلدانه تجاوزت هذه النسبة حتى قبل كورونا. ثم اشتد التجاوز بعد الوباء.
العراق نقل إذن حرفيا هذه النسبة من منطقة اليورو بمباركة من صندوق النقد الدولي. انه يتبنى نسبة لا علاقة له بها. كما انه يطبقها في ظروف غير مواتية. إذ تتطلب جائحة كورونا صرف المزيد من الأموال لمواجهة تبعاتها الصحية والاقتصادية. القانون العراقي نقل هذه النسبة في حين أن أصحاب الشأن خففوا من حدتها.
عادت مسودة الميزانية إلى الحكومة لدراستها من جديد. ما هي إذن الخيارات المتاحة لها لتقليص العجز؟
تتكون الميزانية العامة كما هو معلوم من بابين هما الإيرادات والنفقات. يتحقق تقليص العجز المالي بزيادة الإيرادات أو بتقليص النفقات أو بهما معا. وتنقسم الإيرادات في العراق إلى نفطية وغير نفطية. تعتمد العوائد النفطية بالدرجة الأولى على عوامل خارجية ترتبط بالأسعار. وبالتالي لا تستطيع الحكومة زيادتها خاصة وأن العراق عضو في أوبك. يتعين عليه احترام قراراتها كتلك التي تتعلق بحجم الإنتاج.
أما الإيرادات غير النفطية لاسيما الضرائب المباشرة والرسوم الجمركية فمن الصعب أيضاً زيادتها لأنها تؤثر سلبياً على مستوى معيشة المواطنين خاصة في الظروف الحالية المتسمة بتباطؤ النمو نتيجة وباء كورونا. كما يذهب قسط من الحصيلة إلى المليشيات والأحزاب المهيمنة على السلطة.
أما النفقات العامة فتنقسم إلى اعتيادية (تشغيلية) وإنمائية. تستحوذ النفقات الاعتيادية على القسط الأكبر من المصروفات العامة. وتتكون بالمقام الأول من مرتبات الموظفين. لا تجد الحكومة بداً من تقليصها لتخفيف العجز المالي. لكن هذا الإجراء يقود إلى احتجاجات شعبية واسعة النطاق. وبالتالي تتردد الحكومة في حجم التقليص. وأما المصروفات الإنمائية فقد تراجعت كثيراً تحت تأثير وباء كورونا. كما يعاني تنفيذها من فساد مالي كبير.
من خلال هذا العرض لا تستطيع الحكومة الضغط على العجز المالي بصورة فاعلة. ومن باب أولى لا يمكنها إطلاقاً الوصول إلى النسبة المقررة في القانون.
لكن تطلعات العراقيين لا تكمن في الوصول إلى هذه النسبة بل في إعداد ميزانية عامة تمثل الأداة التنفيذية لسياسة مالية رشيدة. و لا تستوجب هذه السياسة بالضرورة وضع نسبة عليا للعجز المالي. بل وضع ضوابط للقروض العامة في مقدمتها مساهمتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ما هو حجم أو نسبة العجز المالي سؤال لا قيمة كبيرة له على الأقل في العراق. السؤال الأهم هو لماذا العجز المالي. العجز الناجم عن زيادة المصروفات الإنمائية الحقيقية الخالية من الفساد افضل بكثير من الفائض دون تنمية. المطلوب هو التوازن الاقتصادي وليس التوازن المالي.
انطلاقاً من هذا التحليل لابد من اتخاذ التدابير التالية بعد معالجة الفساد المالي معالجة جذرية.
أولاً: إنهاء الهيمنة الاقتصادية الإيرانية على العراق التي أنهكت المالية العراقية. ويتعلق الأمر بالتجارة الخارجية والاستثمارات والتسهيلات المالية.
ثانياً: إلغاء الكيان القانوني لإقليم كردستان. وبالتالي حذف النسبة المخصصة له في ميزانية الدولة. ومعاملة جميع المحافظات العراقية معاملة مماثلة خاصة من النواحي المالية والسياسية.
ثالثاً: إلغاء مؤسسات الحشد الشعبي والأوقاف. لا قوة مسلحة إلا للجيش والشرطة. ولا تكريس للطائفية المقيتة.
رابعاً: الضغط بشدة على المصرفات الأمنية والعسكرية. أنها نفقات غير منتجة بل ومضرة بالنشاط الاقتصادي.
الأموال المتحققة من تنفيذ هذه التدابير تصرف ضمن خطة مدروسة دراسة مستفيضة ترتبط بالتنمية الاقتصادية الصناعية والزراعية. عندئذ يتحسن مستوى العمالة وتتم معالجة الفقر بصورة سريعة. يرتفع إذن مستوى معيشة المواطنين ارتفاعاً كبيراً خلال فترة زمنية قصيرة. وهذا هو الهدف الأسمى.

وسوم :