نظرة على مكانة الشهيد والشهادة في القرآن والعترة

د.مسعود ناجي إدريس||

الشهادة هي فناء الإنسان من أجل الوصول إلى مصدر النور والاقتراب من الوجود المطلق. الشهادة هي عشق الوصال إلى الحبيب والمعشوق في أجمل صوره. الشهادة هي الموت بالقتل والذي يختاره الشهيد بوعي ولغرض مقدس وبحسب تعبير القرآن الكريم (في سبيل الله). أي أن الشهيد يُقتل بطريقة لها قيمة واعية وفي سبيل الله ، بحسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الشهادة أشرف أنواع الموت وأسماها (أشرف اَلْمَوْت قَتْلُ الشَّهادَةِ) والإمام علي (ع) يعتبر أكرم أنواع الموت (اکرَم اَلْمَوْت اَلْقَتْل).
كلمة شهيد تعني حَرْفِيًّا (شاهد)، واللفظ يشير إلى من هو في مجرى الشهادة ويقتل في سبيل الله. الشهادة ليست شكلاً من أشكال الموت ولكنها صفة من صفات (الحياة المعقولة). لأن الحياة العادية ، التي تحكم غالبية البشر ، للأسف تريد نفسها دائمًا واستمرارها اللانهائي ، ولكن في الحياة المعقولة للفرد ، وفي تلك الحياة الخالية من التلوث يجد نفسه في مسار تطوري في مجموعة كبيرة تسمى الكون والتي تنتهي بمنطقة الجاذبية الإلهية.
لذلك فإن الشهيد على قيد الحياة على الدوام ، وحياته وموته صفة لحياة كريمة وطبقاً لآية القرآن الكريم التي تقول: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}(169 آ ل عمران)
إن الشهيد على قيد الحياة دائمًا وموته هو في الحقيقة انتقال من الحياة الحالية على سطح الطبيعة إلى الحياة التي خلفها. وفي آية أخرى قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّه أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكُنَّ لَا تَشْعُرُونَ} (البقرة، 154) وهو في هذه الآية يشير أيضًا إلى أن الشهيد حي يرزق.
يوجد في القرآن حوالي عشر آيات صريحة عن أولئك الذين قتلوا في سبيل الله. ومن الأمور التي ورد ذكرها في هذه الآيات بقاء الشهيد حي يرزق، رزق الشهيد ، وغفران ذنوب الشهيد ، عدم ضياع أعمال الشهيد ، وبهجة الشهيد وسعادته ، والدخول في الرحمة الإلهية ونجاة الشهيد. في هذه المقالة القصيرة ، سوف نتحدث عنهم.
كلمة شهيد تعني الحضور ورؤية الشهيد ولها صفة مماثلة في الدليل. وردت كلمة الشهيد في القرآن الكريم كشاهد (شاهد الأعمال). قال القرآن الكريم عن الشهيد والشهداء:
{وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِي سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ} (169 آ ل عمران)
معنى الحياة هو الحياة الحقيقية ، وعلى العكس في آيات أخرى اعتبر الله تعالى حياة الكفار بعد الموت دمار وفناء.
لذلك فإن حياة الشهداء وبقائهم نعمة تنفع المؤمنين كافة. ومن ناحية أخرى ظن البعض أن من قاتل في سبيل الله واستشهد قد وصل الى الفناء ، لذلك قال القرآن الكريم لدحض هذه الفكرة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}(169 آل عمران)
• للشهادة معنيان مختلفان في ثقافة الدين الإسلامي:
1- معنى خاص. وهو مثل القتل في سبيل الله في إحدى المعارك ، وله أحكام خاصة في الفقه الإسلامي. فمثلاً يقولون: الشهيد لا يحتاج إلى الغسل والكفن ، بل يُدفن بنفس الثياب الدامية.
2- المعنى الواسع والعام. إن يقتل أو يموت أثناء قيامه بواجبه الإلهي.
لذلك من يموت بأي شكل من الأشكال أثناء تأدية الواجب فهو شهيد ، كما ورد في الروايات الإسلامية أن عدة مجموعات إذا توفاهم الأجل فهم شهداء:
1- من مات وهو سالك طريق الدراسة والعلم.
2- من مات في الفراش ، وله علم بحق الله والنبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته (عليهم السلام).
3- من يقتل وهو يدافع عن ممتلكاته ضد الغزاة.
لذلك فإن الذين يؤمنون بالحق ويسلكون طريق الحق ويموتون على نفس الحال حسب القرآن الكريم والروايات الإسلامية هم من الشهداء وينالون أجر الشهيد. قال الله تعالى: {وَ الَّذِینَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّیقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ} (الحديد، 19)
عن العياشي بالاسناد، عن منهال القصاب قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ادع الله أن يرزقني الشهادة فقال: المؤمن شهيد، ثم تلا ” والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم “.
روي أيضا، عن الحارث بن المغيرة قال: ( كنا عند أبي جعفر عليه السلام، فقال:
العارف منكم هذا الامر المنتظر له المحتسب فيه الخير كمن جاهد والله مع قائم آل محمد بسيفه، ثم قال: بل والله كمن جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله بسيفه، ثم قال الثالثة:
بل والله كمن استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله في فسطاطه، وفيكم آية في كتاب الله.
قلت: وأي آية جعلت فداك؟ قال: قول الله تعالى: ” والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ” ثم قال صرتم والله صادقين، شهداء عند ربكم.)
قال النبي الاكرم صلی الله علیه و آله : «اذا جاء الموت لطالب العلم و هوی علی هذا الحال مات شهیدا. »
قال الامام الصادق (ع): (من أريد ماله بغير حقّ فقاتل فقُتل فهو شهيد)
قال النبي صلی الله علیه و آله :
«من مات من امتي وهو مؤمن مات شهيدا . . »(10)
وايضا قال: «من مات علی حب آل محمد صلی الله علیه و آله مات شهیدا»
لذلك فإن الشهادة لها درجة وأعلى درجاتها الشهادة في المعركة ضد أعداء الإسلام.
وفي القرآن عدة آيات عن الشهيد وفضله في سبيل الله نذكر بعضها بإيجاز.
أ- مراجعة الآيات القرآنية
1- سورة البقرة، الآية 154:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ}
في الآية السابقة ، هناك ثلاث نقاط مهمة جِدًّا للناس عن الشهداء :
1- لا ينبغي استعمال كلمة (الموت) في التفكير والحديث عن الشهداء.
2- حياة الشهداء خالدة بعد الشهادة.
3- لن نكون قادرين على فهم حياة الشهداء. والواقع أن هذه السورة تبين منزلة الشهيد ، لدرجة أن البشر لا يفهمون المكانة الرفيعة للشهيد.
2- سورة آل عمران، الآيتين 139- 140
«وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد بهزيمة المؤمنين في المعركة. هنا يريد أن يشير إلى أنه إذا كان لديكم إيمان راسخ وكنتم شهودًا وقادة متحدين معًا ستصبحون متفوقين إلى الأبد .
3- سورة الحج، الآية 58:
«وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»
في هذه الآية ، يقدم جزاء أولئك الذين يختارون الهجرة في سبيل الله رزقًا حسنا خاصا ، أي أن الفائزين في هذا المشهد ينالون أجرهم من الله. فهذه الآية في الحقيقة حافز وشاحن لمن يريد الوقوف في وجه الشياطين.
4- سورة آل عمران، الآية 169:
«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»
في هذه الآية يظهر بوضوح الفرق بين الموت العادي وبين من استشهدوا في سبيل الله ، ويؤخذ في الاعتبار أجر عظيم لهذه المجموعة .
تكشف هذه الآية عن صفات الشهداء أنهم أحياء ولهم كل صفات الحياة. من آثار الحياة الأكل والطعام الذي ينعم به الشهداء.
5- سورة التوبة، الآیة 20:
«الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ »
في هذه الآية يعرّف المجاهدين من يجاهدون بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله منتصرين ويضمن سعادتهم ، لأن مكانتهم عالية في نظر الله ، أي يشجع من لا يبالي بالطاغية وينهض ويقاوم الكفار. وأجرهم السعادة والمكانة الرفيعة والنجاة.
6- سورة النساء، الآیة 73:
«فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا »
في هذه الآية ، حدد أولاً واجبات المؤمنين ووجوب الجهاد ضد من فضل الدنيا المادية على الآخرة. والآن إذا قتلوا أو انتصروا في الجهاد ، في الحالتين سوف يكونون منتصرين ويعطيهم الله أجرًا عظيمًا.
في الآيات السابقة يعرّف الشهداء على أنهم بشر بارزون ومستيقظون ، ويقدمهم على أنهم المنتصرون الحقيقيون لهذا العالم وتلك الآخرة ويرزقهم الله من رزقه المبارك وهم ذات مكانة عالية والشاهدين على الأمم الأخرى ، وأجر الشهداء متكفل به الله تعالى.

ب-الاحاديث
1- قال الإمام الصادق (ع) عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «ثلاثة يشفعون إلى الله عزّ وجلّ فيشفّعهم: الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشهداء»
2- قال رسوال الله (ص): «من خرج في سبيل الله مجاهداً فله في كل خطوة سبعمائة ألف حسنة، ويمحى عنه سبعمائة ألف سيئة، ويرفع له سبعمائة ألف درجة، وكان في ضمان الله بأي حتف مات كان شهيداً، وإن رجع (من الحرب) رجع مغفوراً له مستجاباً له دعاؤه.»
3- قال رسول الله (ص) : مافوق كل حسنة، حسنة ارفع منها، وارفع الحسنات الموت غازياً في سبيل الله
4- ويقول الإمام علي بن الحسين عليه السلام: “بينما أمير المؤمنين عليه السلام يخطب في الناس ويحثهم على الجهاد إذ قام إليه شاب فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله.
فقال علي عليه السلام: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته العضباء ونحن قافلون من غزوة ذات السلاسل، فسألته عما سألتني عنه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الغزاة إذا همّوا بالغزو كتب الله لهم براءة من النار، فإذا تجهزوا لغزوهم باه الله بهم الملائكة، وإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحية من سلخها (جلدها) ويوكل عز وجل بهم بكل رجل منهم أربعين ألف ملك يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلا ضعّفت له، ويكتب له كل يوم في طريق الجهاد عبادة ألف رجل يعبدون الله ألف سنة.
وإذا صاروا بحضرة عدوهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم.. فإذا برزوا لعدوهم، وأشرعت الأسنة وفوقت السهام، وتقدم الرجل إلى الرجل حفتهم الملائكة بأجنحتهم ويدعون لهم بالنصر والتثبيت، وينادي مناد: الجنة تحت ظلال السيوف”.
5- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:« هذا ما قاله الله إني خليفة الشهيد في أهله. من يرضي أهل الشهيد قد سرني ومن أغضبهم أغضبني. »
6- قال رسول الله(ص) : «شفع الشهید لسبعین من اهله.»
في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي تُروى عن الشهادة ومكانة الشهيد ، كل هذا يدل على المكانة الرفيعة والمكانة الكبيرة للشهيد ، وهي خير الحسنات ، ويقدم الشهيد كشاهد للمجتمع ويطلب رضا الله بعمله. حتى لدرجة أن الله نفسه يعتني بعائلة الشهيد. وأعلى مكانة في الآخرة هي الشفاعة ، مكانة الشفاعة خاصة فقط بالأنبياء والعلماء الكبار والأئمة وبهذا العمل اصبحوا الشهداء سواسية معهم ، أي يمكنهم أن يشفعوا لسبعين انسانا…

وسوم :