لا تعبثوا بعش الدبابير في إيران

د. حامد أبو العز
لطالما أطلق الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، تهديدات فارغة ضد طهران. ولطالما ردّت على هذه التهديدات بواقعية، وعبرت عن أنها لا تريد خوض حروب أبداً، ولكن إذا فُرضت عليها الحرب فإنها ستكون شاملة، مدمرة، وطويلة.
نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقرير منذ أيام يتحدث عن اجتماع عقده ترامب مع مجموعة من قادة البنتاغون ووزير خارجيته “بومبيو”، وسأل الرئيس مجموعة القادة العسكريين حول خيارات لضرب أهداف معينة في إيران، تشمل على سبيل المثال “المواقع النووية الإيرانية”، ومراكز لتخزين الصواريخ. أجاب تقريباً جميع من كانوا في هذا الاجتماع بأنّه لا وجود لخيارات لضربات محدودة، لإن إيران سوف ترد على نطاق واسع.
ومن بين المخالفين لهذا النوع من الخيارات العسكرية كان وزير الخارجية نفسه، إذ عبر عن مخاوفه بأنّ مثل هذه المغامرات لن تمر دون رد إيراني.
لا بد من ذكر بأنّ ما ذكره ترامب من مبررات في البحث عن الخيارات العسكرية، جاء “بحسب الاجتماع الذي سُربت معلوماته”، بعد تقرير وكالة الطاقة الذرية، الذي ذكر بأن إيران قد رفعت سقف التخصيب النووي لأكثر من 12 ضعف مما هو مسموح بموجب الاتفاق النووي الإيراني.
عجيبة هذه الإدارة الأمريكية، كيف تحاول أن تستند إلى بنود “الاتفاق النووي”، الذي انسحبت منه قبل أكثر من سنتين. هذا الاتفاق الذي يُعدّ أكبر حراك دبلوماسي بعد الحرب العالمية الثانية.
بدايةً، ترامب وإدارته خسروا معركة دبلوماسية بفرض إعادة العقوبات على إيران في مجلس الأمن، بعد رفض المجلس التصويت على مشروع أمريكي يقضي بإعادة فرض العقوبات على إيران بحجة انتهاكها لبنود الاتفاق. وكانت هذه الخسارة هي صفعة مدويّة لترامب وللولايات المتحدة ككل. فجميع الدول رفضت مشروع القرار، ووقفت إلى جانب الولايات المتحدة دولة واحدة “لا يُعرف موقعها على الخارطة”.
وها هو ترامب مرة أخرى، يستند إلى الاتفاق النووي ويبحث عن مبررات لضرب إيران. إيران وعلى الرغم من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وعلى الرغم من تقاعس الدول الأوربية بتنفيذ التزاماتها، إلا أنها لم تنسحب من وثيقة العمل المشتركة. لا بل أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقارير متتالية أفادت بأن إيران تلتزم حرفياً ببنود الاتفاق حتى بعد انسحاب الولايات المتحدة منه لبضعة أشهر.
وبعد خسارة ترامب للانتخابات أمام بايدن، يبدو بأنه يبحث عن سبل لتحويل الفترة الرئاسية لبايدن إلى جحيم. فسياسة الضغط بالحد الأقصى، فشلت أمام صمود الشعب الإيراني أمام العقوبات الظالمة، خصوصا في ظل تفشي فيروس كورونا في إيران، والعقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على صادرات الأدوية إلى إيران.
أخيراً، ما نستطيع قوله هو، بأنّ المؤامرة على إيران لا تزال قائمة، خصوصا بالجولة التي خاضها ويخوضها “بومبيو” في المنطقة بحثاً عن ممول لهذه الضربات، إلا أننا نرجو بأن يكون العرب أكثر وعيا هذه المرة، ويكفوا عن صب الزيت على النار وتمويل حرب من الممكن أن يخوضها ترامب. لإن العاقل لا يدخل في حرب مع أمة خاضت حرب 8 سنوات دون هوان. مع دولة تمتلك صواريخ بعيدة المدى من الممكن أن تطال أي نقطة في منطقة الشرق الأوسط. العاقل لا يخوض حرباً مع دولة أمطرت قاعدة عين الأسد بالصواريخ عالية الدقة ولأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية.
العاقلون في وزارة الدفاع الأمريكية نهوا الرئيس عن خوض مثل هذه المغامرة الخاسرة، فهل نفعل نحن العرب الشيء نفسه؟ الأيام وحدها كفيلة بالجواب على هذا السؤال، لننتظر.
باحث السياسة العامة والفلسفة السياسية
كاتب فلسطيني

وسوم :