حلول مالية لأزمة مُرتقبة


حامد عبد الحسين الجبوري
يعاني العراق أزمة مالية خانقة بفعل تدني الإيرادات العامة مقابل ضخامة النفقات العامة، مما حدا بالحكومة اللجوء للاقتراض مرتين خلال العام الجاري. وماذا بشأن الأزمة المُرتقبة في العام المُقبل؟

لا يختلف العام المُقبل عن العام الحالي بسبب استمرار وجود أسباب نشوء الأزمة الحالية مما يتطلب العمل على إيجاد الحلول اللازمة لتلافي انتقال الأزمة نحو العام المُقبل وهذا ما يستدعي تشخيص أسباب الأزمة المالية الحالية وعلاجها لتلافي الأزمة المُرتقبة في العام المُقبل. هناك أسباب تتعلق بتدني الإيرادات العامة وأخرى بضخامة النفقات العامة.

أسباب تدني الإيرادات العامة
يعود تدني الإيرادات العامة لاعتماد الدولة بشكل مفرط على النفط المتذبذب في أسعاره وإيراداته، حيث شكَّل النفط أكثر من 90% من الإيرادات العامة في أغلب الموازنات السابقة والحالية وكذلك المُقبلة في وقت يعاني من انخفاض أسعاره التي تتراوح بين 35-45 دولار لكل برميل.

إلى جانب ضعف الشفافية والرقابة والتدقيق لإيرادات الدولة وتراخي القانون في حصر وجباية الإيرادات العامة بفعل انتشار السلاح خارج نطاق الدولة مما نجم عنه تدني الإيرادات العامة.

 كما إن شيوع الفساد وانتشاره في أغلب مفاصل الدولة وخصوصاً ذات الإيرادات المالية، أدى لانخفاض الإيرادات العامة بشكل لافت، فعلى سبيل المثال لا الحصر “إن 10% فقط من إيرادات المنافذ الحدودية والتي تبلغ ثمانية مليارات، تدخل الخزينة العراقية، بسبب الفساد والنفوذ” كما صرح وزير المالية يوم الأربعاء الموافق 26/11/2020.

أسباب ضخامة النفقات العامة
تعود ضخامة النفقات العامة لارتفاع نفقات رواتب الموظفين والمتقاعدين خلال المدة 2004-2020 بنسبة 400% بالقيمة الحقيقة، وارتفاع العدد الإجمالي لموظفي القطاع العام بأكثر من ثلاثة أضعاف، حسب ما ذكرته الورقة البيضاء، ويشكّل الفضائيون ومزدوجو الراتب 10% من بين عدد الموظفين حسب أحد تصريحات وزير المالية الحالي.

حيث اعتمدت الحكومات المتعاقبة سياسة التوظيف السياسي لا التوظيف الاقتصادي، أي تم التوظيف وفقاً للحاجة السياسية وليس للحاجة الاقتصادية، من أجل الفوز بالانتخابات؛ مما نجم عن هذا التوظيف انخفاض إنتاجية الموظفين، إذ بلغت إنتاجية العامل العراقي عام 2018 ما نسبته 47% عما كانت عليه عام 1970 كما أشارت الورقة البيضاء.

كما إن ضعف شفافية النفقات العامة ومراقبتها من قبل الجهات المختصة، كما أوضح مؤشر الموازنة المفتوحة الصادر عن شراكة الموازنة الدولية واحتلال العراق المرتبة 105 من أصل 117 ضمها المؤشر عام 2019؛ أدى لعدم الاكتراث للتدقيق في حجم النفقات الجارية والاستثمارية على حدٍ سواء، فأصبحت النفقات العامة في تضخم، سيما وان الموازنة تُعد وفقاً موازنة والبنود لا البرامج والأداء التي تأخذ قياس كلفة البرنامج ومدى تحقق الأهداف بعين الاعتبار عكس الأبواب والبنود.

إن الأزمة المالية الحالية التي تمثلت بشكل مختصر في انخفاض الإيرادات النفطية التي تمثل العمود الفقري للإيرادات العامة مقابل ارتفاع نفقات الموظفين والمتقاعدين بشكل كبير هي، بلا أدنى شك؛ امتداد لازمة اقتصادية في الجذور يعانيها الاقتصاد العراقي، والتي تتمثل في اختلال الجهاز الإنتاجي بفعل سيادة نظام التخطيط لمدة زمنية طويلة بالتحالف مع عوامل سياسية وتاريخية واجتماعية وثقافية بنفس التركز والانتشار.

الأزمة المالية انعكاس للأزمة الاقتصادية
كان هناك أشبه باليقين، لدى المهتمين والمختصين؛ بوقوع الأزمة المالية الحالية والأزمات المالية السابقة، وأكدوا، في كتاباتهم ولقاءاتهم؛ على ضرورة الإصلاح الاقتصادي لتلافي وقوع الأزمات المالية المتعاقبة، وذلك لارتباط الأزمات المالية بالأزمات الاقتصادية؛ ولكن دون جدوى فوقع ما كان.

المجتمع العراقي أكثر ارتباطاً بالمالية العامة من الاقتصاد بحكم توسع دور الدولة في التوظيف السياسي على حساب التوظيف الاقتصادي، كما تمت الإشارة إليه أعلاه؛ فيرى -المجتمع- إن أي أزمة تصيب المالية العامة ستنعكس بشكل وآخر على الاقتصاد ثم عليه، وهذه النظرة مختلفة تماماً عن نظرة المهتمين والمختصين التي ذكرت آنفاً، مما يعني أن المجتمع يكون أكثر قبولاً للإصلاح المالي من الإصلاح الاقتصادي، والأزمة الحالية فرصة جيدة لوضع الخطوات الأولى لتحقيق الإصلاح الاقتصادي من خلال إجراء الإصلاح المالي لتلافي لوقوع الأزمة المُرتقبة العام المُقبل.

ونتيجة لإدراك المجتمع بمدى ارتباط المالية العامة بالنفط ومدى انخفاض أسعار الأخير، وإذا ما استمرت الأزمة ستجعل المجتمع أكثر ألماً، لذلك القبول بالإصلاح أفضل من رفضه، ولهذا فالمجتمع أكثر استعداداً لقبول الإصلاح المالي لتلافي الأزمة المالية المُرتقبة العام المُقبل وذلك من خلال مجموعة حلول يمكن تناول أبرزها بالآتي:

سلم رواتب جديد

أولاً: اعتماد سلم رواتب جديد، بمعنى العمل على تحديد حدين حد أدنى وحد أعلى ويبدأ التدرج من الحد الأدنى وصولاً للحد الأعلى وفقاً لاعتبارات الاستحقاق.

فعلى سبيل المثال لا الحصر لو تم تحديد 500 ألف دينار للحد الأدنى و3 مليون دينار للحد الأعلى، وما بينهما يتم التدرج من 600 و 700 و800 ألف وصولاً للحد الأعلى، لأدى هذا السُلم لتوفير أموال كبيرة جداً تؤدي لانخفاض العجز المُرتقب بشكل كبير أيضاً، وتلافي اللجوء للاقتراض الذي لجأت له الحكومة مرتين خلال العام الجاري.

إحصاء موظفي الدولة

ثانياً: إجراء إحصاء شامل لموظفي الدولة بشكل سريع واعتماد الرقم الوظيفي لكلٍ منهم، لاكتشاف ومعالجة الفضائيين منهم ومزدوجي الراتب، وهذا ما يؤدي لتقليص نفقات رواتب الموظفين التي تمثل حصة الأسد من النفقات العامة، مما يسهم في تخفيض العجز المالي.

أتمتة إيرادات الموازنة ونفقاتها

ثالثاً: أتمتة إيرادات الموازنة ونفقاتها، حتى تستطيع الدولة من معرفة المعلومات المالية بدقة وسرعة عالية لكلٍ من نفقاتها وإيراداتها، وعلى ضوء هذه المعلومات تستطيع الدولة اتخاذ القرارات السريعة لمعالجة الوضع المالي الحرج.

إن أتمتة إيرادات الدولة ونفقاتها يتطلب أتمتة وحدات الدولة من أصغرها لأكبرها، ونظراً لدور الأتمتة في تقليص متطلبات العمل الروتيني ومحاصرة الفساد وتخفيضه، فإن حجم النفقات العامة سينخفض والحصيلة المالية سترتفع، وهذا ما يعني علاج الأزمة المُرتقبة أو التخفيف من حدتها على أقل تقدير.

اعتماد موازنة البرامج والأداء

رابعاً: اعتماد موازنة البرامج والأداء، كونها ستؤدي لتقليص الهدر السائد في موازنة البنود، إذ إن موازنة البرامج والأداء تجعل الإنفاق العام مرتبطاً بتحقيق نتائج محددة يتم قياسها بدقة.

 في ظل هذه الموازنة يكون لكل وزارة وكل دائرة وكل موظف مهمة محددة ينبغي أداؤها وانجازها وفق توقيتات زمنية محددة، وبهذا يصبح الإنفاق العام أكثر ترشيداً وإنتاجيةً.

إن ترشيد الإنفاق العام ورفع إنتاجيته من خلال موازنة البرامج والأداء بحكم طبيعة تصميمها، سينعكس بشكل تلقائي على الحصيلة المالية وارتفاعها مقابل انخفاض الإنفاق العام بحكم ترشيده، وهذا ما يعني التخفيف من حدِّة الأزمة المُرتقبة.

الخلاصة
بعد تشخيص الأزمة الحالية المتمثلة بتدني الإيرادات العامة مقابل ضخامة النفقات العامة، وتشخيص أسبابها، أصبح بالإمكان تلافي الأزمة المالية المُرتقبة من خلال تطبيق الحزمة المالية المتمثلة بسلم رواتب جديد وإحصاء موظفي الدولة وأتمتة إيرادات الدولة ونفقاتها وأخيراً اعتماد موازنة البرامج والأداء بدلاً من موازنة البنود السائدة، إذ إن تطبيق هذه الحزمة سيؤدي لتقليص النفقات العامة مقابل زيادة الإيرادات العامة، وهذه هي نقطة البداية للإصلاح الاقتصادي المطلوب في العراق.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020

وسوم :