كيف نضيء شمعة

السيد وليد البعاج
 من أروع الأمثلة التي تستعمل غالبا في العمل الإيجابي هو المثل الصيني المشهور: (بدلا من أن تلعنوا الظلام أضيئوا شمعة)، وهذا القول لا يحتاج الى بعد فلسفي عميق لفهم دلالته الواضحة التي تقول: إن مجرد لعن الظلام بالخطابات والتصريحات والمقالات لا ينقذ أحدا من ظلمته، ولكن الظلام ينقشع وينجلي إذا كان هناك عمل إيجابي وحقيقي الذي هو “نشر النور” وعلى أقل التقديرات بإضاءة شمعة لتزيل وجوم ذلك الظلام الدامس، وتبدد ليله المخيف.
فالمجتمع برأي الحكماء ينقسم الى فريقين: فريق منشغل بالسلبيات. وفريق يطمح للعمل الإيجابي والبناء. أي فريق سلبي ينقد ويهدم ويلعن الظلام، وفريق إيجابي يعمل ويبني ويضيء شمعة وسط الظلام.
فإذا كان هناك حريقٌ في بناية ما، فهل الأولى إحداث ضجة بسبب هذا الحـــريق وكيل التهم، والمناداة بالويل والثبور. أم أن الأولى بذل كل الجهد لإطفاء النار وانقاذ ما يمكن انقاذه.
هل الجهد الاصلاحي في المجتمع أن نلعن الفساد؟! وهذا أمر سهل جدا يقدر عليه كل أحد، أم أن الاهتمام بشرح الاسلوب العملي الايجابي للقضاء على الفساد هو الأصلح.
يقال: من السهل جدا أن توبخ فكرة خاطئة، ولكن الأصلح إيجابيا أن تقدم الفكرة الصائبة وتشرح اسلــوب تنفيذها.
فالعراق اليوم يخيم عليه ظلام مربك، واندلعت فيه نارٌ مشتعلة تحوي أنواع الألسنة من اللهب سببت حريقا يأكل الأخضر قبل اليابس، واستشرى بالبلد فساد جعل الناس تفقد وطنيتها وحبها للأرض وصاروا بين مهاجر وبين مشتت وبين من استطعم المال حتى ولو كان من عمل ضد الوطن موجدا ذرائع شتى ليسكت ضميره.
فهل الإدانة والشجب تكفي لعلاج مشاكل العراق، والذاكرة (اقصد الذاكرة الحاقدة) القريبة العهـــد تختزن بأسوأ الصور والذكريات من المآسي والأحـــداث التي مرت بشرائح متعددة من أبناء هذا الوطن.
كيف يمكننا بناء ذاكرة محبة نمحي بها الذاكرة الحاقدة؟!
كيف يمكننا أن نوقد شمعة تبدد ظلام العراق وتعيد له إشراقه؟!
كيف نمطر السماء لتطفئ نار التقاتل والمذابح بين الأخوة؟!
كيف نخرج بخارطة طريق توصل البلد سالما نحو بر الأمان؟!
لا أنكر أن البناء ليس مثل الهدم، الهدم عمل سهل، ولكن البناء يحتاج الى مهارة ووقت. 
نحن بحاجة الى ثقافة المحبة والتسامح في هذه المرحلة، وأشهد بثقة أن هناك بصيص نور أوقد شمعته مؤسسة رائدة وضع أسسها مرجع الشيعة الكبير السيد الخوئي قدس سره،  “دار العلم للإمام الخوئي” والتي مقرها بجوار إمام التسامح علي بن أبي طالب عليه السلام في النجف الأشرف، وبجهود استثنائية من إدارة واعدة كرست كل وقتها وجهدها لرسالة السلام والتعايش، بانت ثمار عملها الايجابي، بهذا التلاقي وحضور كل الديانات والطوائف والمكونات العراقية في مجلس واحد بلقاء فريد من نوعه تزينت به النجف الأشرف، والناصرية، وبغداد، والموصل، واربيل، لما فيه خير العراق والمنطقة.
استطاعت هذه المؤسسة الشريفة، المليئة بالجود والابداع أن تؤسس لثقافة ستأتي أوكلها ولو بعد حين.
وأقول بمحبة لكل المهتمين بالإنسانية والأخوة والعيش المشترك والسلم الاهلي: الظلام لا يزال يخيم في سماء مجتمعنا العراقي ونحن بحاجة الى اكثر من شمعة، بل الى مئات الشموع لنبدد هذا الظلام الخانق، فأن الشمعة التي أضاءت وأسفرت عن زيارة بابا الفاتيكان تحتاج لشموع كثر تسند بنورها ليشرق الصبح الذي نتأمله وننتظره، ليبارك الله كل من سعى لنشر الرحمة بين الناس، ولتعف ألسنتنا عن ثقافة اللعن، والادانة، والتخوين، والاتهام… التي هي معاول الهدم… ونضيء شمعة أخرى.

وسوم :