حلبجة.. المدينة طمرت بالكيمياوي خلال دقائق

الذكرى الـ33 للهجوم الكيميائي على مدينة حلبجة التي تحل في 16 آذار/مارس من كل عام، ليست فقط مناسبة لتجديد آلام الناجين واحياء ذكرى الشهداء، وانما أيضا وربما الاهم بالنسبة الى الكورد والبشرية عامة، استعادة الجريمة التي حاول العالم إنكارها، لتكون أمثولة تؤرق الانسانية، تماما مثلما أصبحت هيروشيما التي ضربت نوويا قبل أكثر من 70 عاماً.

وهي مناسبة مؤلمة بلا شك منذ أن نفذ طيران نظام صدام حسين الهجوم الجوي المباغت على المدينة وقتل خلال دقائق أكثر من خمسة الاف انسان بسلاح كيميائي اصاب أيضا نحو عشرة الاف آخرين وظل كثيرون يعانون حتى يومنا هذا من آثاره الصحية والنفسية، ومن ولادات مشوهة.

تضليل وإنكار

ونفذ الهجوم بأوامر من صدام حسين نفسه كما أكدت التقارير والوثائق الرسمية التي كشفت لاحقا مع انهيار النظام في العام 2003، واشرف عليه وزير الدفاع الاسبق علي حسن المجيد الذي صار يعرف باسم “علي الكيماوي” او “علي حسن المبيد” نسبة الى جريمته التي شكلت “ابادة” موصوفة بحسب القانون الدولي اذا استهدف فئة عرقية محددة بهدف القضاء عليها.

وتشكل الذكرى مناسبة لاستعادة تسليط الضوء على المأساة التي جرت محاولات لتغييبها عن الحقيقة والاضواء، وهي محاولات أقدم عليها بطبيعة الحال نظام صدام حسين نفسه بخليط من المبادرات كانكار حدوثها، او التقليل من شأنها، او اتهام ايران بتنفيذها، لكن المحاولات المفجعة أكثر ان الاميركيين شاركوا فيها، بالنظر الى روابط المصالح التي أنشأتها ادارة رونالد ريغان وقتها مع صدام حسين، فحاولت التغطية على جريمته التي جرت في المراحل الاخيرة من الحرب العراقية مع إيران.

ولهذا جرت محاولات عديدة من اجل تثبيت الوقائع وحقائق الأحداث مثلما جرت في ذلك اليوم المشؤوم في 16 آذار/مارس 1988، من جانب العديد من الباحثين والمحققين والمؤسسات الحقوقية والابحاث، مثلما فعلت مثلا مجموعة الأزمات الدولية الخاصة للابحاث، بعد الجريمة المروعة بسنوات، وتحديدا في العام 2008 وروت تسلسل الأحداث قبل ذلك اليوم.

كيف بدأ القصف؟

وذكرت مجموعة الأزمات في تقرير نشرته انه في العام 1988 كان الحرب العراقية-الايرانية تتجه نحو نهايتها بعد ثمانية اعوام من الاقتتال الدموي لكن في 14 اذار/مارس توغلت قوة من الحرس الثوري الإيراني وقوات البيشمركة بشكل مباغت في مناطق كوردستان، ومن بينها حلبجة وناحية خورمال بالاضافة الى مخيمات للنازحين الكورد الذين تشردوا بسبب ما عرف باسم “حملة الأنفال” الوحشية التي قادها علي حسن المجيد في الشهور السابقة.

وفاجأت قوات البيشمركة وحدات جيش صدام المتمركزة في المنطقة ما أجبرها على الفرار وقتل كثيرين غرقا اثناء الهروب وتم أسر أعداد كبيرة منهم، وقامت البيشمركة باعادة سيطرتها على حلبجة والمناطق المحيطة بها لتأمينها عسكريا.

وفي 15 آذار/مارس، كانت حلبجة بأكلمها محررة بأيدي البيشمركة، بحسب ما يستذكر أهل المدينة ذلك اليوم وقد احتفلوا بتخلص من وحشية قوات صدام الامنية والعسكرية، لكنهم ايضا كانوا متوجسين بالنظر الى خبرتهم ومعرفتهم بأساليب النظام القاسية، فقبل ذلك بنحو عام كانت قوات النظام قد سحقت أحد احياء حلبجة بالكامل بعد اندلاع تظاهرة احتجاج منددة بحملة التدمير القائمة في إطار عملية الانفال.

انتقام صدام

وتحققت هواجسهم. ففي 16 اذار/مارس، شن الطيران الحربي ضربات جوية كيميائية على حلبجة وخورمال. ولم يعرف رقم دقيق للضحايا ذلك ان الناجين من المدنيين وبمساعدة من البيشمركة كانوا يدفنون الضحايا بمقابر جماعية. لكن بشكل عام، اشارت المعلومات الى مقتل 5 الاف شخص، غالبيتهم من غاز الاعصاب، وغالبيتهم كانت من المدنيين.

وبحسب “مجموعة الأزمات” فإن الهجوم الصدامي على حلبجة اثر كثيرا بمعنويات الكورد وانتشر خبر الهجوم الكيميائي سريعا في انحاء كوردستان، واستغل صدام حسين ذلك بشن حملة عسكرية ممنهجة لم يكن هدفها فقط اقتلاع البيشمركة من المنطقة، وانما ايضا طرد اهلها المدنيين بتشريدهم، وذلك بهدف التخلص تماما من اضطراره للتعامل مع “تمرد” في كوردستان مرة أخرى.

وحتى اليوم، ما زالت حملة الأنفال وجريمة حلبجة يحيط بهما التعتيم خارج كوردستان وهي ملاحظة كانت سجلتها منظمة “هيومان رايتس ووتش” في العام 1993، اي بعد مرور خمسة أعوام على الهجوم الكيميائي. وكان الإقليم شبه مغلق امام العالم الخارجي في ذلك الوقت، ولم يتمكن الكورد من مشاركة معاناتهم وقصص هذه المأساة مع آخرين. وتشير الاحداث لاحقا الى ان العديد من الكورد نزحوا باتجاه الاراضي الايرانية وعولجوا هناك، وبينهم العديد من الاطفال، وهناك العديد منهم أكملوا حياتهم ودراستهم فيها.

موقف امريكا

وأشارت “مجموعة الازمات” الى ان “الدعاية العراقية، المدعومة من حليفتها الولايات المتحدة، أما نفت ما جرى او قللت من خطورة هذه الاحداث، او حرفت الحقائق”. واضافت انه بعد أسبوع على هجوم حلبجة، أعلنت وزارة الخارجية الاميركية، مستندة على معلومات قدمتها وكالة الاستخبارات العسكرية، ان ايران استخدمت أيضا غازات قاتلة في حلبجة، وتسببت هذه المعلومة في خلق ما يكفي من التشوش لدرجة ان مجلس الامن الدولي في نيويورك، اضطر إلى تأجيل اصدرا قرار حول حلبجة لفترة استمرت لشهرين، ثم عندما اصدر القرار فإنه قام بإدانة “الطرفين” العراقي والايراني سوية بتهمة استخدامهما اسلحة كيميائية.

وجرت محاولات لاحقة من جانب الاميركيين من اجل تعزيز معلومات الاستخبارات العسكرية الاميركية هذه، من بينها تلك التي قام بها بعد ذلك بعامين المحلل التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي ايه) ستيفين بيليتري الذي عاد، مستخدماً المعلومة نفسها، ليقول إن غالبية ضحايا حلبجة قتلوا بغازات استخدمتها إيران. وروج بيليتري ادعاءاته هذه في العديد من المناسبات لاحقا، لكن بحسب “مجموعة الازمات” فانه لم يقدم أي دليل يدعم هذه النظرية.

مفارقات المجزرة

ومهما يكن، فإن العديد من الخبراء والباحثين ومنظمات دولية من بينها هيئات تابعة للأمم المتحدة، خلصت من جهتها الى نظام صدام حسين كان المسؤول المباشر عن الهجوم الكيميائي، فيما ما تزال معاناة الناجين من المجزرة الكيميائية يعانون حتى يومناً هذا بما في ذلك من أمراض السرطان ومشاكل التنفس والرئة والولادات المشوهة.

جانب لافت من أحداث تلك المرحلة يتمثل ايضا في ان وسائل اعلام ايرانية كانت أول من نشر صور من المجزرة حيث تواجد صحافي إيراني يدعى جوليستان كاوه على بعد نحو ثمانية كيلومترات من حلبجة عندما رصد الطائرات العراقية من طراز “ميغ 23” تقصف المدينة بقنابل الغاز الكيميائي، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الفايننشال تايمز” وقتها، وقال “لم تكن سحابة فطر (مشروم) كبيرة مثل سحابة القنبلة النووية، ولكن سحابات متعددة من الدخان الكثيف وأصغر حجماً”. وتابع انه صدم بالمشاهد عند وصوله إلى حلبجة، رغم أنه شهد هجمات مشابهة عندما كان صدام حسين يقصف المدن الايرانية بالأسلحة الكيميائية خلال الحرب.

ومن المفارقات العراقية، ان صدام حسين لم يحاكم ويتم اعدامه في العام 2006 بسبب جريمة حلبجة او حملة الانفال، وانما بسبب ما عرف بقضية الدجيل. أما حلبجة، فإنها ما زالت في الوجدان الكوردي تحمل صفة المدينة الشهيدة حتى الآن.

في تقرير آخر لـ”مجموعة الأزمات الدولية” في العام 2002، تحت عنوان “تسليح صدام: دور العلاقات اليوغوسلافية” تخلص الدراسة إلى أن “الموافقة الضمنية” للعديد من حكومات العالم هي التي أدت أن يتسلح النظام العراقي بأسلحة الدمار الشامل”.

وسوم :