الإسلام دين السماحة..والنبي محمد مبعوث الرحمة والإنسانية / 6

بقلم : عبود مزهر الكرخي

ولو رجعنا الى صاحب رسول الله(ص) ووصيه وأبن عمه وأخيه وكان خير تلميذ له وتشرَّب من الرسالة المحمدية وكان خير مترجم لها هو أمير المؤمنين والذي كان القرآن الناطق بعد النبي محمد(ص) وكان الوصي والخليفة والهادي بعد المنذر والبشير نبينا الاكرم محمد(ص) وهو الأمام علي بن أبي طالب وهذا ماصرح به القرآن الكريم بقوله {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(1).
وقد ذكر ذلك أمير المؤمنين في الخطبة القاصعة حيث يقول : { ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما.
أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه }(2).
تأدب عليّ بن أبي طالب بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب، فقد روي عنه عليه السلام: (أنَّ رسول الله (ص)، كان إذا بعث جيشاً أو سرية، أوصى صاحبها بتقوى الله في خاصة نفسه، ومن معه من المسلمين خيراً، وقال: اغزوا بسم الله وفي سبيل الله ـ إلى أن قال ـ ولا تقتلوا وليداً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة ولا تمثلوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا )(3).
وقد سار أمير المؤمنين(ع) على هذا النهج الخالد وعلى هذه النظرية الإلهية وقد ترجم الرسالة المحمدية وطبقها امثل تطبيق على صعيد الواقع. ومن بينها معاملة الأسرى وكان يدعو أولاده وأصحابه إلى صيانة وحقوق الأسير وعمل على ذلك ولاسيما حقوق الأسير وسلامته الشخصية من أي خطر أو القيام بعمل انتقامي، فكان الإمام (عليه السلام) يقول للأسير الذي تم اسره: { لن اقتلك صبراً اني اخاف الله رب العالمين } ، وكان يأخذ سلاحه ويحلفه ان لا يقاتله ويعطيه اربعة دراهم”(4)، ” ونلاحظ أن أمير المؤمنين وهو باب مدينة العلم والحكمة قد عمل على إنشاء ما نسميه اليوم محكمة لمقاضاة القتلة ومجرمي الحرب من الأسرى وحتى أن كان من المسلمين البغاة، وان هذا الاجراء لا يقصد به اهانة الاسير مطلقاً بل معاقبة المجرم على نحو يعطي الرد والردع المناسبين لمن يستهين بحقوق الانسان وحياته، وكما اكد الامام علي (عليه السلام) في منهجه ان مسألة رعاية الاسير من حقوقه الاساسية في القرآن الكريم والشريعة الاسلامية طوال مدة مكوثه في الأسر إذ يقول (عليه السلام) : { اطعام الاسير والاحسان اليه حق واجب وان قتلته من الغد }(5).
انطلاقا من ذلك اوصى أولاده بالاهتمام بأسيرهم ” عبد الرحمن ابن ملجم” سيراً منه على المنهجية القرآنية إذ قال (عليه السلام): ” انه أسير فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه”، وكذلك اوصى(عليه السلام) بعدما ضربه ابن ملجم :” احبسوا هذا الأسير واطعموه، وأحسنوا اساره، فإن عشت فأنا اولى بما صنع بي: ان شئت استقدت، وان شئت عفوت، وان شئت صالحت، وان مت فذلك اليكم، فان بدا لكم ان تقتلوه فلا تمثلوا به” ، ثم التفت (عليه السلام) الى ولده الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) وهو على فراش الشهادة قائلا: ” أرفق يا ولدي بأسيرك وارحمه، وأحسن إليه وأشفق عليه، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أم رأسه، وقلبه يرجف خوفاً ورعباً وفزعاً” ، فقال له الامام الحسن (عليه السلام):” يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به؟ فقال له: نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على الذنب إلينا إلا كرما وعفوا، والرحمة والشفقة من شيمتنا لا من شيمته، بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله، واسقه مما تشرب، ولا تقيد له قدما، ولا تغل له يدا، فإن أنامت فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة .. ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن أنا عشت فأنا أولى بالعفو عنه، وأنا أعلم بما أفعل به، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلا عفوا وكرما”(6).
” بالإضافة الى ذلك فقد اهتم أمير المؤمنين بالجانب الروحي والفكري للأسير حيث ورد عنه (عليه السلام) كان يعرض على الاسير البيعة والدخول في الطاعة فأن بايع خلى سبيله واصبح حراً ، وإن ابى البيعة اخذ سلاحه ويحلفه أن الا يعود للقتال ويطلقه، يمكن القول كان هدف من هذا الاسلوب الذي اتبعه امير المؤمنين (عليه السلام) هو رفع الضلالة عن فكر الاسير ، إذا ما وجدت عقولاً واعية وروحاً صاغية يمكن أن تسهم في صياغة انسان جديد لذا لا يوجد داعٍ او مسوغ لمكوثه في الأسر فيطلق سراحه بعد ان زال خطره.
نستنتج من ذلك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعد تجسيداً حياً للشريعة المحمدية برافديها القرآن الكريم والسنة المطهرة فضلا عن ذلك ابداعه في تطبيق النص على أرض الواقع ولاسيما في مجال حقوق الأسير حيث شملت رؤيته مساحة واسعة من تلك الحقوق دعا إليها وجسدها في ميدان التطبيق العملي “(7). وهذه الحقوق هي موجودة الآن في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف بشأن الأسرى وكل المواثيق الدولية بمعاملة الأسرى والتي كان أمير المؤمنين هو السابق في هذا بأكثر من 1400 سنة وليبين عظمة ديننا الحنيف ومدى سماحته ونظرته الإنسانية لهذا الأمر وكل الأمور التي تخص مناحي الحياة.
وسنكمل في جزئنا المقبل إن شاء الله الشمائل العلوية لأمير المؤمنين(عليه السلام)والتي مستوحاة من الشمائل المحمدية الإنسانية السامية بكل معنى الكلمة من رقي وعظمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ [الرعد : 7].
2 ـ خطبة أمير المؤمنين المسماة(الخطبة القاصعة) .المصدر : نهج البلاغة وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام سيدنا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام شرح الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبدة مفتي الديار المصرية سابقا الجزء الثاني ص 157. الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان. منشورات المكتبة الشيعية.
3 ـ مستدرك النوري الطبرسي (باب آداب أمراء السرايا وأصحابهم) ـ المصدر السابق ـ ج 11 ص 39 رقم الحديث 12379 .
4 ـ محمد الريشهري ، ميزان الحكمة (قم: دار الحديث ،1422)، ج3 ، ص2500 .
5 ـ محمد بن الحسين الحر العاملي ، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، (قم : مط: مهر، 1414 هـ) ، ج11 ، ص69.
6 ـ محمد باقر بن محمد تقي المجلسي ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، (بيروت :مطبعة مؤسسة الوفاء ، 1403هـ) ج ٤٢ ، ص287-288 .
7 ـ من مقالة بعنوان(رعاية الأسير في منهج امير المؤمنين علي ابن ابي طالب). موقع العتبة الحسينية المقدسة. باب نفحات إسلامية منشورة بتاريخ 14 / 5 / 2020.

وسوم :