حوار الطرشان

حميد الكفائي

لا يتردد القادة السياسيون في العراق في إطلاق دعوات (الحوار الوطني) في كل مرة تشتد عليهم وطأة الضغوط الشعبية، ولكن دون تحديد القضايا والأسس التي يقوم عليها مثل هذا الحوار، ولا الأهداف والنتائج المتوخاة منه، ناهيك عن المواضيع التفصيلية التي يتناولها والأطراف المشاركة فيه، وهل هي سياسية أم دينية أم اجتماعية أم مناطقية أما طائفية.

في الدول الديمقراطية، يجري الحوار بين الناس عبر المؤسسات المتخصصة والجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والمؤتمرات السياسية والحملات الانتخابية واللقاءات الجماهيرية المفتوحة، التي تُطرح فيها المشاكل والبرامج السياسية والاقتصادية، والآراء المختلف حولها، ويشارك في هذا الحوار المستمر سياسيون واقتصاديون وأكاديميون ومفكرون وأدباء ومواطنون عاديون، وكلٌ يطرح رأيه وتبريراته، لكن القرار النهائي حول القضايا المطروحة تتخذه غالبية الشعب في صناديق الاقتراع. لم نسمع أن حكومة ديمقراطية دعت خصومها السياسيين إلى الحوار، لأن مثل هذا الحوار لن يقود إلى اتفاق، فالفرقاء متنافسون على السلطة ولن يتفقوا على تسليمها لأحد منهم طوعا، بينما الشعب هو الذي يختار من يراه الأصلح.

نعم الحكومات تتشاور مع قوى المعارضة في الأزمات الوطنية، كالحروب والجوائح والكوارث الطبيعية، لأن هناك حاجة ماسة لموقف وطني موحد، غير أن التوصل إلى قناعات وطنية عامة بخصوص الأمور المهمة، يتعلق بجميع أفراد الشعب، لذلك يجب أن يكون الحوار علنيا وبين الناس عموما، ويقوده الخبراء والمفكرون والسياسيون والصحفيون. القادة يتحاورون مع الجماهير ويحاولون إقناعها بأفكارهم، وقد ينجحون في إقناعهم أو يخفقون، لكن الرأي النهائي حول القضايا المطروحة يتبلور في صناديق الاقتراع.

آخر دعوات الحوار هذه، أطلقها رئيس الوزراء قبل أيام، والتي قال فيها إنه يريد أن يتحاور مع خصومه! دون أن يحدد من هم هؤلاء الخصوم؟ ومتى نشأت هذه الخصومة؟ وما هي أسبابها؟ المعروف أنه جيء به مؤقتا أثناء أزمة وطنية عارمة قُتل وجُرح وخُطف فيها آلاف الناشطين والصحفيين والمثقفين، المعترضين على الفشل والفساد والتبعية ونهب المال العام، على أيدي المليشيات الموالية لإيران، وقد جيء به باعتباره غير سياسي، إذ لم يُعرَف له نشاط سياسي سابق، ويُفترض بأنه من خارج الجماعات السياسية المهيمنة على السلطة، رغم أنه وصل إلى الوظيفة الحكومية عبر إحداها، إذ عيّنه رئيس الوزراء السابق، ورئيس المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية، حيدر العبادي. كما أنه أختير لإدارة المرحلة بعد أن حصل على تأييد ممثلي الجماعات الموالية لإيران، التي رفضت المرشحيْن الآخريْن، عدنان الزرفي ومحمد علاوي. فهل يا ترى أصبحت القوى التي جاءت به إلى السلطة مخاصمة له؟ وكيف حصل ذلك؟

الحديث عن ضرورة (الحوار) ليس جديدا، ففي الحكومة الأولى التي شكلها نوري المالكي عام 2006 أُنشئت وزارة باسم “وزارة الحوار الوطني”، لكنها ظلت تتخبط طوال حياتها القصيرة، وكل الذي فعلته تلك الوزارة، التي تولى إدارتها أحد أعضاء الجماعات الشيعية الموالية لإيران، هو عقد مؤتمرات خطابية، تدعى لها شخصيات سياسية ودينية وأكاديمية، معظمها موالٍ للنظام الحاكم، وكان أحدها قد عُقِد في لندن عام 2006، وقد دُعي كاتب السطور للمشاركة فيه بورقة عن الإعلام الحر في المجتمعات الديمقراطية. وعادة ما تنتهي تلك المؤتمرات، التي أغدقت عليها الدولة العراقية أموالا طائلة، بإصدار بيان ختامي يقرأه أحد المشاركين ثم يرفع المشاركون أيديهم عاليا، أخوةً متكاتفين متحابين في الله والوطن، على أمل اللقاء في مؤتمر آخر، ليكرروا الكلام المعسول نفسه، ويرفعوا أيديهم بالدعاء أن يحمي الله العراق!

وبعد عامين على نشاط تلك الوزارة، كُلِّف وزيرُها بإدارة وزارة أخرى، هي أقرب إلى الأشجار منها إلى الحوار، وبذلك انتهى الحوار، ولم تنتعش الأشجار! وقد أوكل عمل (المصالحة الوطنية) إلى شخصية تنتمي إلى الحزب الحاكم، فأصبحت المصالحة ونشاطاتها سرا من أسرار الحزب والدولة العميقة (أو العقيمة كما يصفها كتاب جديد)، ثم انتهت كليا مع بدء الولاية الثانية لـ”مختار العصر”، ولكن دون الإعلان عن موتها.

سبب فشل (الحوار الوطني) أو (المصالحة الوطنية) في العراق هو أنه يجري بين سياسيين لا يمثلون أحدا من العراقيين عدا أنفسهم، ولا يثقون بأحد، ولا حتى ببعضهم بعضا، بل يسعون جاهدين لإضعاف بعضهم بعضا، والاستحواذ على المزيد من المكاسب على حساب الشعب أولا، وخصومهم ثانيا. مثل هذا الحوار محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ، وهو إن (نجح) فإن نجاحه سيكون لصالح المتحاورين فحسب. الحوار المباشر (أو المفاوضات) في العادة يجري بين ممثلي الجهات المتحاربة من أجل وضع أسس جديدة للتعايش الذي انهار بسبب غياب التفاهم، وربما هذا هو الذي يحصل في العراق، فهذه الجماعات متحاربة فيما بينها على المكاسب، وهي تجلس أحيانا كي تتحاور حول كيفية إدارة خصوماتها البينية، لكن خصمها الأول يبقى الشعب العراقي والدولة العراقية.

في جنوب أفريقيا جرت مصالحة وطنية، لكنها لم تجرِ بين السياسيين المتنافسين، بل بين نظامين اجتماعيين وسياسيين وثقافيين مختلفين، نظام سابق مهزوم، وآخر جديد منتصر، وقد أدارتها بجدارة مؤسسة متخصصة محايدة، هدفها تضميد جراح الماضي والانطلاق نحو مستقبل أفضل. تضمنت عملية المصالحة اعتراف قادة النظام القديم بالتجاوزات التي مارسوها ضد أبناء الشعب، فعوقب البعض منهم على الجرائم التي ارتكبوها تعسفا ودون أوامر وتبريرات قانونية، بينما اكتفت المؤسسة التي أدارت العملية بحيادية تامة، بأن يقدِّم الذين نفذوا أوامر رؤسائهم ولم يتعسفوا في تطبيقها، اعتذارا للضحايا عما صدر منهم من إساءة.

تجربة جنوب إفريقيا تجربة ناجحة لكن مثل هذه التجربة لم تجرِ في العراق بسبب إصرار جماعات الإسلام السياسي على العداء لكل من شارك في النظام السابق، حتى لو كان خبيرا أو مهنيا وبدرجة إدارية دنيا، والثأر منه، سواء عبر قتله أو حرمانه من العمل أو الراتب التقاعدي، لذلك شهد البلد اغتيالات واسعة لعلمائه وأكاديمييه وخبرائه وضباطه وطياريه وأطبائه ومهندسيه، لم يشهد لها مثيل في التأريخ الحديث. لو كان هناك حرص عند هذه الجماعات البدائية على مستقبل الدولة، لكانت قد فتحت صفحة جديدة مبنية على التسامح، والقبول بالآخر، والعمل الجاد لإصلاح البلد ووضعه على السكة الصحيحة، بدلا من الانغماس في الثأر وتصحيح التأريخ، وجلب الأتباع والأقارب ووضعهم في مواقع هم ليسوا أهلا لها.

العكس حصل في إقليم كردستان، الذي أجرى مصالحة ناجحة بين فئات الشعب الكردي، وقد أصدرت حكومة الإقليم عفوا شمل جميع الذي عملوا مع النظام السابق، فعادوا إلى وظائفهم وأعمالهم وساهموا في تطوير الإقليم واستقراره، بل إن بعضهم شارك في الحكومة أو مثَّل الإقليم في البرلمان الاتحادي والأسماء يعرفها العراقيون.

هناك غياب تام للمشتركات بين القوى السياسية العراقية، فالجماعات الدينية الشيعية تؤمن بولاية الفقيه العابرة للحدود الوطنية، وهذه الفكرة تعني ابتداء الطعن بسيادة العراق كدولة مستقلة تتمتع بإرادة حرة تحتمها مصالح شعبها، وتعني أيضا إلغاءً للديمقراطية، فإن كان الحاكم بأمر الله، الذي لا يُعصى له أمر، هو الفقيه، فما هي جدوى إجراء الانتخابات، إن كان القادة المنتخبون غير قادرين على مخالفة أوامره وتوجيهاته؟

ثم أن هذا الفقيه، الآمر الناهي، الذي هو “أَوْلى بالمسلمين من أنفسهم”، ليس بالضرورة فقيها ضليعا في الشؤون السياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية، وهذه هي مشكلة إيران منذ عام 1979، فلم تستطع أن تعيش في العالم المعاصر بسلام، لأن نظامها الثيوقراطي ينتمي إلى عصور خلت، ولم تعد قادرة على العيش في عالم اليوم، وسوف تبقى تعاني حتى يتغير نظامها، أو يتعايش مع البلدان الأخرى، وينسجم مع المجتمع الدولي. لكن الأخطر بالنسبة للعراق هو أن هذا الولي الفقيه، الذي تواليه جماعات مسلحة عراقية، هو عين الفقيه الإيراني، أي “دولتان بقائد واحد” كما يردد أتباعه في العراق دون حياء، وهذا يعني ربط العراق بالنظام الإيراني الذي يعاني العزلة ويعيش في أزمة خانقة، داخلية وخارجية.

أيُّ حوار يمكن أن حصل بين جماعات لا يوجد بينها وبين الشعب الذي تحكمه بالدجل والخداع والكواتم، مشتركٌ واحد، يمكن الانطلاق منه للاتفاق على مشتركات أخرى؟ فإن كانت سيادة الدولة مختلَفا عليها، والنظام السياسي (الديمقراطي) مختلَفا عليه، والعلاقات الإقليمية والدولية مختلَفا عليها، والاقتصاد مختلَفا على إدارته، والحريات العامة والخاصة مختلَفا عليها، بينما الأمن غائب والفساد سائد والمليشيات ترهب الأحرار وتقتلهم وتخطفهم وتبتزهم، كيف يمكن أن يكون الحوار؟ وماذا ستكون نتائجه؟ قوى الشعب العراقي الحرة لها مفهوم وطني عصري للدولة الوطنية، وهذا المفهوم يناقض ما تؤمن به الجماعات الحاكمة.

غالبية الشعب تريد دولة عصرية ديمقراطية ذات سيادة، تكون فيها الحريات الشخصية والعامة مكفولة ومقدسة، ويكون العراق فيها حرا ومنفتحا على باقي دول العالم، ويقودها سياسيون أكْفاء وخبراء متمرسون، وتكون غير تابعة أو خادمة لدولة أخرى، أو متأثرة بها، بينما الجماعات الحاكمة لا تؤمن بكل هذا، والأخطر أنها تُظهِر غير ما تبطِن، فهي تقتل الناشطين والصحفيين والمثقفين والأكاديمين وتدعي أن “طرفا ثالثا” هو من يمارس القتل، بينما تنشغل جيوشها الألكترونية وأبواقها الممولة من سرقة المال العام، بتسقيط كل من يخالفها، بمن فيهم المغدورون والمخطوفون.

الحوار غير ممكن يا سيادة الرئيس مع جماعاتٍ متمرسة في القتل والدجل والخداع والنهب، جماعاتٍ توالي دولة أخرى تعادي العراق، وتسعى للاستيلاء عليه، وتسخيره لمصلحة نظامها. إن دعوتك للحوار تبدو لكثيرين محاولة منك لأن تصبح رقما بين الأرقام السياسية، علما أنك جديد على السياسة ولا يمكنك أن تتغلب على أصدقائك السابقين و(خصومك) الحاليين المتمرسين. وإلا ما هي أسس هذا الحوار الذي تنشده؟ ولماذا لا تسعى إلى تقوية مؤسسات الدولة وضرب الجماعات المسلحة الخارجة على القانون، كي يستتب الأمن وتستقر الدولة ويزدهر الاقتصاد، ثم تترك الخيار للشعب العراقي بدلا من أن تدخل في حوار مع جماعات أصبحت منبوذة، عراقيا وإقليميا ودوليا؟ ما الذي ستحقِّقه من هذا الحوار، غير أن يعترف بك الآخرون كلاعب بين عشرات اللاعبين، لتبقى في مساحة ضيقة ضمن الجماعات الأخرى؟ هل هذا هو طموحك لمستقبل العراق؟

وسوم :