الوطنية والمواطنة في الفكر السياسي الشيعي .

محمد حسن الساعدي

لقد عانى الشيعة في عموم العالم كثيراً بسبب الانتماء المذهبي تارة ،والولاء تارة أخرى، فالحكام دائماً ما يتهمون هذه الفرقة الإسلامية بالانتماء لغير الوطن والولاء،فمنهم من يرى الشيعة أنهم غير مؤهلين ليكونوا مسلمين ، ومنهم من يكفرهم ويقتلهم ويعمل على تهجيرهم، وهذا كله بسبب الانتماء، إلى جانب الاتهامات المباشرة أنهم عملاء للدول الأخرى وتحديداً إيران ، حيث يتهمها العالم العربي والغربي بأنهم يعملون على تصدير الثورة والمذهب إلى العالم، وهذا الأمر بحد ذاته يعد اتهاماً يحتاج إلى دليل، لان إيران كدولة حجمها بحجم قارة لا تحتاج إلى تصدير فكرها أو عقائدها إلى العالم،خصوصاً وإذا علمنا أنهم شعباً حديث العهد بالانتماء للتشيع، ولكنهم في نفس الوقت كانوا شعباً موحداً عبروا كل المفاهيم الطائفية والعقائدية .

لقد شكلت الهوية الوطنية والمواطنة عنواناً مهماً في الفكر السياسي الشيعي، كونها كانت مدخل لكثير من الأزمات متعددة الأسباب والمصادر، لذلك يبقى صعوبة تفكيك المفهومين نظراً إلى تداخلهما وتمايزهما في الوقت نفسه، وعلى الرغم من أنَّ الوطنية والمواطنة أصلهما اللغوي واحد من “الوطن”، ولكنهما يختلفان من حيث الاصطلاح، فالوطنية مفهوم ذو مضمون عاطفيّ يرتبط بوجود الناس في وطنهم وبمشاعر الحبّ والإخلاص والانتماء إلى الأرض والجماعة (الوطن)، إلى جانب الاستعداد للتضحية من أجله، والمواطنة مفهوم ذو مضمون قانوني يرتبط بمفاهيم الجنسية والمسؤولية والالتزام بقوانين الدولة، ويُقاس بمدى الالتزام بالواجبات والحقوق القانونية.

الشيعة في العراق الذين يمثلون الأغلبية فيه، واجهوا نفس التهم وهي الانتماء للغير وضعف الولاء الوطني، وعلى الرغم من قوة الضربات التي وجهت إلى التشيع في العراق ، إلا انه ظل صامداً أمام هذه القسوة من حكام الجور والطغيان الذين تسلطوا على رقاب العراقيين لأكثر من ثلاثة عقود،وبعد السقوط أعلنوا بكل صراحة رفض وجود الأجنبي على أراضيهم،وصدرت بذلك عشرات من الفتاوى من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف والتي تحرم التعامل مع الجيش الأمريكي ، بل أي وجود أجنبي ويجب تحديد جدول زمني لمغادرة هذه القوات الأراضي العراقي ، وظلت تقاوم بالكلمة والتصريح لكثير من المواقف في البلاد،وآخرها فتوى الجهاد الكفائي والتي تجاوزت فيها المرجعية الدينية العليا كل المفاهيم العقائدية ليعلو صوت الوطن ويكون هو المحرك لكل الطاقات بغض النظر عن الانتماء لإعلان تحرير الأرض والعرض من المجاميع الإرهابية “داعش” وغيرها التي عبثت بأمن المواطن في الانبار وصلاح الدين والموصل وديالى، حتى تحرير كامل المدن على يد القوات الأمنية ورجال الحشد الشعبي والذين كانوا أبناء الوطن من الجنوب والوسط .

لقد عبر الشيعة في العراق عن انتمائهم وولائهم المطلق لوطنهم في الكثير من المواقف،لا بالشعارات والأحاديث الجانبية، بل من خلال التضحيات الكبيرة في دفاعهم الأكبر عن وطنهم ضد تنظيمات داعش، كما أنهم قدموا نموذج رائع في عكس الوحدة الوطنية في الكثير من المواقف السلبية ،فبلوا نظرية الاستدعاء لهم بتقديمهم نموذج رائع في المواطنة الصحيحة، وسلوك أبوي تجاه باقي المكونات والقوميات ، لذلك الناظر من فوق يجد ان العراق سيعيش قريباً بألوانه المتعددة مزدهراً يدفع ويدافع عن أرضه ووطنه مهما كانت التضحيات .

وسوم :