الكاظمي وذي قار ينتصران ..

بغداد- العراق اليوم:

فالح حسون الدراجي

افتتاحية جريدة الحقيقة

بعد سباق ماراثوني، قد يكون أطول وأشد مرارة من ماراثون أثينا الشهير، الذي جرى على بُعد بضعة أميال من مدينة أثينا اليونانية قبل حوالي 2500 سنة، انتهى أمس (الثلاثاء) ماراثون استبدال محافظ ذي قار السابق ناظم الوائلي (المرفوض شعبياً)، والذي أقاله رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في مساء 26 شباط الماضي، استجابة لمطالب جماهير ذي قار، واحتجاجات الشباب المتظاهرين، بالمحافظ الجديد أحمد الخفاجي، الذي صادق عليه مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة أمس برئاسة مصطفى الكاظمي.

ربما يستغرب من يقرأ مقالي، من لغة التفخيم المكتوبة بها مقدمة المقال، لاسيما القارئ غير العراقي، أو القارئ العراقي الذي لم يكن متابعاً لما حدث في ذي قار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، ولم يعرف ماذا جرى في الناصرية من تظاهرات واحتجاجات وأحداث عنيفة، ومن دماء أريقت في ساحة الحبوبي، وأي اطارات أحرقت في شوارع الناصرية، وكم يوم أغلقت فيه جسور النصر والحضارات والزيتونة، وأية دوائر ومؤسسات ومقرات ومكاتب وشركات أحرقت، أو أغلقت بقوة الإحتجاج، وكم من المصالح تعطلت في ذي قار، وكم من مسؤولي الجيش والأجهزة الأمنية في مدينة الناصرية اعتقلوا لارتكابهم أعمالا وحشية ضد المتظاهرين، وكم من مسؤول عسكري أو إداري تمت معاقبته ادارياً وتخفيض موقعه الى مواقع ومستويات أدنى، أو تم نقله الى مواقع أخرى لعدم أدائه واجبه بشكل صحيح في المحافظة على سلامة وأمن المحتجين؟

لا نريد هنا أن نُنكِئَ الجراح، ولا نريد أن نستذكر مواجع الأيام التي مضت، لكننا نشير الى نقطتين يجب ذكرهما :

الأولى: أن لا حقوق تستحصل بدون تضحيات، والتضحيات لن تدفع من قبل جهة معينة دون أخرى، إنما سيدفعها كل من كان أو يكون في الصورة، وقد يكون الضحية شخصاً لا علاقة له بالمحافظ القديم، أو الجديد، ولا يعرف من يتظاهر، ولا على من يتظاهر المتظاهرون، لكن حظه العائر، رمى به الى هذا الميدان الملتهب دون علمه، فقطفت رصاصة طائشة رأسه، ومضى بحياته الى نهايتها، وصعدت روحه الى بارئها، وهو جاهل بما حدث له، وبكل ما يحدث في مدينة الناصرية.. وقصدي من هذا، أن ليس كل من ضحى في التظاهرات كان قادماً لأداء التضحية، ولا كل من سَلِم رأسه في لهب الاحتجاجات، كان عالماً بنجاته، ومتأكداً من أنه لن يموت في واحدة من هذه المواجهات الدامية، لذا فإن التظاهرات والمتظاهرين بريئون مما قد يلحق بالبعض من مآسٍ وآلام وجراح.

لكن أمر التضحيات مطلوب لاستحصال الحقوق، وبدون هذه التضحيات لن يقال الوائلي، ولا يعيَّن الخفاجي، وعليه فإن المتظاهرين في الناصرية أبطال بحق، وبمستوى المهمة الوطنية التي اقتنعوا وتعاهدوا فيما بينهم على تحقيقها ..

ومن طرفي، فأنا (ممنون منهم)، بل وأضرب لهم (سلام مربع) تحية لإيمانهم بقضيتهم، حتى لو اختلفت معهم في بعضها!

أما النقطة الثانية: فهي تسجل لصالح الكاظمي دون غيره.. فالرجل استنشق قبل المواجهة، كمية كبيرة من الأوكسجين الإحتياطي التي تكفي لخوض غمار هذه الجولة الودية والحميمية الماراثونية الطويلة مع المتظاهرين ومطالبهم من جهة، ومع الظروف القاهرة التي تكبل يده وتمنعه من أداء عمله بحرية تامة في هذه المحافظة المدججة بالصعوبات والمفاجآت القاهرة!

ورغم كل ذلك، فالرجل لم يستخدم صلاحياته الدستورية والقانونية المتاحة له ضد أي من المتظاهرين في ذي قار، بما في ذلك المسيئون منهم، ولم يستخدم العقوبة، أو العنف تجاه المحتجين – سواء أكان فعلاً وممارسة أو تهديداً – بل إنه استخدم العقوبات المشددة والعنيفة ضد رجال الأجهزة الأمنية الذين لم يلتزموا بالحفاظ على سلمية الأداء الأمني، وبتعليمات القائد العام للقوات المسلحة التي تنص على عدم استخدام السلاح مهما كان نوعه ضد المتظاهرين، حتى أنه اعتُقل ضباطٌ من الجيش والشرطة والأجهزة الأخرى بسبب ذلك.

لقد كان الكاظمي ( جنتلمان ) بحق، في تعامله مع المتظاهرين، وكان أباً مثالياً في معاملته لهم، بحيث ظل لأكثر من شهر ونصف يتفاوض ويجتمع ويتصل ويبحث عن مخرج آمن وسلمي لهذا المأزق، دون أن يقول لهم (أفٍ).. وثمة من يقول: إن الكاظمي اجتمع على انفراد مع أكثر من خمسين مرشحاً لمنصب محافظ الناصرية، ومع عشرات النواب والسياسيين من أبناء المحافظة، دون أن يحسم الأمر، ويعين محافظاً لا يرضى عنه أهالي ذي قار، وفي طليعتهم شباب التظاهرات..

لذلك، فإن اختيار احمد الخفاجي لمنصب محافظ ذي قار يمثل – معنوياً – نصراً كبيراً للناصرية كمدينة وجماهير، ونصراً للكاظمي وصبره ونفسه الطويل، وهو بالمحصلة النهائية، يمثل نصراً للسلام والديمقراطية في العراق، وانتصاراً لفكرة الإنصات لصوت الشعب..

وسوم :