حتمية عودة الوعي العربي

علي الزعتري
مرير هذا التاريخ والحاضر العربي فما شببنا عليه من حتمية الانتماء لأمة عربية مقاومة للاستعمار بأشكاله وألوان أعلامه ثم عمل عربي واعد يؤسس للرفاه المشترك انتكس علينا بعد استقلال الدول العربية و مرورها بتجارب بناء أوطان من شتى المدارس الفكرية و بكل الأساليب التي توجت نزعتها الفردية  على انتمائها القومي ثم أضعفت العمل العربي المشترك وأخفت الحس القومي عند الشعوب عبر تكريس ممارسات معيشة الضنك عند البعض الغالب و الاستهتار الرفاهي عند البعض الآخر وبالتدريج أعادت الاستعمار قواعد ومعاهدات دفاع من باب السيادة و الدفاع عن الحدود وكأننا وهو ندان متساويان. عشنا نتجرع انقسامات الجسد الواحد ما بين غاز ومغزي وبين مواطن وغريب وانحدرنا في خضم اختلالات العدالة في التوظيف والدخل والمكانة و رأينا صعود الانتهازية و الفساد و التدهور المتعمد للقيم و المبادئ و نزفنا هزائم واحتلال عواصم وحروب أهلية وانهيار أوطان و بروز مآسي إنسانية لا تعد ولا تحصى.  نعم، في ذات الزمان كلنا تقريبا استوعب واستخدم معطيات التعلم والتقدم المصدر مما عددناه في ميزان إنجازاتنا المادية وبعضنا غاص في وحل الفقر والتخلف وكلنا انسلخنا بالقدر نفسه من الشعور والتمتع بالانتماء لوطن كبير تجمعه ميزات المواطنة السامية والعمل المشترك لمصلحة الكل.  بالمقابل، بنى العدو الصهيوني نظرية اثبات وجوده من القرن التاسع عشر ولليوم وانتصر في كل الميادين أمامنا. لا أحد ينكر أعدادنا وإمكانياتنا لكنها كغثاء السيل محيدة ومقيدة ضمن كانتونات أنانية وجلة من ساكنها وجارها ولا تسمح لتعظيم فائدتها للعرب كلهم وفوق كل ذلك باتت تعمل لمصلحة الصهيونية باسم السلام الإبراهيمي الذي نشاهد من مكوناته العربية انفلاته اللاأخلاقي وعمق ضغينته ضد العروبة كل يوم.
إن أبلغ بحث في الصهيونية كتبه الراحل عبد الوهاب المسيري في تحليله المتدرج عبر عدد من الكتب حيث التفصيل الدقيق لأصل الصهيونية وخروجها من رحم الاستعمار. إنها كما يدلل وليدة المستعمر وغايةُ الخبث في الهدف الذي يصيغه منظريها ويطبقه كيانها بدعم من دول الاستعمار. في كتابه “الصهيونية والحضارة الغربية” الصادرعن “دار دوّن” في يناير 2018 يقول إنه ما وجد كيان للصهيونية في فلسطين إلا ترسيخاً للاستعمار المتمدد ببلادنا. بديهي هذا لكنه رغم بداهته وسهولة تشخيصه و لمسه فهو اليوم تقاومه منظومات الاستسلام التي استولدها الاستعمار ثم جاء بالصهيونية وصيرها كيانا ليحرص على ألا تشذ الدول العربية عن خدمة مصالحه حتى و إن رفعت شعارات الاستقلال تورية للعموم من الناس المأخوذين بماديات البقاء على الحياة عن أخذهم لتفتت كينونة وجودهم في عقر دورهم و في انتمائهم العروبي و الديني على حد سواء. والمؤسف هذا الاستمتاع الذي نشهده بين منظري و ممارسي محبة الصهيونية الإبراهيمية.
إنَّ الصهيونية كما يبرهن المسيري فكراً ومؤسسةً لا تحمل حساً إنسانياً ولا يمكن لها، بل هي تبث نزعةً متعالية وسادية تقدس الذات اليهودية المتصهينة وعلو مكانتها على باقي البشر وهي لم و لن تر في العرب وخاصة الفلسطينيين منهم إلا مجموعة من البشر الذين يمكن، بل يجب، التخلص منهم لإحلال اليهود مكانهم. جال مؤسسوها في العالم بحثا عن حاضن فأجمعوا على علاقة طفيلية مع الاستعمار بمنطقتنا وفي فلسطين ليبنوا على إرث ديني هيكلاً سياسياً عنصريا مستعمرا قوامه طرد العرب مسلمين ومسيحيين وبكل الوسائل.  ولا تعجب أن نقول إن الضحية الرئيسية للصهيونية، بالإضافة لنا، هم اليهود لأن الصهيونية وضعتهم كتابعي ديانة كتابية نؤمن بها في موقع الجلاد مما أستدعي العداء ضد من يعتنق الصهيونية ممارسة عنصرية ومن منهم من لا يرفضها و يبتعد عنها. لقد كان أهلنا واليهود جيرانا ومتعاملين بشكل يومي بقبل بدء الصهيونية على شاكلتها العنصرية لكن تحول الجار من صديق لمغتصب غير تماما من النظرة لهم. إن عنصرية الصهيونية مرئية من واقع ممارسات إسرائيل اليومية وتربيتها لجيل وراء جيل من الإسرائيليين المتعصبين ضد العرب بكل قصد وترصد وتصميم. والعالم ليس غافلا عن تلك الممارسات لكنه يختار ألا يتكلم عنها وألا يراها العموم حتى لا يوصم أنه معاد لليهود والسامية وهي التهمة الجلل التي إن تصيب سياسيا أو إعلاميا فستلاحقه بالعقوبات والتشهير وقطع الأرزاق.
و للأسف فإن هناك علاقة متوافقة فاضحة في يوميات السياسة والإعلام في الغرب المؤسس على شرعة حقوق الإنسان والصهيونية المنتهكة لها، طالما كان الضحية عربيا. وحتى عندما ينتصر لنا قانونٌ دوليٌ أو هيئة مستقلةٌ يرفضها الصهيوني وحلفاءه فيتحول القانون حبراً على ورق. هل رأينا جنرالاً أو سياسياً صهيونياً يعاقب أو يجر لمحكمة دولية؟ كلا، وعلى الأغلب لن نرى. هذا لأن أغلب السياسيون في الغرب يعتبرونهم وريثاً مؤتمناً لتركة الاستعمار ويعتمدون عليهم لردع من يجرؤ على رفض الممارسة الاستعمارية المستمرة ولإبقائنا تابعين ومقيدين وخدما للمصلحة الغربية و لأنهم يخشون تهمة معاداة السامية و خسارة المركز و المكتسبات.
ورغم هذا الاستقواء والإرهاب الذي يمارسه علينا الصهيوني وأصدقاءه والذي بمحض ما يعنيه الاستقواء من استصغار كان يجب أن يحثنا على الدوام على رفضه، فإن عرباً تقبله وتبرر له وتخطب وده وتتحالف معه. الرأيٍّ العام العربي بات يُصاغُ علناً بلا خجل لكي يقنعنا ألاَّ ننظر للصهيونية بعداوة، بل بقبولٍ وتقربٍ إن خوفاً أو طمعاً، وسلطان المال العربي يقول لها هاك المزيد من مشاريع واتفاقيات وأحلاف توقع وتمول خلسةً وعلناً، ربما من موقع تذلل عساها تتوسط لرفع عقوبات أو تحميه من اعتداء متخيل أو حتى من موقع طمع في السيطرة على مقدرات الشعوب تماما مثلما يفعل الاستعمار غير أنه هذه المرة يأتي مدعوا من قبلنا لأن البعض من عربنا أصبحوا هم المستعمرون لغيرهم من العرب ويتوقون ليكونوا ندا وعونا لمستعمر مثلهم اسمه الصهيونية.
يصعق الصهيوني هذه الأمة بموجات الموت والاستباحة بلا تردد ولم يختلف في ذلك عن الفكر والممارسة الاستعمارية البريطانية في فلسطين والفرنسية في سوريا والجزائر وتونس ولبنان والإيطالية في ليبيا والأمريكية الحديثة في العراق و سوريا. لا يخجل رئيس الوزراء البريطاني الحالي على سبيل المثال أن يرفض أن يعطي شرعية لقرار ملاحقة الممارسات الصهيونية ضد الفلسطينيين ولا تتردد فرنسا فرض نموذج مضايقة وحصار المسلمين مثلما تفعل الصهيونية جهارا نهارا مع المسلمين في فلسطين.  إن جذور الصهيونية متمددة في الاستعمار نشأة وتطويرا و جذوة اللهب الاستعماري ما خبت بل تشتعل عبر الصهيونية ولذلك فمن يتعامل معها في غير إطار الفهم بأنها هي الاستعمار المضاد للإنسانية فهو مذنبٌ بحق الإنسانية.
لا نستطيع أن نقبل الصهيوني وعلينا اليوم أن نسمي الأشياء على حقيقتها. الصهيونية هي الاستعمار وهي العنصرية حتى و إن تراجعت الدول عن هذا التوصيف في الأمم المتحدة. وعلينا ألا نتراجع أمام هجمات التطبيع و المداهنة مع الصهيونية بل يجب أن نحيي ونعيد و نزرع و ننمي الفكر المقاوم لأنه لم يبق للشعوب المحاطة بخطر الصهيوني وهِؤلاء الهائمون عمىً بحبه إلا بخلق الوعي الصادم بفداحة الماضي الذي لن ننسى و المستقبل المظلم طالما بقيت المؤسسة الرسمية العربية و الدولية عازفةً عن تناول الصهيونية على حقيقتها فالبديل هو حياة العبودية تحتها، حتى لو اعتقدنا أننا أحرار.
كاتب أردني

وسوم :