دروس الرقص اللاتيني وعِبر الحضن المجاني!

حدثان شهدتهما مدينتا السليمانية وأربيل في إقليم كوردستان خلال الأيام القليلة الماضية، أعادا الصراع القديم بين المبادىء الديمقراطية والفكر الديني إلى الواجهة في ذلك الجزء الأكثر نموًا وازدهارًا من باقي أجزاء العراق من حيث التمسك بالحريات والحرص على حقوق الإنسان والمشهود له بالالتزام بمعتقداته الإسلامية، كما ضربا دروسًا وعِبر للمجتمع الكوردي يمكن الاستهداء بها مستقبلًا لتفادي المخاطر المحيطة.
الحدثان وإن كانا يعدان من النشاطات الإنسانية العادية في الدول المتحضرة على الأقل، إلا أنهما كانا كفيلين بخلق جدل كبير وموجة عارمة من ردود الأفعال المعترضة والمؤيدة، ففي الأول أقدم شاب عراقي يدعى باجيتا، وشابة سورية تدعي تيفاني يملكان معهدًا لتعليم الرقص في أربيل على أداء وصلة رقص لاتينية أمام أحد المقاهي في شارع مكتظ وعلى مرأى ومسمع العشرات من المارة الذين اجتمعوا للمشاهدة والتصوير. لتنتشر الفيديوهات فيما بعد على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم ولتشغل معظم الصفحات العامة والخاصة والمواقع الألكترونية وروادها، وفي الليلة التالية تجمع العشرات في الموقع نفسه لإقامة صلاة التراويح الجماعية استنكارًا لأداء الرقصة وردًا على ما اعتبروه ينافي الأعراف الاجتماعية والإسلامية.
وبعد يوم من ذلك وفي الحادث الثاني أقدمت فتات سورية مقيمة في أستراليا تدعى كارولين على إطلاق تحدٍ حاملة لافتة على صدرها كتب عليها بثلاث لغات “حضن مجاني” في مكان عام في أربيل عاصمة الإقليم وقد تجمع عدد من الأشخاص حولها، مستنكرين ما تقوم بها في شهر رمضان ومنعوها من الاستمرار فيه، من دون أن يدركوا أن ما فعلته يدخل ضمن حملة اجتماعية يعانق فيها الغرباء في الأماكن العامة كتصرف لطيف لجعلهم يشعرون بتحسن أو كما أشارت إليه هي فيما بعد في فيديو من أنها قصدت إبراز أربيل كمدينة للسلام والأمان وهي الرسالة التي لم تفهم كما هي ووصلت خطأ إلى الناس وفسّرت على غير مقصدها. وفي الليلة التالية تجمع العشرات في المكان نفسه حاملين لافتة كتب عليها “الجنة مجانًا” بثلاث لغات أيضًا ومقيمين طقوس دينية ومرددين أناشيد إسلامية.
ومن تداعيات هذه المجريات أنها خلقت جدلًا مجتمعيًا سرعان ما دخلت على خطه الأهداف السياسية والخطط الشعبوية مستغلة إياه انتخابيًا ما أدى إلى تشكل مجاميع مؤيدة ورافضة وأخرى بين هذه وتلك، إلا أن الحادثين وقد وضعا أوزارهما لم يكونا خاليين من الدروس والعِبر المستخلصة، إذ:
– فاق تأثير الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص التوقعات من حيث الحجم والسرعة وقد تلمسنا ذلك في المساحة الكبيرة التي احتلها الأخبار والتقارير المكتوبة والمصورة عن الحادثين وكذلك سرعة انتشارها الرهيب التي تخطت جميع الوسائل الإعلامية الأخرى بما فيها الفضائيات ذات الأجهزة المتطورة والكوادر الصحافية المتعددة.
– تأكد الجميع من الأهمية البالغة للإعلام الألكتروني ومواقع التواصل ودورها في المجتمع وأصبحوا يدركون مدى خطورة التعامل معها بغير حكمة وتأني، فهي بصدق سلاح ذو حدين.
– يفتقر الإعلام في العالم الإفتراضي وفي إقليم كوردستان على الأقل إلى ضوابط وقيود قانونية واضحة وصارمة تمنع استخدامها لأهداف غير صحافية كإثارة البلبلة في المجتمع أو الترويج لأفكار متطرفة مضرة.
– هناك فقر مدقع فيما يتعلق بالوعي الإعلامي والإلمام بأوليات العمل الصحافي ذي المصداقية ولا سيما في الإعلام الرقمي، فنسبة الأمية مرتفعة والغالبية العظمى منها هم من مديري ومستخدمي مواقع التواصل.
– تتربص جهات سياسية تعاني من تراجع المؤيدين والمصوتين فرصة سانحة تستغلها لكسب مزيد من الأصوات في الانتخابات القادمة غير آبهة بما ستحل بالمجتمع جراء أفعالها.
– لا تزال مجتمعات العالم الثالث ومنها المجتمع الكوردي غير مستعدة تمامًا لقبول بعض المظاهر المتحضرة التي تتضارب مع عاداتها وتقاليدها الاجتماعية وأعرافها الدينية المتوارثة وبالتالي فهي بحاجة لمزيد من الوقت إذ لا مفر من قبولها.
– دور منظمات المجتمع المدني في مثل هذه الحوادث التي قد تتطور إلى فتنة مجتمعية تأتي على الأخضر واليابس ضعيفة أو تكاد تكون معدومة الأمر الذي يدعو لمراجعة شاملة في قطاعات النشاط المجتمعي المنظم.
– لم يكن صوت المثقفين المعتدلين بعلمانييهم وإسلامييهم مسموعًا في كلا الحادثين وهم الفئة التي لا بد لها أن تتدخل عند استشعار خطر يلم بالمجتمع، بل تحوّل بعض منهم من عامل تهدئة وايجاد الحلول إلى طرف في الجدل بتأييدهم الصريح أحد الجانبين.
– على السلطات السياسية أن تهرع فور وقوع حادث مماثل إلى السيطرة عليه قبل أن يختلط الحابل بالنابل وأن لا تسمح لكل من هبّ ودبّ أن يزيد الطين بلة.
– أصبح مكشوفًا أن الفضاء الإفتراضي هو خير وسيلة لمعرفة اتجاهات الرأي العام وكيفية الاستجابة لمطالبه ولا سيما حين يتعلق الأمر بالمجتمع ككل.
– بات لزامًا على المؤسسات الإعلامية المشهود لها بالمصداقية أن لا تقف متفرجًا عند حدوث حالة كهذه بل يجب عليها أن تحاول بكل ما أوتيت من قوة نزع الفتيل وأن لا تعطي فرصة لمواقع ألكترونية أو صفحات مشبوهة للاصطياد في الماء العكر وتلعب بالنار في سبيل جمع مزيد من الإعجاب والمتابعين.
– لوحظ أن الكثيرين استعانوا بنظرية المؤامرة لتفسير الحادثين معتبرين أنهما ليسا إلا مجرد سيناريوهات تخلقها الأحزاب الحاكمة لشغل الناس عن المشاكل الأساسية وقد تبين أن هذا التوجه لا يكون في محله دومًا.
خفّ الجدل ولكنه لم ينته بعد وقد تكون هناك جولات أخرى منه، ولكن ما يدعو للتفاؤل وجود أصوات حكيمة كمحافظ السليمانية الذي أرجع سبب تلك الظواهر إلى توسع المدن وكبرها داعيًا إلى قبول الجميع باختلافاتهم، وهو ما لاقى استقبالًا كبيرًا.

سوران علي

صحافي من كوردستان العراق

وسوم :