هل فشلت السّياسة الأميركيّة تجاه روسيا؟

 
عندما وصل الرئيس الأميركي جو بايدن إلى سدة البيت الأبيض، قال في خطابه: “الولايات المتحدة الأميركية عادت، وهي مستعدةٌ لقيادة العالم”، بعد سنوات من سياسة “أميركا أولاً” التي طبعت مرحلة سلفه دونالد ترامب.
 لذا، وضع في أولويّة سياسته الخارجية تحجيم النفوذ الروسي وتأثيره في المشهد الدولي، باعتبار روسيا “دولة عدوة”، لأنها تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 2016، عبر تمكين الرئيس السابق دونالد ترامب من الوصول إلى الحكم، فضلاً عن قضية حقوق الإنسان والمعارض الليبرالي ألكسي نافالني وقضية شبه جزيرة القرم.
جعل الرئيس جو بايدن العداء لروسيا ناموس سياسته الخارجية، لكن الغرض الحقيقي من وراء ذلك كان منع روسيا من إنشاء تحالف مستقبلي مع الصين، لأن الأولى بقوتها العسكرية الهائلة، والأخرى بقدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، سيشكلان ثنائياً متكاملاً يقف في وجه الهيمنة الأميركية، ما يضع مصالح الأخيرة في العالم على كف عفريت. لذا، تصور أصحاب القرار في واشنطن أن روسيا هي الحلقةُ الأضعف، ويمكن احتواؤها، نظراً إلى وضعيتها الجيوسياسية الدقيقة.
لذلك، عمد الرئيس الأميركي إلى محاولة إشعال ثوراتٍ ملونةٍ داخل روسيا، عبر دعم وتشجيع ما سمي بـ”منظمات المجتمع المدني” المناهضة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بزعامة أليكسي نافالني، لكن هذا المخطط فشل، لينتقل بايدن إلى الخطة التالية، وهي دفع أوكرانيا إلى التحرش بروسيا، والوصول في التصعيد إلى أقصى درجاته ضد موسكو، مع وعدٍ لسلطات كييف بتقديم مساعداتٍ عسكريةٍ، والوقوف إلى جانبها في حالة حصول اعتداءٍ روسيٍ عليها.
لا شكّ في أنّ موسكو كانت مُدركةً لأبعاد المؤامرة، وكانت تتوقّعها وتتحسّب لها. لذا، تعاملت مع الموقف منذ اللحظة الأولى بهدوءٍ وصرامةٍ، عبر حشد قواتها العسكرية وإجراء مناوراتٍ عسكريةٍ بريةٍ وبحريةٍ وجويةٍ، الهدف منها توجيه رسالةٍ صارمةٍ إلى أميركا بأنها مستعدةٌ لأسوأ الاحتمالات، بما فيها الحرب، ما دفع بايدن إلى التراجع والتعبير عن استعداده لإجراء لقاء قمة مع الرئيس فلاديمير بوتين في دولة ثالثة، فهل هي بداية فشل المخطط الأميركي ضد روسيا؟
في حقيقة الأمر، من السّابق لأوانه الحديث عن فشل أميركيّ تجاه روسيا، لكن ثمة مؤشرات عدة تؤيد هذا الاتجاه، من بينها:
– فشل الولايات المتحدة الأميركيّة في إذكاء الاضطرابات داخل روسيا، رغم الحملات الدعائية الغربية بخصوص قضية تسميم المعارض الروسي الموالي لها ألكسي نافالني، إذ نجحت السّلطات الروسية في تطويق الحركات الاحتجاجيّة – قبل أن تتّسع رقعتها وتعمّ كلّ المدن الروسية – التي قامت بها فعالياتٌ من المجتمع المدني مدعومة من أميركا والدول الأوروبية، في محاولة لإشعال ثورةٍ ملونةٍ قد تطيح بالرئيس فلاديمير بوتين أو على الأقل تقويم سلوكه، في سيناريو مماثل لما حصل في أوكرانيا في العام 2014 وأرمينيا في العام 2018.
– فشل الولايات المتحدة الأميركية في تكوين تحالف أوروبي أميركيٍ قويٍ ضد روسيا على خلفية الأحداث في أوكرانيا، إذ لم يساير الاتحاد الأوروبي واشنطن في سياستها، باستثناء بعض التصريحات الصادرة عن ألمانيا وفرنسا، وكذا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، لكن من دون أن يكون لها أي أثر، باستثناء ردود الفعل غير المؤثرة لبعض دول أوروبا الشرقية التي أشعلت حرباً دبلوماسية مع موسكو.
– تراجع الرئيس جو بايدن عن إرسال سفنٍ حربيةٍ إلى البحر الأسود، بعدما وجّهت موسكو تهديداً شديدَ اللهجةِ إلى أميركا، في حال اقتراب سفنها من المياه الإقليمية في روسيا، زكّاها إغلاق ممر بحر أزوف في وجه الملاحة، ونشر العديد من السفن الحربية الروسية هناك.
– الردّ الروسي الحازم بطرد 10 دبلوماسيين أميركيين، ومنع 8 مسؤولين سابقين وحاليين أميركيين من دخول الأراضي الروسية، رداً على العقوبات التي أقرّتها واشنطن على موسكو.
–   دعوة الرئيس جو بايدن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى لقاء قمة تجمعهما في دولة ثالثة لبحث القضايا الخلافية بين البلدين.
–   الإيحاء إلى الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي بدعوة زعيم الكرملين لعقد مباحثاتٍ ثنائيةٍ في إقليم الدونباس، ولا سيما بعد الزيارة المخيبة التي قام بها إلى أوروبا لاستجداء قبول عضوية بلاده في حلف الناتو، إذ ردت عليه موسكو بأن الحوار يجب أن يكون مع ممثلي جمهورتي الدونباس ودونيتسك أولاً، ثم مع روسيا في موسكو.
من هنا، يتّضح أنّ السيناريوهات التي وضعها أصحاب القرار في واشنطن في ما يخص طريقة التعامل مع روسيا بُنيت على حساباتٍ خاطئةٍ. ويبدو أن الإدارة لم تكن تتوقع أن رد الفعل الروسي سيكون بهذا الشكل، لتبقى الأنظار كلّها متجهةً نحو لقاء القمة بين الزعيمين في الأيام القليلة القادمة وما ستسفر عنه من نتائج، فهل ستطلق موسكو رصاصة الرحمة على نهج بايدن ضدّها وتعلن فشل سياستها حيالها؟
 خالد البوهالي

كاتب مغربي

وسوم :