هل تتحسّن العلاقات السعودية الإيرانية بعد تصريحات ولي العهد السعودي؟

في تصريح نادر لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ذكر أن المملكة العربية السعودية تسعى إلى إقامة علاقات مميزة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية رغم ما شابها خلال السنوات الماضية من توتّر كبير نتيجة تصريحات سابقة أيضا لولي العهد السعودي إبان تولي الرئيس السابق دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وذكر فيها أنه سينقل الحرب إلى الداخل الإيراني وأن إيران دولة إرهابية ينبغي إيقاف نشاطها في دول المنطقة ويقصد بذلك تحرك إيران في سوريا ومساندتها حركات المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني كحركة حماس وحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن، وظن الأمير بن سلمان أنه قادر مع الإدارة الأمريكية السابقة على فعل ذلك وأن حرب اليمن ستكون نُزهة على الأرجح لذلك سمّى عاصفته الأولى بعاصفة الحزم والثانية بإعادة الأمل، لكنه فشل في صد العاصفتين معا فلم يحقق الهدف المنشود خلال إدارة ترامب. وكان يعتقد أن حليفه سيفوز في انتخابات نوفمبر 2020م لكنها كانت مخالفة لتوقعاته أيضا التي كانت تضع المخطط الأمريكي السعودي في قائمة الأولويات وكل شيء يسير في هذه الدنيا بمقدار.
ورغم استعداد بن سلمان الكلي لفعل أي شيء من أجل أن ترضخ إيران لأمريكا وإسرائيل والسعودية إلا أن إيران كانت في كل مرة قوية بثباتها وصبرها على العقوبات التي كان يفرضها الراعي الأمريكي، ويفرض عزلة دولية مشددة عليها من كل الجهات وتبين للعالم أنها صاحبة قضية وأنها مستمرة في المواجهة ما دامت هذه الأطراف تريد المواجهة، ولا تعبأ بالتهديدات التي يطلقها بن سلمان بين الفينة والأخرى، وأن الأمر لا يعدو إلا أن يكون حربا كلامية نفسيّة يخوضها الطرفان محاولة من أي طرف الإيقاع بخصمه اللّدود وإلحاق أكبر ضرر به، لكن الذي يدور في الكواليس أعمق من ذلك بكثير، كما يبدو.
ورغم أن إيران أبدت استعدادا من قبل للحوار مع السعودية ومع دول الخليج عموما واعتبرت الأحداث التي تجري في المنطقة شأنا يخصها لا علاقة للولايات المتحدة الأمريكية ولا إسرائيل به من قريب ولا من بعيد إلا أن الأطراف الأخرى كانت تقابل ذلك ببرود تام وتعتبر أن إيران لا يردعها شيء إلا الضغط عليها اقتصاديا لتستجيب سياسيا، وبمرور الوقت كسبت إيران المعركة السياسية والدبلوماسية واعتبرته نصرا كبيرا رغم ما تعرضت له من نكسات وصعوبات وهجومات وغيرها، ومارست حياتها الطبيعية دون أي إخلال بالمنظومة السياسية العامة تدعمها في ذلك علاقاتها المتميزة مع الصين وروسيا وتركيا الحلفاء الرئيسيين في المنطقة والمعادين نسبيا للولايات المتحدة الأمريكية.
وفي عالم السياسة لا شيء يبقى على حاله، فقد تتغير الأوضاع مائة وثمانين درجة على اليمين حينما تتغير المصلحة وتتبدّل الأحداث، فبعد أن تولّت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الحكم في أمريكا وعزمت على إعادة رسم العلاقات مع الدول وخاصة مع السعودية وإسرائيل بَانَ تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن المساندة التامة للسعودية وإسرائيل والمعارضة التامة لإيران إلى اعتدال وتوازن في العلاقات الخارجية مع إصرار تام على الرجوع إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي أبرم في سنة 2015م وخرج منه ترامب في 2017م.
ومع هذا التراجع النسبي والملحوظ هدأت التصريحات السعودية نحو إيران واتخذت منحى الهدوء والترقب والحذر مما تقوم به الإدارة الأمريكية وحيث إنها صرحت بأنها لن تعاقب الأمير محمد بن سلمان في قضية اغتيال جمال خاشقجي وستبقي على علاقتها مع السعودية في حدود ما تراه مناسبا وتعمل مع السعودية لحل القضية اليمنية وفق سياسة دبلوماسية، ارتأت المملكة العربية السعودية أن تقترب من إيران بدل أن تواصل التصادم الذي لا يخدمها بأي حال من الأحوال، فهي ترى نفسها مجبرة على هذا الخيار بعد أن أظهرت الدولة الكبرى في العالم إصرارا غير معهود على الرجوع إلى الاتفاق مع إيران.
وعلى هذا عملت السعودية على التنسيق مع الحلفاء في المنطقة لإذابة الجليد وإعادة المياه إلى مجاريها ولو بصعوبة بالغة، وقد بدأت المياه بالتدفق ولو ببطء لإعادة الحياة إلى هذه العلاقات التي تأزمت كثيرا من خلال لقاء مباشر تم في بغداد بين الطرفين، ودخول دولة قطر على الخط بعد أن عادت العلاقات بينها وبين السعودية إلى سالف عهدها من خلال اتفاق العُلا الذي وُقّع بين جميع الأطراف، وزاد الأمل بعد توجيه دعوة من الملك السعودي لأمير قطر بزيارة السعودية في الأيام القليلة القادمة مما يمنح هذا الملف أملا كبيرا في تصويب عدد من القضايا وإيجاد الحلول السريعة والناجعة للمشاكل العالقة والسعي إلى بناء علاقات جديدة بين الطرفين من خلال التفاهم حول مجمل القضايا الشائكة وأهمها على الإطلاق حرب اليمن.
 
فوزي بن يونس بن حديد
كاتب تونسي
abuadam-ajim4135@hotmail.com

وسوم :