مواقف شديدة الحساسية/٢ “بانوراما” الحشد..

عادل الموسوي
 تتداخل الأحداث وتتشابه الصور وتتكرر المشاهد، ويقتضي الأمر البحث في العلامات الفارقة وتمييز الألوان المتقاربة، ويحول دون ذلك المانع.

 تُتَخَذُ المواقف ولها منطلقات كثيرة..
منها الأهواء، فتنحاز وتجانب الحق، فيُصَرَح بها جهاراً دونما حريجة.

ومنها صوت العقل والحكمة، إلاّ أنَّ العقل والحكمة يؤثران الصمت في أحيانٍ مخافةَ اللومة وسوء الظن، اوتقيّةً من أبناء الجلدة والمذهب.

لذا قد تلفظ الحروف او تكتب بعناية فائقة.. كأنها أحجارٌ ثقيلةٌ تُنْقَلُ على حافةِ وادٍ سحيقٍ بدقةٍ وحذر.

هذه الحلقة نستعرض جانباً من “بانوراما” الحشد..

فصيل مسلح كان الأمل – فيما مضى – أن يُباد النظام السابق على يديه بإنتفاضة.  

بعد الإحتلال كان هناك فصيل آخر مقاوم يدفع بعيداً عن خطوط التماس..  

وفصيل آخر تفرعت منه فصائل عدة..

وأجنحة عسكرية لأحزاب وتيارات، تحول بعض منها الى جهات سياسية.

بعد فتوى الدفاع المقدس إستحدثت فصائل دارت في فلك الفصائل السابقة وإنضوت في الإطار العام لهدف المشاركة في الحرب على الإرهاب. 

وفصائل أخرى مستقلة يرجع تأسيسها الى إدارة العتبات المقدسة وطلبة العلوم الدينية. 

كان إلتحاق المتطوعين إستجابة للفتوى بداية الأمر فوضى.. لم يجد كثير من المجاهدين بداً من الإنضمام الى اي من الفصائل في الساحة إمتثالاً للواجب ولوحدة الهدف والمطلوب.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على القوى.. !! لإعادة ترتيب الأوراق وتوزيع الأدوار ورسم السياسات ودراسة الابعاد والآفاق والتداعيات.

 إنَّ المصطلح المستقل لم تدعُ اليه المرجعية الدينية ولم يكن من متبنياتها الدعوة إلى تأسيس كيانٌ متميزٌ وبارز.

 “إن طبيعة المخاطر المحدقة بالعراق وشعبه في الوقت الحاضر تقتضي الدفاع عن هذا الوطن وأهله وأعراض مواطنيه وهذا الدفاع واجب على المواطنين بالوجوب الكفائي..
  ومن هنا فان المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الارهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية” – خطبة ٢٠١٤/٦/١٣ –

لم تجرِ الأمور كما ارادت لها المرجعية أن تكون، “إنّ دعوة المرجعية الدينية إنّما كانت للإنخراط في القوّات الأمنية الرسمية وليس لتشكيل مليشيات مسلّحة خارج إطار القانون ، فإنّ موقفها المبدئي من ضرورة حصر السلاح بيد الحكومة واضحٌ ومنذ سقوط النظام السابق فلا يتوّهم أحدٌ أنّها تؤيّد أي تنظيم مسلّح غير مرخّص فيه بموجب القانون. – خطبة ٢٠١٤/٦/٢٠ –

الخطاب واضحٌ جداً لا يحتاج إلى إعادة وتكرار، لكن رغم ذلك “نؤكّد مرّةً أخرى على ضرورة تنظيم عملية التطوّع وإدراج المتطوّعين ضمن تشكيلات الجيش والقوات الأمنية الرسمية وعدم السماح بحمل السلاح بصورة ٍ غير قانونية..” – خطبة ٢٠١٤/٧/٤ –

ولعل هناك من لم يسمع او لم يعِ لذا “نؤكد أيضاً مرة أخرى على ضرورة تنظيم عملية التطوع وإدراج المتطوعين في ضمن القوات العسكرية والأمنية العراقية الرسمية وعدم السماح بوجود مجموعات مسلحة خارج الأطر القانونية تحت أي صفة وعنوان ، إنّ هذا مسؤولية الحكومة وليس لها أن تتسامح في القيام بها” – خطبة ٢٠١٤/٧/١١ –
وأصبح الإسم عاماً لكل الفصائل المحاربة للإرهاب يجمعها عنوان الدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات، وكل يعمل على شاكلته في الدفاع عن العراق ومقدساته او غير ذلك ولابد من غض الطرف عن ذلك – حينذاك – لوحدة الاهداف ظاهراً.

إنَّ الحديث عن الحشد المقدس وبطولاته وتضحياته لابد أن يكون مُمَيِّزاً بين افراده المجاهدين – من جميع الفصائل – وبين قادة تلك الفصائل..

لقد جمعت الأهداف حينذاك بين تلك القوى ومحاور أخرى وتجاوز الجميع خلافاتهم و”لكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتحقق الانتصار المبين وتم تطهير مختلف المناطق من دنس الارهابيين دبّ الخلاف من جديد ـ معلناً تارة وخفياً تارة أخرى في صفوف الأطراف التي تمسك بزمام الامور، وتفاقم الصراع بين قوى تريد الحفاظ على مواقعها السابقة وقوى أخرى برزت خلال الحرب مع داعش تسعى لتكريس حضورها والحصول على مكتسبات معينة..” – خطبة ٢٠١٩/٦/١٤ –

إنَّ تكريس الحضور لم يصغِ لتوصيات النأي بالاسم المقدس عن التلوث بخطايا السياسة “إنَّ معظم الذين شاركوا في الدفاع الكفائي خلال السنوات الماضية لم يشاركوا فيه لدنيا ينالونها أو مواقع يحظون بها، فقد هبّوا الى جبهات القتال استجابة لنداء المرجعية واداءً للواجب الديني والوطني، دفعهم اليه حبهم للعراق والعراقيين وغيرتهم على اعراض العراقيات من أن تنتهك بأيدي الدواعش، وحرصهم على صيانة المقدسات من أن ينالها الارهابيون بسوء، فكانت نواياهم خالصة من أي مكاسب دنيوية، ومن هنا حظوا باحترام بالغ في نفوس الجميع واصبح لهم مكانة سامية في مختلف الاوساط الشعبية لا تدانيها مكانةُ أي حزب او تيار سياسي، ومن الضروري المحافظة على هذه المكانة الرفيعة والسمعة الحسنة وعدم محاولة استغلالها لتحقيق مآرب سياسية يؤدي في النهاية الى أن يحلّ بهذا العنوان المقدس ما حلّ بغيره من العناوين المحترمة نتيجة للأخطاء والخطايا التي ارتكبها من ادّعوها.” – خطبة ١٥ /١٢ /٢٠١٧ –

دورة انتخابية أخرى وصفحة احتجاجات وعَضٌ بالنواجذ استمساكاً بزمام السلطة حد الإستماتة، وساحة لتصفية الحسابات واملاءات، و” تتسارع الاحداث وتتفاقم الازمات ويمر البلد بأخطر المنعطفات، فمن الاعتداء الآثم الذي تعرضت له مواقع القوات العراقية في مدينة القائم وادى الى استشهاد وجرح العشرات من ابنائنا المقاتلين، الى الحوادث المؤسفة التي شهدتها بغداد خلال الايام الماضية، الى الاعتداء الغاشم بالقرب من مطارها الدولي في الليلة الماضية بما مثّله من خرق سافر للسيادة العراقية وانتهاك للمواثيق الدولية، وقد أدّى الى استشهاد عدد من ابطال معارك الانتصار على الارهابيين الدواعش ، ان هذه الوقائع وغيرها تنذر بان البلد مقبل على اوضاع صعبة جداً، وإذ ندعو الاطراف المعنية الى ضبط النفس والتصرف بحكمة..” – خطبة ٢٠٢٠/١/٣ –

وانى لهم بالحكمة وكلٌ يأوي إلى ركن يحسبه شديد، مع المغالبة وفرض الرؤية لما يمتلكون من قوة ونفوذ والمفترض أن “في أوقات المحن والشدائد تمسّ الحاجة الى التعاون والتكاتف، ولا يتحقق ذلك الاّ مع استعداد جميع الأطراف للتخلي ولو عن جزء من مصالحهم الذاتية وترجيح المصالح العامة عليها، إنَّ التعامل بأسلوب المغالبة من قبل الأطراف المختلفة التي يملك كل منها جانباً من القوة والنفوذ والامكانات ومحاولة كل منهم فرض رؤيته على الباقين سيؤدي الى استحكام الأزمة واستعصائها على الحل، وبالتالي ربما يخرج الجميع منها خاسرين، وتكون الخسارة الأكبر من نصيب البلد وعامة الناس الذين ليس لهم دخل في الصراعات الداخلية والخارجية الجارية ولا يعنيهم أمرها بمقدار ما يهمهم أمن بلدهم واستقراره والمحافظة على استقلاله وسيادته وتوفير حياة حرة كريمة لهم ولأولادهم” – خطبة ٢٠٢٠/١/١٠ –
إن الحديث عن الدور الاقليمي لابد أن يكون مُمَيِّزاً بين الدور المساعد والداعم وبين الدور المتدخل بالشأن العراقي منحازاً لمصلحة الأمن القومي وحرب النيابة تحت مظلة محاربة الإرهاب.

“إننا نعتز بوطننا وبهويتنا وبإستقلالنا وسيادتنا، وإذا كُنّا نرحب بأية مساعدة تقدّم لنا اليوم من إخواننا وأصدقائنا في محاربة الإرهابيين ونشكرهم عليها فإن ذلك لا يعني في حال من الأحوال بأنه يمكن أن نغضّ الطرف عن هويتنا وإستقلالنا، ولا يمكن أن نكون جزءً من أية تصورات خاطئة في أذهان بعض مسؤولين هنا أو هناك،  إننا نكتب تاريخنا بدماء شهدائنا وجرحانا في المعارك التي نخوضها اليوم ضد الإرهابيين وقد امتزجت دماء مكونات الشعب العراقي بجميع طوائفهم وقومياتهم” –  خطبة ٢٠١٥/٣/١٣ –

كان اخراج القوات الأجنبية عنواناً كبيراً، وثَمتَ تظاهرات قيل أنها مليونية، واي خائن لا يرضى بإخراج تلك القوات.. تنصل الشركاء وانفردت الاغلبية بقرار او شعار لم يكن بعيداً عن الاملاءات الخارجية أعقبه اضطرابٌ او انقلابٌ على الاحتجاجات التي كانت جارية..
” إنّ المرجعية الدينية تؤكد موقفها المبدئي من ضرورة احترام سيادة العراق واستقلال قراره السياسي ووحدته أرضاً وشعباً، ورفضها القاطع لما يمسُّ هذه الثوابت الوطنية من أي طرف كان وتحت أي ذريعة، وللمواطنين كامل الحرية في التعبير ـ بالطرق السلمية ـ عن توجهاتهم بهذا الشأن والمطالبة بما يجدونه ضرورياً لصيانة السيادة الوطنية بعيداً عن الاملاءات الخارجية” – خطبة ٢٠٢٠/١/٢٤ –

لقد زهدت تلك القوى بالفرصة الثمينة ولم يكن أمام مانحها إلا أن يُمضي قراره.. أن تلك القوى ليس لها بعد الآن أية صلاحية في اتخاذ أيٍ من القرارات المصيرية، “إنّ الرجوع الى صناديق الإقتراع لتحديد ما يرتئيه الشعب هو الخيار المناسب في الوضع الحاضر، بالنظر الى الانقسامات التي تشهدها القوى السياسية من مختلف المكونات، وتباين وجهات النظر بينها فيما يحظى بالأولوية في المرحلة المقبلة، وتعذر اتفاقها على اجراء الإصلاحات الضرورية التي يطالب بها معظم المواطنين، مما يعرّض البلد لمزيد من المخاطر والمشاكل، فيتحتم الاسراع في اجراء الانتخابات المبكرة ليقول الشعب كلمته ويكون  مجلس النواب القادم المنبثق عن ارادته الحرة هو المعنيّ باتخاذ الخطوات الضرورية للإصلاح وإصدار القرارات المصيرية التي تحدد مستقبل البلد ولا سيما فيما يخص المحافظة على سيادته واستقلال قراره السياسي ووحدته أرضاً وشعباً ” – خطبة ٢٠٢٠/١/٣١ –

ويبدو أن المعارك لن تنتهي و”إنّ أمامكم اليوم معركة مصيرية أخرى، وهي معركة الإصلاح والعمل على إنهاء حقبة طويلة من الفساد والفشل في إدارة البلد..إنّ هذه المعركة -التي تأخّرت طويلاً- لا تقلّ ضراوةً عن معركة الإرهاب إن لم تكنْ أشدّ وأقسى، والعراقيّون الشرفاء الذين استبسلوا في معركة الإرهاب قادرون -بعون الله تعالى- على خوض غمار هذه المعركة والانتصار فيها أيضاً إنْ أحسنوا إدارتها” – خطبة ٢٠٢٩/١٢/١٣ –

وربما كان من حسن الإدارة تمييز الصفوف، فلقد ” تحملتم الحيف في أوقات المعارك وقد حاول البعض أن يحول الولاء إلى ولاء شخصي ومورست عوامل ضغط كثيرة، من جملتها شق الصف فالذي معهم يعطى جميع المكتسبات والذي يختلف معهم تمنع عنه جميع المكتسبات وهو أسلوب لا أخلاقي وبعيد عن القيم الحقة ولا زالت بعض هذه الممارسات موجودة عند بعضهم بل الأغرب من ذلك انهم يفترون على المرجعية صاحبة الفضل علينا وعليهم، فكيف يمكن التعامل مع هؤلاء، أنتم لا تزهدوا بأحد ولكن من زهد فيكم فأنتم فيه أزهد” – السيد احمد الصافي ٢٠٢٠/٣/١٩ –

اظن أن هذا أقصى ما يمكن أن ينقل من أحجار ثقيلة.

وسوم :