وفد عُمــاني في صنعاء… ماذا يعني يمنيا وخليجيا ودوليا؟

تمضي الجهود الأممية والإقليمية لوقف الحرب وإرساء تسوية سياسية باليمن بوتيرة متصاعدة بعد جمودٍ دام أكثر من شهر على إثر فشل المبادرة السعودية التي رفضتها الحركة الحوثية (أنصار الله)، ففي يوم السبت الماضي وصَــلَ وفدٌ دبلوماسي عماني الى صنعاء في أول زيارة يقوم بها وفد رسمي عربي وأجنبي بهذا المستوى منذ عام بداية هذه الحرب بموافقة التحالف الذي تقوده السعودية، فهذه الزيارة تحمل دلالات كبيرة على أن ثمة تقدم حقيقي قد أحرزته الجهود الإقليمية والدولية بشأن الأزمة والحرب باليمن..فوفقا للأنباء الواردة في صنعاء فأن الحركة الحوثية قد رأت بالسماح للوفد العماني بالوصول الى صنعاء وبالأفكار التي يحملها هذا الوفد مؤشرا جيدا من التحالف ومن الأمم المتحدة بل وربما من الولايات المتحدة الأمريكية يمكن البناء عليه اتفاق شامل مع السعودية وحلفائها باليمن لوقف الحرب والمضي باتجاه طاولة الحوار.
 -فبعد أن صرفت السعودية نظرها تماما عن مبادرتها الأخيرة انخرطت كل الأطراف المعنية بالشأن اليمني ومنها الأمم المتحدة والولايات المتحدة ومعهما سلطنة عُــمان ببلورة أفكار جديدة تتضمن كثير من مطالب الحوثيين وبالذات المتعلقة بالجانب الإنساني والخدمي التي تصر عليها صنعاء وترفض الربط بينها وبين الحسابات السياسية،باعتبارها- وفقا لصنعاء – تتنافى مع أبسط قواعد الإنسانية والأخلاقية.
-من أبرز أفكار التسوية المنتظرة فتح مطار صنعاء وميناء الحُــديدة وكل المنافذ البحرية والبرية والجوية والسماح بانسياب تام للمساعدات الغذائية والتموينية( الوقود) والصحية دون أي اعتراض من التحالف، ورفع الحصار كُليا بالتوازي مع إعلان شامل من كل أطراف النزاع بما فيه التحالف لوقف الحرب وبالذات من طرف الحوثيين لوقف هجومهم الشامل على مدينة مأرب ( آخر معاقل الحكومة المدعومة سعوديا)، يلتو ذلك مباشرة التوجه لطاولة حوار شاملة.
-وهذه الانفراجة المتوقعة على أهميتها لا تعني سوى الخطوة الأولى على درب الألف ميل الذي  يقف الجميع في بدايته، فالأوضاع باليمن غاية بالتعقيد على كل الصُــعد: السياسية،الأمنية ،الإنسانية والاقتصادية، فضلا عن حالة السلم والأمن الداخلي التي تفتك بها كل الاسقام وتفترسها كل الأدران الجهوية والطائفية،ناهيك عن حالة الاحتراب القبلي والانقسام المجتمعي شمالا وجنوبا.هذا علاوة على حالة التعقيدات السياسية المستعصية بين الشمال والجنوب والتي خلفتها سنوات من التجاذبات منذ غداة انتهاء حرب 1994م التي اجهزت  – أو كادت-على المشروع الوحدوي الطموح بين دولتيّ اليمن واخرجت الجنوب من معادلة وضع ما بعد تلك الحرب تدحرج على إثره اليمن باتجاه هوة سحيقة من عدم الاستقرار حتى وصل الى ما هو عليه اليوم ، فقد مثلت تلك الحرب مصدر كل الأزمات -تقريبا- وتناسلت منها كل الصراعات التي نراها اليوم، وبالتالي فأية تسوية سياسية باليمن تتجاوز جذور الأزمة اليمنية لن يكتب لها النجاح الدائم، فهي لن تكون إلا حُـقنة مسكنة الى حين.وهذا ما تدركه السعودية  ومعها كل القوى اليمينة بالشمال ولكنها أي السعودية تخشى إثارة الموضع الجنوبي في هذا الوقت لئلا تعصف بوجهها عاصفة الشمال بكل اطيافه وعلى اختلاف وتباينات قواه السياسية والاجتماعية والفكرية، هذا علاوة على أن السعودية ترى بأن الجنوب يجب أن يظل تحت مظلة الوحدة اليمنية ليس فقط خشية من الإعصار الشمالي الذي سيتفجر بوجهها بل لأنها ترى بأن مصالحها الاستراتيجية بالجنوب – من محافظة المهرة شرقا الى باب المندب غربا- لن تتحقق إلّا في ظل جنوب هش منضوٍ تحت الدولة اليمنية الموحدة ليتسنى لها أي السعودية الاستئثار بطاقاته وموقعه الجغرافي بالتقاسم مع السلطة اليمنية القادمة كون أية حكومة يمنية قادمة حتى وأن كانت تضم الحوثيين والجنوبيين لن تكون قادرة على انتشال هكذا وضع مدمر دون الاستعانة بالمملكة الثرية وبتأثيرها الدبلوماسي الطاغي على الساحة الدولية ولدى الدول الكبرى، وبالذات تأثيرها فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي  اليمني المنهار والاجتماعي وإعادة الإعمار وسواها من التحديات الهائلة التي خلفتها هذه الحرب وخلفتها عقود من الصراعات والفقر والتمزق.
ولهذا نرى السعودية اليوم وهي تتعاطى بشأن الجنوب تمسك العصاء من الوسط، فهي في الوقت الذي تتحاشى في هذه الظروف الدقيقة أي صدام مع المشروع الجنوبي المطالب باستعادة دولة اليمن الجنوبية السابقة فأنها تحاول مراضاته وتلوعيه بوعود سرابية، ولإبعاده قدر المستطاع عن النفوذ الإماراتي بعد أن استعر الخلاف الخفي بين الرياض وأبوظبي بشأن الكعكة اليمنية شمالا وجنوبا، حتى تنضج  الجهود الأممية الساعية لوقف الحرب والتوجه صوب طاولة الحوار الشامل،وحينها ستدير الرياض ظهرها بشكل شبه كُــلي لكل ما هو جنوبي خارجا عن الأجندة السعودية، وهذا الأمر يمكن مشاهدته اليوم جليا من خلال المماطلة والتسويف التي تبديها المملكة مع الوفد الجنوبي الموجود بالرياض منذ أيام الذي ذهَــبَ الى هناك بطلب سعودي لإحياء اتفاق الرياض المهدد بالفشل. فالسعودية تنتظر نجاح الجهود الدولية لتكون النهر الذي سيجرف معه مياه  أتفاق الرياض، ويُــستبدلُ بما هو أهم وأشمل منه بالنسبة للسعودية ولحلفائها المحليين والدوليين، شاء الطرف الجنوبي أم لم يشاء.!
صلاح السقلدي
*صحافي من اليمن-عدن.

وسوم :