مفهوم حرية التعبير في الفقه الدستوري

الشيخ محمود الصافي
   حرية التعبير من الحريات الأساسية التي تتصل بالحرية الشخصية، وقد اهتم الفقهاء والفلاسفة بحرية الرأي والتعبير وفي ذلك يقول الفيلسوف (روسو) في مؤلفه (العقد الاجتماعي): إن القانون ليس إلا تعبيراً عن إرادة الجماعة التي صدر عنها وليس من سبيل لمعرفة إرادة هذه الجماعة إلا باستشارة أفرادها ومحاورتهم والوقوف على رأيهم على الأقل رأي الأغلبية فيها، حتى يمكن للقانون أن يصدر معبراً عن رأي الجماعة التي صدر فيها، وبغير حرية التعبير عن الرأي والمناقشة لا يكون من أمل في سن تشريع يؤدي إلى صالح الجماعة، وبغير هذه الحرية أيضاً يكون سن التشريع مستهدفاً بالدرجة الأولى، ويعني أول ما يعني برغبة الحاكم، وأن رغبة المحكومين تأتي بعد ذلك إذا لم تتعارض مع الرغبة الأولى، وإن تحققت رغبة المحكومين من وراء مثل هذا التشريع، فهي بحق مصلحة عارضة غير مقصودة بذاتها، ومن هنا كان للبعض أن يقول بأن مثل هذا الحكم لا يمكن أن يكون ديمقراطياً، بل استبداديا بالدرجة الأولى؛ لأن النظام الديمقراطي هو الذي يعمل على تحقيق رغبة الأشخاص أو على الأصح أغلبية الذين ينضوون تحت لوائه. 
وقديماً وضع الفيلسوف (سقراط) لحرية التعبير فلسفة ونظاماً، وجعل منها حقاً يعلو على حق الحياة، وجاء من بعده (أرسطو) فوضع دستوراً انتقاه من دساتير عدة قام بجمعها، وانتهى أن أفضل الحكومات هي  تلك التي يمارس أغلبية المواطنين فيها إرادة الدولة للصالح المشترك، وهي نوع من المصالحة والتوافق بين مبادئ الحرية وتحقيق الثروة والسعادة لسائر المواطنين, والمشاركة لا تتأتى إلا بإعمال حرية التعبير والقول، حتى يمكن للمواطن أن يصوغ فكرة الإسهام في الحكومة المدنية. 
 وحرية التعبير هي جزء لا ينفصل عن حقوق السيادة، وهي أداة فعالة في يد الأقلية لشن الحملات السياسية، وهذه الحرية يجب أن تمتد لتشمل أدنى الأقليات وأصغرها مهما يكن شأنها، ويؤكد هذه الحقيقة  (جون ستيوارت) حيث قال:  لو كانت البشرية بأجمعها ليست إلا مجتمعاً واحداً ومن رأي واحد، وعارضها شخص واحد بمفرده، فأنها لا يجوز لها اسكاته وعدم السماح له في إبداء رأيه، ولو كان الرأي ملكاً خاصاً غير ذي قيمة إلا لصاحبه، وكان منع الاستمتاع به لا يوقع الأذى إلا بصاحبه، لكان هناك فرق بين انزال الأذى بعدد قليل من الأشخاص أو بعدد كبير، ولكن في كبت التعبير عن الرأي ضرر مباشر من نوع خاص، فهو حرمان للجنس البشري بأكمله، وهو حرمان لأولئك الذي يخافون هذا الرأي أكثر مما هو حرمان لأولئك الذين يعتقدونه؛ فإذا كان هذا الرأي صواباً حرموا من التحسس الأوضح، والانطباع الأكثر حيوية بالحقيقة مما ينجم عنه الوقوع في الخطأ، وهذا يوازي النفع الأول.

وسوم :