استذكارات : محمد راضي فرج __ شاعر غاب مبكّرا ..

سعدي عباس العبد
اقلام

• قبل قرابة 4 عقود , كنت حرا يافعا , في مقتبل الاحلام .. كان صديقي محمد راضي فرج وهذا هو اسمه الثلاثي وحلمه وموته !! وفناءه المبكّر .. رقيقا يافعا شفافا .. وحالما .. كان جنديا متطوعا .. جنديا شيوعيا ..يبدو الامر للمرة الاوّلى مهوّلا ! اذ كيف سيواجه الصدمة التي ستعلّق مصيره او حلُمه على رشقة من رصاصات قرمزية .. فيما لو تم فضح المستور واماطة اللثام عن تلك اللعُبة ..اللعب بالحلُم والمصير ..
• كانت وصايا وتعليمات حزب البعث تنص : يُحكم بالاعدام العسكري المنتمي او الذي يزاول نشاطا شيوعيا
• حدث ذلك عام 1974 اقصد وضع اليد , على تلك الصدمة المريعة .. كانت صدمة الاكتشاف بالنسبة لحالم رومانسي في خطواته الاولى .. نحو ابواب المراهقة ومحمولاتها .. اكتشاف الموت وهو لم يزل طيفا او شبحا مخيفا .. يلوح من بعيد عبر ذاكرة بيضاء تخلو من تلك الشعارت المحمولة على اجنحة الحمام الابيض والمطرقة والمنجل والرايات الحمر ..
• محمد جندي شيوعي .. معادلة عويصة .. او باب مغلق على اسرار مخيفة .. لا استطيع فك المغاليق او فتحها بمفتاح الذهنية المراهقة .. التي كانت في طور التبرعم ,او النمو
• بقي محمد شاعر شيوعيا مغمورا متطوعا او جندي مطوّع .. غير اني لا اعلم , فيما اذا كان يزاول نشاطا تنظيميا ام كان مجمدا … بيد اني كنت اعلم متى ياتي في إجازة .. لنمارس طقوسنا في شرب العرق .. كنا ونحن متقاربين في السن والحلم .. ليس متقاربين تماما .. فمحمد يسبقني بسنتين من عمر الخراب ..كنا نقترب في خطوات خجولة من ساحل النهر . نهر الخمر , في خطواتنا الاولى من اكتشاف السحر … سحر العرق الزحلاوي ..
• سحر النشوة .. سحر الانتشاء الداخلي العابر ..ذلك السحر المخادع الزائل .. السحر الذي لم يتدفق من اعماق الروح او لن يبلغ تلك النشوة الداخلية العميقة .. لا تصله وشيجة بتلك النشوة الروحية المفعمة بالعذوبة والدفء كما يحدث مثلا في الحبّ …… في تلك الايام تعرّفت على بابلو نيرودا .. واراغون وناظم حكمت .. ويوسف ادريس وحنا مينا .. وفي تلك الايام حدث انّ هرب من الجندية محمد .. غير انه سرعان ما عاد نادما ..تلك النادما لم تكن تمثل اعترافا حقيقيا ……. بل غالبا او دائما ما يعود الجنود خوفا ورعبا إلى ثكناتهم العسكرية يلتحقون لتفادي مايترتب على تواصلهم او استمرارهم في الفرار ..
• كانت سنوات العقد السبعيني تمشي متباطئة ..تمشي في خطوات محمولة على بساط من الجمال والطمأنينة .. وما ان بلغت خطواتها اوّلى ابواب الثمانينات ..حتى حدث الزلزال ..فانفتحت الابواب على مصاريعها .. ابواب الحرب … كنت جنديا لما رجّ نفوسنا ذلك الزلزال ..
• آخر لقاء ليّ مع محمد حدث عند مطلع ذلك العام .. عام الحرب .. في الايام الاوّلى من بدأ الحرب ..كنا معا في كراج النهضة من عام 1980 منتصف شهر 11 ..
ننتظر حافلتين مختلفتين في الاتجاه .. متباينتين في التوجّه والمسار والمقاصد والنوايا .. متباعدتين في الزمان والمكان والمسافات .. قريبتين في الخراب والفراق والغربة والضّياع والتيه والاغتراب …… كنا ننتظر .. ذلك الانتظارالمحمول على روح من الغبار ..غبار الروح وهي تنفض سنواتها التي جاوزت العشرين بقليل من غبار السنوات
كانت الوقت مساءا ..والبرد في كراج النهضة على اشده ! والليل لا يشبه تلك الليالي .. لياليلنا المفعمة بالدفء والعذوبة والطمأنينة والسلام ..ليالي ماقبل الحرب والجندية …افترقنا عند حلول طلائع الفجر .. اقلتنا حافلتين في طريقهما الى جبهتين متباينتين .. محمد في اتجاه عبادان او القاطع الجنوبي وانا باتجاه مهران او القاطع الاوسط .. ومنذ ذلك المساء التشريني , والذي تناسل فيما بعد .. في زمن شديد الدهشة والغموض , إلى مساءات مرعبة من الغياب , ثم إلى سنوات , تمشي على حافات وعرة من الفقدان والوجع .. منذ ذلك المساء التشريني المفعم بالبرد ورائحة الاحلام والذكرى , لم ارَ صديقي محمد ..كان ذلك هو اللقاء الاخير .. وكانت النهضة هو آخر مشهد , آخر مكان جمعنا معا .. المكان لم يزل شاخصا بكامل روحه وألفته ورائحته .. في حين توارى صاحبي ..ذهب مع الريح , في اتجاه النجوم والغيم .. تلاشى في المجرات واللاعودة .. مرت اكثر من 3 عقود على ذلك المساء او المشهد .. كنت خلالها الاحق اخباره … كنت في الاشهر الاوّلى من الغياب . احيا في دوامة من القلق والتوجسات .. وعند حلول كلّ إجازة دورية من الجبهة اسارع لتوجه لبيت صديقي ..غير اني كما يحدث في كل مرة ..اتفاجأ بالصدود والغياب والصمت .. ابقى لوقت عصيب اطرق على الباب دون جدوى ..وعندما اسأل الجيران .. جيران بيت صاحبي .. اباغت بعدم علمهم او درايتهم .. كانوا لا يعلمون شيئا فيما يتعلق ب بيت صاحبي او كأنهم يتوجسون خيفة او يخشون امرا ما .. بيد اني كنت استشف في نظراتهم ما ينم عن الريبة والدهشة …. وفي كلّ اجازة اعيد ذات المحاولة وعلى مدى عام على وجه التقريب .. ولكن عبثا كنت افعل .. في كل محاولة كنت اصطدم بحاجز مهوّل من اللاجدوى والغياب حتى نال مني اليأس واصابني الذهول .. وكثيرا ماكنت ارى الباب مشرعا على سعته ..!! بيد اني لم المح ايما اثرا , يشير ولو من بعيد الى وجود مخلوق داخل المنزل .. كان البيت محاطا بهالة من الغموض .. محاطا بسلطة ثقيلة من الغياب والخوف والتوقعات .. لم المح سوى طيف صديقي يلوح شبحا باهتا في فضاء المنزل المهجور .. لم ارَ سوى بقايا من اثاره القديمة او التي باتت قديمة .. وفي الإجازات المتأخرة , امسكت عن المجيء للدار , دار صديقي الشبه مفقود ..وبمرور الاجازات والسنوات , كانت مساحة الغياب تتسع وتأخذ حجم التوابيت , فلم اشأ انّ اسأل عنه …… فقد بت على يقين من اني من العصي والمحال انّ اراه . فقد غدا صاحبي في عداد الذكريات الحزينة , وبات طيفا بعيدا ..
لا ادري حتى حلول هذه اللحظة . كيف توارى او تلاشى .. قضي في الحرب , ام هاجر إلى شمال العراق , ام اختفى بطريقة ما غامضة في جحور او محاجر الحكومة ..لا ادري اين هو الآن …. ؟ !

وسوم :