الأكثر مشاهدة

أسرار وخفايا الغزو العراقي للكويت.. ما الذي حدث بين نهاية الحرب العراقية الإيرانية في 8/8/1988 وغزو الكويت في 2/8/1990؟

بيار سالينجر – أريك لوران:

عندما غزا صدام حسين الكويت في الثاني من أغسطس 1990 كنت قد بدأت بقضاء عطلتي السنوية في جزيرة ننتوكت الواقعة قرب ساحل ماساشوستس. فاتصل بي قسم الأخبار الخارجية لشبكة إي بي سي للأخبار في مساء الأول من أغسطس ليخبرني عما حدث. وبالرغم من أنّ عطلتي امتدت اسبوعين آخرين فقد أخذت أتصل بمصادري الشرق أوسطية وأزود الشبكة بالمعلومات. وتبين أن المعلومات التي جمعتها خلال الأيام القليلة الأولى صحيحة تماماً.
وكنت قد أشرت فيها إلى أن صدام حسين سوف يستخدم رهائن غربية كترس بشري يحمي المواقع العسكرية الرئيسية، والى أنه سوف يطلق صواريخ سكود على السعودية وإسرائيل، وأن الملك حسين وياسر يقومان وراء الكواليس بمفاوضات تهدف إلى التغلب بسرعة على الأزمة. وعدت إلى لندن ثم توجهت إلى الشرق الأوسط ومكثت هناك عدة شهور زرت خلالها الأردن والعراق وسوريا وتونس. وكنت في تلك الأثناء على اتصال بمصادر الأخبار في مصر والسعودية والكويت. وأدت اتصالاتي التي كانت في الغالب بأعلى المستويات إلى اكتشاف المخططين اللذين يؤلفان نص هذا الكتاب وهما: ما الذي حدث بين نهاية الحرب العراقية الإيرانية في الثامن من أغسطس 1988 وغزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990 والأحداث التي دفعت صدام حسين إلى القيام بالغزو، وكيف سعى العالم العربي جاهداً إلى حل المشكلة بسرعة وخصوصاً بواسطة الملك حسين. ولكن الجهود العربية اصطدمت بضغط حكومة الولايات المتحدة الأميركية على الدول العربية لكي تندد بالغزو. موضوع هذا الكتاب ليس الحرب. إنه يبين لنا أنه كان في الإمكان تجنب الحرب. فلدى نظرنا في الأزمة صار من الواضح أن قلة من الأقطار التي انضمت إلى التحالف المناهض للعراق كانت راضية عن دكتاتورية صدام ووحشيته، وعليه فإنها لم تكن في الحقيقة تحبذ حلاً سلمياً يسمح ببقائه في الحكم واحتفاظه بأسلحته. لكن هذا الكتاب يبين لنا أيضاً أن الغرب والاتحاد السوفييتي اللذين اجتمعا على مناهضة العراق هما المسؤولان عن تسليحه. ومن الواضح أيضاً أن الولايات المتحدة كانت منذ بداية عام 1990 توجه إلى العراق رسائل مختلفة تقنعه بأن قيامه بعمل عسكري ضد الكويت لن يدفع الولايات المتحدة إلى الانتقام منه. وكان كل من صدام حسين والأميركيين لا يفهم أحدهما الآخر وعقليته. ولم يدرك صدام حسين معنى ان تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سيقف إلى جانبه. وظل مدة طويلة لا يصدق تهديدات الرئيس بأن التحالف الذي يتزعمه الأميركيون لن يوافق على بقائه في الكويت. وكانت النتيجة اندلاع الحرب.
الفصل الأول
سوف أنتقم
شهد الثامن من أغسطس 1988 نهاية الحرب العراقية الإيرانية، لكن لم يخطر ببال أحد عندئذ بأن هذا التاريخ سوف يشكل بداية أزمة الخليج في عامي 1990 ـ 1991.
وكان قيام طهران أولاً باقتراح وقف لاطلاق النار كافياً لاعتبار العراق المنتصر في ذلك النزاع الذي امتد ثماني سنوات وحصد أرواح ما يقرب من مليون من البشر. والواقع أن العراق خرج من الحرب قوياً ولكن الحرب استنزفت موارده. وكان لا يزال أقوى دولة في المنطقة: 55 فرقة مقابل عشر فوق عام 1980؛ مليون جندي مدرب تدريباً جيداً؛ 500 طائرة و5500 دبابة. لكن الكارثة المالية لم تكن تقل ضخامة. فعندما بدأت الحرب كانت لديه مدخرات قدرها ثلاثون بليوناً من الدولارات. وعندما انتهت كانت ديونه قد بلغت مائة بليون دولار. ولهذا السبب لم يترك صدام حسين مناسبة واحدة إلا واغتنمها ليقوم بابلاغ جميع زواره الأجانب الذين كان يستقبلهم في قصره الفخم وسط بغداد أنه كان خلال الأعوام الثمانية الماضية “الدرع الواقي للإخوة العرب من التهديد الفارسي” وأنه يتوقع أن تقوم “أكثر الأقطار العربية ثراء وهي السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت بالعون والمساعدة في تسديد كامل ديوننا”. في التاسع من آب عام 1988، غداة وقف إطلاق النار بين العراق وإيران أخذت الكويت قراراً بزيادة انتاجها النفطي، مخالفة بذلك الاتفاقات المعقودة في اطار منظمة الأوبك. وقد تم التركيز الكويتي في تحقيق هذه الزيادة الانتاجية على آبار الرميلة الواقعة في المنطقة الحدودية المتنازع عليها مع العراق والتي كانت موضوعاً في السابق لمناقشات دبلوماسية صاخبة. واعتبر صدام حسين مبادرة الكويت إلى زيادة انتاجها من النفط استفزازاً وخيانة ومن شأنه أن يزيد أزمة زيادة الانتاج وانخفاض الأسعار حدة وأن يؤدي إلى انخفاض دخل العراق الذي يعتمد في 90% من موارده على النفط بمقدار 7 بلايين دولار أو ما يساوي فوائد ديونه. وكان هذا بمثابة خنقه ببطء.من ناحية أخرى لا يمكن تصور بلدين هما على طرفي نقيض كالعراق والكويت. ففي العراق تتركز السلطات في شخص حاكم مطلق التصرف يعيش هوس أحلام السلطة والقوة. وفي مواجهة العراق، البلد المتقشف الذي يعد 18 مليوناً من البشر يعانون مختلف أشكال الحرمات، تتربع إمارة الكويت على الثروة والوفرة حيث يتقاسم ما يوازي الألف من أفراد أسرة آل الصباح الحاكمة المناصب المختلفة إضافة إلى السلطة والأرباح وكأنهم أعضاء مجلس الإدارة في أي شركة من الشركات المزدهرة. أما الاستثمارات الكويتية في الخارج فكانت تتجاوز 100 مليار دولار وتؤمن للإمارة حوالي 6 مليارات من الدولارات سنوياً، أي أكثر من عائدات البترول ذاتها. وكان على رأس المستفيدين من هذه العوائد 000 , 700 شخص يحملون الجنسية الكويتية. أمام غير الكويتيين من فلسطينيين وإيرانيين وباكستانيين وغيرهم البالغ عددهم نحو 000, 200 ,1 شخص والذين يديرون اقتصاد البلاد فلم يكن نصيبهم منها إلا فتات الموائد. والمال في الغالب يجعل صاحبه متعجرفاً أعمى البصيرة. وهذا هو ما أصاب زعماء الكويت وجعل بالتالي وقوع المأساة أمراً حتمياً. لقد عجزوا عن قراءة النذر بوقوعها فكانت الحرب المأساوية. وقبيل ظهر 12 فبراير عام 1990 يوم ذكرى مولد الرئيس أبراهام لنكولن وصل جون كيلي إلى بغداد. وكان في أواخر الأربعينات من عمره متوسط الطول شعره أسمر وتتميز حركاته بالهدوء والرزانة. وهو دبلوماسي محترف متخصص في الشؤون الأوروبية. ولم يحتل في الشرق الأوسط سوى منصب واحد وهو سفير بلاده في لبنان وكانت هذه هي زيارته الأولى للعراق وبوصفه مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط. كان الطقس بارداً وسفيرة الولايات المتحدة في العراق إبريل غلاسبي تنتظره عند سلم الطائرة بصحبة اثنين من المسؤولين العراقيين. وكانت غلاسبي ذات الملامح البارزة والوجه الصارم قد انخرطت في السلك الدبلوماسي بعد تخرجها من جامعة جون هوبكنز وتتكلم العربية بطلاقة. واحتلت عدداً من المناصب وخصوصاً في تونس ودمشق قبل أن تتولى إدارة الشؤون الأردنية والسورية واللبنانية في وزارة الخارجية. وكانت عازبة وتعيش في بغداد مع أمها وكلبها، ولم تكن حتى مجيء كيلي قد ظفرت بمقابلة خاصة مع صدام حسين. كانت تقارير الإدارة الأميركية عن الزعيم العراقي تدور حول ثلاثة محاور رئيسة: أولا قدرته ورغبته في أن يصبح الزعيم الحقيقي للعالم العربي، وثانياً إعجابه الشديد بجمال عبد الناصر وسحر زعامته وحبه في أن يكون مثله، وثالثاً تقاربه مع الغرب. وكانت هذه النقطة الثالثة برأي كيلي ومستشاريه الأكثر أهمية. فعندما هاجمت القوات العراقية إيران عام 1980 كان النظام البعثي يعتبر من أقوى حلفاء موسكو في المنطقة. وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 رأس العراق جبهة الرفض التي استهدفت عزل القاهرة ومعاقبتها على تقاربها مع الدولة اليهودية. وفي ذلك الوقت كان العراق ملجأ لأكثر الجماعات الفلسطينية الإرهابية عنفا وفي مقدمتها أبو نضال ورجاله. على أن العراق خرج من حرب السنوات الثماني مع إيران أقرب إلى الغرب من أي وقت مضى. إذ كان اقتصاده أكثر ارتباطا بالأقطار الغربية منه بالاتحاد السوفييتي، وفي ترسانة أسلحته من الغرب وخصوصاً من فرنسا لا تقل حجما عن الأسلحة السوفييتية. ودفع هذا كله الأميركيين إلى المجازفة بأموالهم في العراق بوصفه قوة ضخمة تعمل على الاستقرار في المنطقة. استقبل صدام حسين جون كيلي بعد ظهر الثاني عشر من فبراير 1990. وكانت المقابلة هي الأولى مع أحد الرسميين الأميركيين منذ زمن بعيد. وبادر المبعوث الأميركي مضيفة، خلال تبادل التحيات، بقوله: “انتم قوة اعتدال في المنطقة وتتمنى الولايات المتحدة إقامة أوثق العلاقات مع العراق”.

جريدة المشرق
Read more: http://www.sotaliraq.com/mobile-news.php?id=183708#ixzz3Oh20SBXN

وسوم :