“إذا مت ظمآنا…”

56

علي علي
في تعاقب الأیام والسنین ومرورھا على العراقیین تجارب وعظات تختلف عن باقي شعوب العالم، كما أنھا تأتي دوما
بجدید وعجیب وغریب، ووجھ الاختلاف الذي قصدتھ إنما یكمن في الشخوص الذین یتصدرون المشھد، ویأخذون دور
البطولة في سیناریوھات یبدو أنھا كانت معدة مسبقا.
والذي یثیر الغرابة والاستھجان والامتعاض، أن الآتي والجدید عادة ما یكون أسوأ من السابق والـ -عتیك-. ولو أردت
ذكر أمثلة على ما أقول فـ: “جیب لیل واخذ عتابھ”..! ولعل أول مثال في ھذا المضمار ھو مجلس نوابنا بدوراتھ الأربع،
فالكلام عنھ بعد كل عملیة اقتراع یأخذ منحى آخر غیر الذي كان قبلھ، وعلى الكاتب أن یختار بین مفردتي السابق واللاحق،
والماضي والحاضر، وقد یضطر الكاتب الى استباق ذكر نائب -او رئیس- من باب الوصف او التمني او التشفي، فیطلق
مفردة المقبور اوالبائد، عندما یكون الحدیث عن سابق منھم، وقطعا ھذا لم یأت من عدم، فسلبیات أعضاء برلماننا (العتیگ)
فضلا عن رئیسھ (مایلبس علیھا عگال). حیث ماسجلھ معظم النواب خلال الدورات جمیعھا، لم یكن أغلبھ في خدمة
المواطن، بل على العكس، كان الشعار المرفوع فوق قبة البرلمان (كلمن یحود النار لگرصتھ) بل أن أغلبھم زادوا على المثل
فصار؛ (كلمن یحود النار لگرصتھ وگرصة حزبھ وكتلتھ وطائفتھ) وتمادى بعضھم فحاد النار الى أسیاد لھ كلفوه بمخطط قام
عیونھ) وھو بدوره لم یفعل شیئا لأجل سواد عیونھم، فالعراق یدفع الثمن من (چیس) شعبھ وأرضھ وحقوقھ ومستقبلھ. بتنفیذه حسب الاصول، او جھات خارجیة أجزلوا لھ العطاء وأغرقوه بالمن والسلوى. وقطعا لم یفعلوا كل ھذا (لأجل سواد
لذا یتوجب على من یروم الكتابة عن مجلس النواب انتقاء المفردة المناسبة زمانا ومكانا، لكن الجمیع متفق على ان سلبیات
البرلمان بدوراتھ كافة كانت أكثر من الإیجابیات بكثیر. فقد دأب مجلس برلماننا (العتیگ) منذ ولادتھ متلكئا في سن القوانین
وإقرارھا تحت سقف زمني معقول او نصف معقول او حتى عُشر معقول، إذ یدخل مشروع القرار بوابة مجلس النواب
لیصطف في طابور یشبھ لعبة (حیھ ودرج) مع سابقاتھ من مشاریع القرارات، والتي بدورھا قلبتھا القراءات بین أولى وثانیة
وثالثة، وكذلك التأجیلات بین فصل تشریعي وثانٍ وثالث. وكان دیدن المجلس ھذا ونھجھ في المماطلة والتسویف والتأخیر
ینحصر بالقرارات والقوانین المھمة التي تخص مصلحة البلاد والعباد، أما حین تكون الجلسة مخصصة لقراءة قانون او
مشروع قانون یخص تقاعدھم او مرتباتھم اومناقشة امتیازاتھم ومكافآتھم، وكذلك التسھیلات الممنوحة لھم من علاج
وسفریات وحجّات وعمرات، فكانوا (أسرع من الذیب اخف من الھوى العالي) إذ سرعان مایعقد الاجتماع وتبرم الجلسة على
عجالة، وتُقرأ المشاریع وتُقر القوانین، ویصادق علیھا وتنشر في الجریدة الرسمیة، وكأن رئیس المجلس وأعضاءه یرددون
قول ابي فراس الحمداني:
معللتي بالوصل والموت دونھ
إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر
[email protected]



التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة لا يمكنك اضافة تعليق.