الأكثر مشاهدة

الأمير كاميران بدرخان مهندس العلاقات الكُردية – اليهودية/ج9

ا.د. فرست مرعي

في عام1946م قام ديفيد بن غوريون رئيس الوكالة اليهودية بإرسال نشطاء من الوكالة اليهودية للتفتيش عن كل شخص أو جهة يمكن أن تمارس تأثيرها على اللجنة البريطانية – الامريكية من أجل أن تأتي قراراتها لصالح الدولة الاسرائيلية المرتقبة، ولهذا الغرض تم إرسال اثنين من أعضاء الشعبة السياسية للوكالة اليهودية التي كان يرأسها موشي شاريت – شرتوك (1894-1965م) للحقبة من 1933م لغاية عام1948م، وهما: موريس فيشر، ويهودا هيلمان، لتجنيد الكرد والآشوريين والموارنة الى جانب اليهود.

وفي تقرير حول الكرد وصل الى الوكالة اليهودية، وتم الاحتفاظ به في ملفاتها وارشيفها جاء فيه : ” ان الاكراد يتوجهون الينا منذ سنتين بكل الطرق الممكنة كي نتصل بهم، ونضم صوتنا الى صوتهم ضد الخصم المشترك العرب”. ويستطرد التقرير: ” الاكراد يطالبوننا بمنظمين ومدربين، وهم يؤمنون بأن بمقدور الرسل الاسرائيليين، أن يوحدوا جميع القبائل الكردية المتخاصمة في بوتقة واحدة مقاتلة، وبمقدورهم تدريبهم على جميع أنواع السلاح والمتفجرات، وعندما سألتهم؟ لماذا يتوجهون الى اليهود بالذات، قالوا لي : لدينا عدو مشترك”. وقد اكد زعماء الكرد للملحق العسكري الامريكي في بغداد ارشيبالد روزفلت (1894-1979م) انهم يؤيدون النضال الصهيوني والحرب اليهودية في فلسطين”.

ويفيد التقرير أيضاً بأن كاتب التقرير هو شمدين آغا أمير منطقة زاخو، فهناك شخصيتين بهذا الاسم: الاول هو: حازم بك بن يوسف شمدين آغا (1901-1954م)عضو البرلمان العراقي(1925-1946م)عضو البرلمان العراقي عن قضاء زاخو(= التابعة لمحافظة دهوك حالياً). والثاني: ابن عمه، حاجي بن محمد آغا بن حاجي آغا الثاني (1909-1990م)عضو البرلمان العراقي(1946-1957م)، قال بهذا الصدد : ” لقد يئسنا من البريطانيين والامريكيين ونحن على إستعداد للاتصال بأي جهة كانت، ونحن على استعداد لقبول أية مساعدة من اليهود. وعندما طلبت منه ان يهب من اجل العمل على توحيد ولم شمل الاكراد، بدا خائفاً، وقال لي : اننا نأمل من يهود ارض اسرائيل (= فلسطين ) ان يرسلوا رسلاً لاعدادنا، وطلب مني أن أنقل طلبه هذا الى المؤسسات اليهودية، وتعهد باستقبال وتوفير المأوى والحماية لأي رسول نرسله اليهم، وعرض خدماته اذا ما أردنا تهريب أي رسول يهودي من بغداد. وانني أقترح انه اذا ما وافق الاكراد على ارسال عدد منهم الى ارض اسرائيل (= فلسطين )، وان نقوم بتدريبهم واعدادهم، وأريد أن أنوه بأن الاكراد أوردوا مثل هذا الاقتراح عدة مرات”، ولا يستطيع الباحث التكهن من هو المقصود وفق المصدر اليهودي.

وفي اعقاب الزيارة التي قام بها (ريتشارد ماورر) مراسل جريدة نيويورك بوست الى كردستان العراق كتب في تقريره: ” يقول الاكراد ان اليهود يعملون على جلب حضارة الغرب الى الشرق المتخلف، بيد ان العرب لا يريدون هذه الحضارة لذا يقاومون اليهود”، وليس من الواضح فيما اذا كانت الوكالة اليهودية قد

ناقشت هذا التقرير أم لا، بيد ان من الواضح ان كامران بدرخان وهو الكردي المخول باجراء الاتصالات مع اليهود، كان يشعر بخيبة امل من الوكالة اليهودية، ويقول انها لا تفعل شيئا لشعبه” .

يبدو من خلال هذه التقارير والرسائل التي كان المبعوثين اليهود يرسلونها الى مراجعهم، من أن الامير الكردي كان يشعر بالمرارة وخيبة الامل من تصرفات الوكالة اليهودية التي كانت تريد فقط من الامير أن يكون جاسوساً بامتياز للوكالة من خلال القيام ببعض المهام الخاصة، في حين أن الامير الكردي كان فقط يريد الاستفادة من جهود الوكالة وامكانياتها المالية الكبيرة من دفع قضية شعبه الى الامام عسى أن يستطيع تلبية الحد الادنى من مطالبيه المشروعة في تلك الحقبة التي كانت شديدة على الكرد في جميع أجزاء كردستان، حيث كانت تركيا وايران والعراق قد وقعت على ميثاق سعد آباد القاضي بتهميش المسألة الكردية ووضعها في الصفوف الخلفية.

ومن جهة أخرى فقد أعد يهودا هيلمان(1920-1986م) عضو الشعبة السياسية في الوكالة اليهودية، وخريج الجامعة الامريكية في بيروت، والمراسل السابق لوكالة انباء دولية، ولجريدة (فلسطين بوست) التي أصبحت فيما بعد (جيروزاليم بوست)، تقريراً في الحادي والعشرين من شهر شباط/فبرايرعام 1946م جاء فيه: ” رغم خيبة الامل التي كان كاميران بدرخان يشعر بها، فقد كان على استعداد للمثول امام لجنة التحقيق البريطانية الامريكية لدراسة مشكلة ارض اسرائيل، وان يدلي بشهادة موالية للصهيونية”، وذلك مثلما كتب بدرخان قائلا: ” من خلال التقاء المصالح بين الحركتين اليهودية والكردية، ومن خلال التعاطف العميق مع الشعب اليهودي الذي يعاني الكثير، واعترافا بفضل صديقي (فيشر)عضو الشعبة السياسية في الوكالة اليهودية. بيد أن وعد كاميران لم يخرج الى حيز التنفيذ وأوضح الوضع الصعب الذي يعيشه، حيث يطرق رجال المباحث في لبنان منزله لذلك لا يستطيع اطلاق أي تصريح موالٍ للصهيونية رغم انه يتمنى عمل ذلك. وقد عرضت عليه (والكلام لهيلمان) وفق التعليمات التي تلقيتها من الوكالة اليهودية، على كاميران ان يشهد لنفسه ولصالح شعبه امام اللجنة، وان يطرح قضية الاغلبية العربية والاقليات، وقد وافق على ذلك ووعد بكتابة رسالة يضمنها الماحة الى عدالة القضية اليهودية، وأن يوضح الصلة القائمة بين المشكلتين اليهودية والكردية” .

والغريب أن الوكالة تريد من الامير الكردي الإدلاء بشهادته لصالح الحركة الصهيونية، فضلاً غن التطرق الى مسألة الاقليات في العالم العربي، في بلد عربي مثل (لبنان)، والامير لاجىء سياسي فيها، وان الوكالة تعرف حق المعرفة أن الامير بدرخان يتعرض الى ضغوط ومراقبة شديدة من رجال المباحث اللبنانية.

وفي 11/3/1946م بعث هيلمان رسالة الى مرجعه في الوكالة اليهودية، قال فيها:” إن بدرخان يتعامل مع الوكالة اليهودية، بثقة تامة، وأنه اجتمع مرتين مع إلات وأرزي من موظفي الوكالة، لكنه يقول، إن موظفي الوكالة، يقدمون وعوداً براقة، بيد أن هذه الوعود لا تخرج أبداً الى حيز التنفيذ العملي، لقد اقتنعت (= والكلام ليهودا هيلمان)، أن فيشر يمثل بأقواله نواياه الطيبة، وليس رأي الشعبة السياسية في الوكالة اليهودية”.

وفي الرابع والعشرين من شهر اذار/مارس عام 1946م بعث هيلمان رسالة أخرى للوكالة اليهودية جاء فيها: ” لاسفي البالغ فان بدرخان لم يف بوعده، لقد تحدث حقا في رسالته عن الاقليات والأغلبية وعن التغييرات البعيدة المدى التي يجب احداثها في الشرق الاوسط، بيد انه لم يتطرق الى اسم الصهيونية لا من قريب ولا من بعيد ولا حتى بالماحة واحدة”.

وعلى أية حال فإن هذه التقارير والرسائل تثبت محدودية قدرات الوكالة اليهودية تجاه المسألة الكردية من جهة، ومن جهة اخرى كان هناك اختلاف في وجهات النظر داخل الشعبة السياسية في الوكالة اليهودية، المخولة بإجراء اتصالات مع الكرد والآشوريين حول الاستيطان اليهودي ما بين (موريس فيشر) المتعاطف مع الكرد، وبين منافسه (إلياهو ساسون) الذي كان يشك في مدى أهمية الكرد والآشوريين للاستيطان اليهودي؛ لذلك كان ساسون لا يطيق النشاطات الواسعة والمكثفة التي كان يقوم بها فيشر من خلال إرسال أفكاره مباشرةً الى رئيس الوكالة اليهودية (ديفيد بن غوريون) والى رئيس الشعبة السياسية فيها (موشيه شاريت)، والى القيادية في الوكالة كولدا مائير(1898-1978م) التي ستصبح رئيسة الشعبة السياسية ما بين عامي1946-1948م، بعد اعتقال سلطات الانتداب البريطاني موشيه شاريت عام1946م.

وأخيرا يصف أحد الأبحاث الامير كاميران بدرخان: بأنه “عميل اسرائيلي وهو لم يكن عميلا بالمفهوم الكلاسيكي للعملاء، لكنه كان يقوم بتكليف من اسرائيل بعد قيامها باعمال سياسية حساسة وذلك على افتراض انه سينال مقابل ذلك صورة مساعدات اسرائيلية للكفاح الكردي”.

وكان الدبلوماسي الاسرائيلي إلياهو ساسون(1902-1978م) الذي أصبح مدير دائرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الاسرائيلية قد سافر في شهر يوليو/تموزعام 1948 إلى باريس وأنشأ قاعدة لإجراء اتصالات سرية مع حكومات وشخصيات عربية تمهيدا لمفاوضات مباشرة لوضع حد للحرب ولإيجاد حل للسلام، وبعد إنشاء القاعدة في باريس أخذ إلياهو ساسون اثنين من كبار موظفي الدائرة للعمل معه كطاقم، ثم انضم إليه سليم نمور، وهو من كبار موظفي الخارجية الإسرائيلية، ومن تلك القاعدة تطورت الاتصالات ونجحت، وجرى الاتصال مع الدكتور كومران (= الامير كاميران بدرخان)، الذي كان على اتصال مع حسني البرازي ومن خلاله مع حسني الزعيم (= الرئيس السوري الاسبق) بدمشق. ينظر:ابراهيم الجبين، إلياهو ساسون صحفي عمل كجسر اتصال بين العرب والإسرائيليين، صحيفة العرب، في11/10/2014م.

وإحدى العمليات السياسية التي قام بها الامير بدرخان جرت في صيف عام1948م، فقد طلب منه الياهو ساسون التوجه الى الاردن، وقد كلف بدرخان أيضاً بزيارة دمشق والقاهرة وبيروت للاطلاع على الاوضاع في تلك الدول عن كثب، ونقل رسائل الى شخصيات عربية على اتصال باسرائيل وتوجيه دعوة إليها لزيارة اسرائيل.ينظر: شلومو نكديمون، الموساد في العراق ودول الجوار، ص35-36.

يظهر من خلال هذه الرسائل والتقارير التي سبقتها أن الامير كاميران بدرخان كان يريد من خلال هذه العلاقة مع الوكالة اليهودية استغلالها وإدامتها لخدمة قضية شعبه (= الكردي) الذي كان يعاني الأمرين من خلال الانظمة التي كانت تحكم الدول التي كان الكرد يشكلون أحد المكونات الرئيسية فيها وليست أقلية عرقية أو قومية كما يحلو للبعض اطلاق هذه التسمية، ولم تكن تهمه ما تقوم به الوكالة اليهودية من خدمة الحركة الصهيونية، فتلك هي قضيتهم هم وليس للكرد علاقة بها سوى من الجانب الانساني لا غير، والاستفادة من التجربة اليهودية في المنفى من خلال دعمهم السياسي والاعلامي بل واللوجستي لخدمة القضية الكردية؛ وإلا فالكرد هم مسلمون غالبيتهم من أهل السنة والجماعة، والامير سليل عائلة كردية عريقة لها مكانتها الدينية والاجتماعية.

ففي سنة 1945م ارسلت هيئة كردية رسالة الى الهيئة المؤسسة لمنظمة الامم المتحدة لدى اجتماعها في سان فرانسيسكو مع مذكرة طويلة وخارطة شرحت فيها المطالب الوطنية الكردية التي تتلخص في كردستان حرة ومستقلة. إن التأكيد الذي ورد في المذكرة على أنه لا يمكن للسلم أن يسود في منطقة الشرق الاوسط

دون إيجاد حل للمسألة الكردية، لم يأت فيها عفوياً وبدون فائدة. ففي آب/ اغسطس أريقت الدماء من جديد في بارزان وحوصر الملا مصطفى (= البارزاني) في منطقته، مما جعله معرضاً لخطر الاستسلام، فاضطر الى العبور الى إيران والالتحاق بجمهورية مهاباد. ينظر: باسيل نيكيتين، الكرد دراسة سوسيولوجية وتاريخية، تقديم لويس ماسينيون، ترجمة: نوري الطالباني.

وعلى السياق نفسه يذكر إيلات ساسون بأنه بوصفه عضواً في وفد الوكالة اليهودية الذي ترأسه ناحوم كولدمان وستيفن وايز الى المؤتمر التأسيسي للامم المتحدة الذي عقد في مدينة سان فرانسيسكو الامريكية في نهاية عام 1945م، حاول تقديم المساعدة للوفد الكردي الصغيرالذي كان رئيسه طبيباً أمريكياً من أصلٍ كرديٍ يسكن ولاية فيلادلفيا؛ بيد أنه وجد نفسه (= أي الوكالة اليهودية) في نهاية المطاف، عاجزاً عن تقديم أية مساعدة له.

وقد قام الوفد الكردي بالعديد من المحاولات لكسب تأييد العديد من الدول للاستقلال الكردي، وعن طريق الدفع باتجاه تشكيل لجنة دولية لبحث المسألة الكردية، وإجراء نقاش حول حق الشعوب التي لم تحظ حتى الان باستقلالها. وقد قال موظف أمريكي رفيع للطبيب المذكور: رغم التعاطف الذي تحظى به قضيتكم، لا يجب عليكم أن تتوقعوا أن تقدم الولايات المتحدة المساعدة لكم، لأنه لا ترغب في توريط تفسها، وتوريط علاقاتها مع أية دولة من دول الشرق الاوسط التي تبدي حساسية بالغة تجاه مكانة الاقليات التي تعيش فيها.

ويستطرد إيلات في ذكر أسباب عدم نجاح مهمة الوفد الكردي بالقول: “لم تكن هناك دولة واحدة على استعداد للتدخل في هذه القضية رغم أنهم جميعاً كانوا يدركون أنها قضية عادلة وذلك خشية أن يؤدي هذا التدخل الى اصطدامها مع تركيا وايران والعراق وسوريا والاتحاد السوفياتي. وإزاء هذا الوضع المحبط، غادر الوفد الكردي سان فرانسيسكو حتى أن يختتم المؤتمر أماله. وقبل مغادرته سأل الطبيب المذكور إيلات: ما الذي بمقدور الوفد الكردي أن يفعله كي يحول النضال في جبال كردستان الى رافعة سياسية ناجحة؟. ويقول الدبلوماسي الصهيوني: لم أستطع الرد على سؤاله.

إن الشيء الوحيد الذي تمكنت الوكالة اليهودية آنذاك من عمله لصالح الاكراد هو دفع مبلغ خمسين ليرة فلسطينية شهرية الى بدرخان، وهو المبلغ الذي أعتبر بمثابة ميزانيته الاساسية “. ينظر: شلومو نكديمون، الموساد في العراق، ص31-32.

وسوم :