الأكثر مشاهدة

التأصیل السایكو اجتماعي والتربوي والسیاسي للفساد الأداري والمالي في العراق وما یمكن للحكومة أن تقوم بھ

د.عامر صالح
أصبح الحدیث عن محاربة الفساد الاداري والمالي في العراق مادة دسمة “رغم انعدام ثقة المواطن” لمن یرغب ان یفوز في انتخابات
برلمانیة أو یكون في منصب رئیس وزراء أو حتى ان یكون مسؤول صغیر في الدولة لأن حجم مشكلة الفساد وسعتھ واستعصاء حلھا
في الحدیث عن رموز الفساد علانیة, بل ان جمیع تلك 2003لا یمكن تصدیقھ, وقد اخفقت كل الحكومات المتعاقبة على الحكم ما بعد
الحكومات بطواقمھا متھمة بالفساد إلا ما ندر. ولأن الأمل معقودا على من یستطیع تقدیم الفاسدین الى العدالة واسترجاع المال العام فأن
الشعب یترك ھامشا من المناورة وزرع ثقة أولیة لمن یدعي محاربة الفساد.
ویتحدث الكثیر من السیاسیین، إن “الفساد المالي والإداري في العراق لیس مسألة ارقام، فما خسره العراق یفوق بأضعاف ما تتحدث
عنھ ھیئة النزاھة والجھات المختصة”، مؤكدًا أن “الموازنات الفلكیة ذھبت في جیوب الأحزاب عبر تقسیمھا، حیث كل ھمھم كان،
كیف یسرقون أكثر”. أن “الفساد لم یترك بابًا إلا وطرقھ في كل القطاعات والمؤسسات والملفات، وخلف لنا كمًا ھائلاً من المشاریع
الوھمیة وملیارات الدولارات كدیون خارجیة، فضلاً عن تحطیم الاستثمار والبنى التحتیة وتدمیر كل إمكانات الدولة”.
تجاوزت الواردات المالیة للعراق منذ الغزو الأمیركي وسقوط النظام السابق، في نیسان/إبریل 2003 ،1000 ملیار دولار، ذھب
نصفھا إلى الموازنة الاستثماریة الوھمیة، رمز “الفساد الأعظم”، وفق لجنة النزاھة النیابیة. خسر العراق، كما تقول اللجنة، أكثر من
350 ملیار دولار من خلال تھریب العملة ومزاد البنك المركزي، والعقود والمشاریع الوھمیة والمتلكئة منذ العام 2003 حتى اللحظة.
وفي تصریح سابق لرئیس الوزراء المستقیل عادل عبد المھدي، قال ان “الفساد أفقد البلاد 450 ملیار دولار مع وجود ناتح محلي
للموظفین الحكومیین بمقدار %6 ،أي بمقدار 20 دقیقة عمل في الیوم”، مؤكدًا أن “موازنات العراق منذ العام 2003 وحتى العام
الجاري بلغت 850 ملیار دولار”, وقد سلم میزانیة الحكومة فارغة الى خلفھ مصطفى الكاظمي.
یواصل الفساد نخر العراق، حیث كشفت إحصائیات برلمانیة في فترة سابقة عن وجود أكثر من 6 آلاف مشروع وھمي منذ عام 2003
كلفت العراق ما قیمتھ 178 ملیار دولار. في ھذا السیاق، قال مسؤول عراقي في مكتب رئیس الوزراء المستقیل عادل عبد المھدي، إن
المشاریع الوھمیة 30 بالمائة منھا تمت برعایة الأمیركیین، وھناك ضباط وحلقات أمیركیة مختلفة إبان الاحتلال تتورط معھا. وأضاف
أن النسبة المتبقیة من المشروعات الوھمیة، البالغة 70 بالمائة، تمت في زمن الحكومات العراقیة المتعاقبة بعد رحیل الأمیركیین،
وأكثر الفترات التي شھدت مشاریع وھمیة كانت في عھد حكومتي نوري المالكي الأولى والثانیة، بینھا مجمعات سكنیة وسیاحیة
وأخرى خدمیة قام ھو بنفسھ بوضع حجر الأساس لھا لكنھا انتھت إلى المجھول ولم تر النور، رغم أن مبالغھا تم صرفھا من الموازنة
العامة. وفي محصلة جنونیة رقمیة فأن العراق اھدر ما بعد 2003 الى وقتنا الحاضر أكثر من تریلیون و 400 ملیارد دولار, وھي
مبالغ تبنى فیھا مدن وعواصم حضاریة وتشید فیھا ابراج وناطحات سحاب وتضمن مستقبل اجیال وتؤسس منھا صنادیق ضمان
للمستقبل.
، كشف رئیس الحكومة 2019 من مارس/آذار للعام 9وفي أول جلسة للبرلمان العراقي من فصلھ التشریعي الثاني، والتي عقدت في
ملفا، غالبھا في مفاصل ومؤسسات الدولة. وشملت القائمة: “تھریب النفط، 40المستقیل عادل عبد المھدي “خارطة للفساد”، شملت
ملف العقارات، المنافذ الحدودیة، الجمارك، تجارة الذھب وتھریبھ، السجون ومراكز الاحتجاز، النقاط الأمنیة الرسمیة وغیر الرسمیة،
المكاتب الاقتصادیة بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتھرب منھا، الأتاوات و الكومشن
(العمولة)، مزاد العملة والتحویل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشھداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة
والمبیدات، تسجیل السیارات والعقود والأرقام، الإقامة وسمات الدخول”.
وتضمنت أیضا: ” الأیدي العاملة الأجنبیة، الكھرباء، توزیع الأدویة، توزیع البطاقة التموینیة، الرعایة الاجتماعیة، السلف المالیة
المصرفیة، التعیینات، بیع المناصب، العقود الحكومیة، تھریب الحدید والخردة وغیرھا، الامتحانات وبیع الأسئلة، المناھج التربویة
وطباعة الكتب، المشاریع المتوقفة، المشاریع الوھمیة، القروض المالیة، شبكة الاتصالات والإنترنت والھواتف النقالة، الإعلام
والمواقع الإلكترونیة، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحین، الاتجار بالبشر”.
تُضاف ھذه القطاعات الأربعین الرئیسیة إلى الكثیر من ملفات الفساد المُكتشفة بالأساس سابقا، لكن لم یتم تفعیل الأدوات والمؤسسات
ألف ملف للفساد، یقدر المتورطین فیھا بقرابة ملیون 13القضائیة والتنفیذیة لمتابعتھا. تقدر الحكومة العراقیة تلك الملفات بحوالي
مشتبھ، بین فاسدین ومتعاونین ومرتشین ومعطلین للقانون العام. تتراوح دائرة المؤسسات والإدارات المتورطة بھا من التعلیم
والقضاء، وتمر بالتھریب والرشاوي، ولا تنتھي بوزارتي النفط والدفاع، اللتان تُعتبران من أكثر وزارات العراق فسادا على الإطلاق.
خارطة الفساد ھذه تعكس بوضوح استباحة العراق شعبا وأرضا ووطنا ومواردا للعیش. فلا نستغرب عنما تشیر الأرقام الدولیة بأن
دولة على سلم الدول في مستوى الشفافیة في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا 176 من أصل 166موقع العراق ھو بالمرتبة
في العالم.
ترتبط بدایات جذور ظاھرة الفساد في العراق بمجمل سیاسات النظام السابق الاقتصادیة والاجتماعیة والحروب المدمرة, والتي أدت
بمجملھا إلى إفقار المواطن وحرمانھ من ابسط مقومات الحیاة الإنسانیة الكریمة, إضافة إلى ما أدت من تفتیت للبنیة الأخلاقیة والقیمیة
وضعف الوازع الداخلي, إلا إن سطوة النظام وقمعھ حصرت ظاھرة الفساد, وخاصة الإداري والمالي برأس النظام وأطرافھ, وحولت
بنفس الوقت الفساد إلى ما یشبھ الفیروس الخامل تحملھ قطاعات اجتماعیة واسعة, وجدت في إسقاط النظام والطریقة أو السیناریو التي
ھوى فیھا النظام فرصة مواتیة لینشط ھذا الفیروس ویتحول من حالة الكمون أو الخمول إلى حالة الفعالیة أو النشاط الكامل لیتحول إلى
وباء شامل ینشط بطرائق أخطبوطیة وبمدى یصعب التحكم والسیطرة علیھ أو تحدید سقف لھ, وقد وفرت الظروف السیاسیة ما بعد
السقوط وطریقة أداء الحكم بیئة صالحة لنشاط فیروس الفساد لیلتف بدوره حول السیاسة ویضربھا في الصمیم ویعید بعث ظاھرة
الفساد السیاسي المتمثلة بالاستئثار بالسلطة واستغلال النفوذ السیاسي وتكریس قیم الحزب الواحد عند الكثیر من الكیانات السیاسیة,
ولعل المثل الصیني ” الماوي ” القائل : ” رب شرارة أحرقت السھل كلھ ” یلقي مصداقیة كبیرة في تفسیر الفساد في العراق.
أن إحدى تجلیات الخوف من الفساد الإداري والمالي ھي تحولھ إلى ثقافة سائدة أو ما یسمى ” ثقافة الفساد ” مضفیا على نفسھ الشرعیة
في الشارع وفي المعاملات الرسمیة الیومیة, ومن ترسخھ كنمط سلوكي لإشباع الحاجات المختلفة والاكتفاء الذاتي, وبالتالي یتحول
الفساد من كونھ عمل منبوذ اجتماعیا وقیمیا إلى عمل یلقي الاستحسان ویندمج ضمن المنظومة الایجابیة للأخلاق والأعراف, ویعتبر
سحریة. نوعا من الشطارة أو الدھاء الشخصي لصاحبھ, وأحد معاییر الشخصیة الدینامیة والمتكیفة القادرة على حل المعضلات بطرائق
وعلى ھذا الأساس یتحول الفاسد من شخص مجرم یجب أن یساق إلى العدالة إلى شخص قاضي حاجات أو “حلاًل مشاكل “. ففي
الوقت الذي كان فیھ الفاسد یسیر منحنیا بإذلال یخشى أن یعلم بھ احد جیرانھ أو أبناء منطقتھ,ویذكرني ذلك في نھایة الستینات وبدایة
السبعینات عندما كانت تعلق صور الفاسدین” السرَاق منھم” في مراكز الشرطة ویكتب أعلاھم بخط عریض ” أحذروا ھؤلاء “, الیوم
یفتخر الفاسد بمكتسباتھ وبمھاراتھ ومالھ الحرام, ولم یعد الفاسد یخشى المواطن بل انتقل الخوف إلى المواطن وأصبح الجمیع یحسب
آلف حسابا لھ, لأنھ یمتلك السلطة والمال والقرار السیاسي, فھو الكادر الحزبي أو القیادي في حزب ما,وھو المدیر العام,وھو الموظف
الصغیر والوزیر أو عضو البرلمان وھو أیضا حامل المفخخات والأحزمة الناسفة, بل نبحث عن الفاسد لتسھیل معاملاتنا مھما كانت
صعبة, وھو الذي یأتي لنا بالماء والكھرباء والخدمات المختلفة, ویضمن لنا التعیین في أي موقع وفي أي دائرة نرغب بعد أن یمنحنا
الشھادة المزورة ویصدر لنا أمر التعین ,وكل ذلك مقابل ھدیة بحجمھ, وإذا لم نقبل بشروط الفاسد فأنھ قادر على أن یفرض علیك
من مراجعي دوائر الدولة العراقیة یدفع رشوة لانجاز معاملتھ.%80حصارا لا تقوى الأمم المتحدة على رفعھ, فلا غرابة من أن
وبالتالي یتحول الفساد كسلوك وأداة تفضي إلى بلورة جماعات واسعة من المنتفعین ورعاة المصالح الذاتیة التي تعمل على توطید
ولكن بشروط الفساد حفاظا على أوضاعھا ومكانتھا من الانھیار, وبھذا یطرح الفساد نفسھ كطریقة وبدیل عن 2003دعائم نظام ما بعد
التنمیة الاقتصادیة الشاملة وفقا للضوابط القانونیة والأخلاقیة, وتعزیز فكرة أن الفساد یعجل بقضاء المصالح والحوائج وتبسیط
الإجراءات وتسیر المعاملات مع الجھاز الحكومي, كما انھ یعمل على إعادة توزیع الثروات بشكل مشوه من خلال خلق طبقة من
أصحاب المال الصغار المستفیدین من رشاوى الحیتان الكبار, كما یزج الطبقة الوسطى” الطبقة المطلوبة رقم واحد في المشروع
خلفیة ذلك تنشأ قناعات سلوكیة واضحة تفضل الاستقرار و ” التنمیة ” مع الفساد على اللااستقرار بدونھ. الوطني الكبیر, فكرا وثقافة ومھنیة ” قي آتون الفساد فیحولھا من طبقة إنقاذ إلى طبقة متعایشة مع ظروف الفساد ومكملة لھ,وعلى
وبھذا یتحول الفساد من ظواھر فردیة متناثرة ھنا وھناك إلى عمل مافیوي مخطط یدخل سوق العمالة ویقدم خدماتھ من خلال اختراقھ
كل القطاعات الإنتاجیة والخدمیة,ویخضع لمبادئ العرض والطلب والمنافسة الكمیة والكیفیة ویتحكم بمفاصل تشغیل العمالة, وھذا ما
نشھده الیوم من تسھیل معاملات على مختلف المستویات,فھناك تسعیرات محددة لشغل مختلف المناصب من مدرس إلى ضابط , إلى
شرطي أمن, إلى مدیر دائرة والى مدیر عام , وتسعیرات للحصول على مختلف الوثائق والمستندات الشخصیة من وثائق دراسیة
وشھادة جنسیة وبطاقة أحوال مدنیة وجواز سفر وغیرھا, طبعا جنبا إلى جنب مع الفساد الكبیر الذي یخترق مختلف العقود والمشاریع
والمخصصات والاستثمارات الإنتاجیة والخدمیة التي تستھدف إحیاء البنیة التحتیة المدمرة.
أن القبول بالفساد كأمر واقع شكًل احد عوامل الضغط على المنظومة القیمیة والتربویة لدى أفراد المجتمع العراقي وفي تبدید قناعاتھ
الأخلاقیة والوطنیة, فقد انتشرت اللامبالاة والسلبیة بین أفراد المجتمع, وبروز التطرف والتعصب في الآراء وشیوع الجریمة كرد فعل
لانھیار القیم وعدم تكافؤ الفرص, كما شاعت قیم فقدان احترام العمل والتقبل النفسي لفكرة التفریط في معاییر أداء الواجب الوظیفي
وتراجع الاھتمام بالحق العام والشعور بالظلم لدى الغالبیة مما یؤدي بدوره إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بین شرائح المجتمع
وانتشار الفقر,وقد جاء ذلك على خلفیة التراكمات التي افرزھا النظام السابق متبوعة ومعززة بالإفرازات السلبیة التي سببتھا
الاستقطابات السیاسیة والتحالفات المشوه والاعتبارات الفئویة والطائفیة والقبلیة حیث غیاب مفھوم المواطنة ومصالح البلاد العلیا.
وھكذا لعبت المحاصصة بمختلف مظاھرھا سببا في شیوع الفساد الإداري والمالي, ولعبت دور الحاضنة الأمینة لھ ,فلم یتم اختیار
أفراد السلطة ولا الوظائف العامة على أساس النزاھة والعصامیة والتكنوقراط وإنما جرى ذلك وفقا لتوافقات سیاسیة واستحقاقات غیر
متوازنة ولا معقولة, وعلى ھذا الأساس استخدم الفساد كطریقة وجزء من منظومة ” الحوافز الإیجابیة ” ,” فالمظلوم ” من النظام
منصبا سیاسیا أو وظیفیا لا یحمل لھ أي مؤھل وتحت واجھات ومبررات مختلفة: خطیة یستاھل, وصاحب عائلة وأطفال وین یروح, السابق یقوم باسترداد ” حقوقھ ” بطرق غیر قانونیة كردة فعل على القمع والإقصاء, ویصبح بدوره ظالما وسارقا للمال العام كاحتلالھ
خوش آدمي صائم مصلي,أحسن ما یمد أدیھ للناس, أو یعتبر نفسھ مفصول أو مضطھد سیاسیا من النظام السابق فیقوم بتزویر الوثائق
والمستندات اللازمة لذلك لكي یسترجع ” حقوقھ “. أما المظلوم الحقیقي من النظام السابق فیعاني الأمرین لانتزاع حقوقھ, بل الكثیر
تنازل عن جدوى الادعاء بحقوقھ تحت وطأة سوء المعاملة‘كاصتدامھ بموظف كارھا لھ في الفكر أو بعثي سابق احتمى بطائفتھ
ویشغل منصبا جدیدا تكریما” لمظلومیتھ “. وھكذا وفرت المحاصصة غطاء لسرًاق المال العام وللمفسدین بصورة عامة, والجمیع
بعمل على قاعدة أضرب(أسرق) وأھرب إلى طائفتك أو قبیلتك أو حزبك أو إلى قومیتك, أو ھذا لك وذاك لي, بل وصل الأمر إلى
العبث في تفسیر النصوص القرآنیة التي لا خلاف على تفسیرھا,في محاولة لانتزاع “الاعتراف الإلھي” بأھلیة الفاسد وفساده,فعلى
سبیل المثال لا الحصر مثلا یرون في النص القرآني: “والسارق والسارقة فاقطعوا أیدیھما جزاء بما كسبا نكالا من الله” لا تشمل
العقوبة سرًاق المال العام, وأن السارق لھ حصة في ھذا المال فھو یأخذ من حصتھ, والسارق یعرف تماما أن السرقة من المال العام
ملیون عراقي, وبالتالي یستحق لیس قطع الید،بل تقطیع الأوصال(حسب بعض المفسرین), أما اللھاث 38یعني السرقة من أكثر من
وراء الفتاوى الدینیة لتحریم الحلال وتحلیل الحرام فلا حدود لھا, وعلى قاعدة ” ذبھ برأس عالم وأخرج منھا سالم ” وما أكثر العلماء
في عراق الیوم.
ویتقاطع الفساد الإداري والمالي مع الفساد السیاسي لیشكل مقدرة استثنائیة في التحكم في الأمن وبعث ” الاستقرار ” وفي انھیاره
أیضا,وتلجأ العدید من الفصائل السیاسیة في التعبیر عن قوتھا وقدرتھا على العبث في الاستقرار عبر ممارسة الفساد المقترن بالقوة
المسلحة لاختراق مؤسسات المال العام وقتل حراسھ, ثم إعادة المال واختفاء المجرمین, وھي شبیھ بالمناورات العسكریة لاستعراض
القوى” ولتأدیب ” الحلیف السیاسي عند الضرورة, ناھیك عن الإرھاب المعلن بغیر أقنعة والمدعم خارجیا والقائم على خلفیة عقائدیة
في العداء للدیمقراطیة بدون رتوش. أن اقل ما تتركھ ھذه الأسالیب من آثار تربویة ونفسیة سلبیة ھو فقدان الأمل في الاستقرار
والخضوع لتفاعلات الأمر الواقع وعدم الثقة بالنظام السیاسي باعتباره بدیلا عن النظام الدیكتاتوري السابق,إلى جانب ما یتركھ من
حالات إحباط وقنوط تتضح آثارھا بصور مختلفة من الاضطرابات النفسیة لعل أبرزھا مظاھر الاكتئاب والعدوان وإلحاق الأذى
بالذات وبالمصلحة العامة.
ومن الضروري الإشارة ھنا إلى أن في كل تجارب البلدان التي مرت في محنة الفساد بقیت لدیھا فسحة من الأمل في بعض من
قطاعاتھا خالیة نسبیا من الفساد,نظرا لارتباط ھذه القطاعات بأھداف إنسانیة كبرى ذات صلة وطیدة بمستقبل مجتمع بالكامل من حیث
الأعداد والتربیة والتأھیل وغرس روح المواطنة ونشیر منھا على سبیل المثال إلى قطاع التربیة والتعلیم باعتباره قطاعا مصدرا
لنماذج القیم المتقدمة وإعادة تولید ما ھو ایجابي ومشرف في ذھنیة الدارسین, إلى جانب كون العاملین فیھ من النخب الاجتماعیة
والتربویة التي یفترض أن تكون نماذج ومعاییر یقتدى بھا ویسمع رأیھا ,خاصة في الأزمات العامة ,إلا انھ مع الأسف كان ھذا القطاع
من الضحایا الأولى للفساد بمختلف مظاھره من تزویر وسرقة أموال الدارسین وإفساد للعملیة التربویة والتعلیمیة, منھجا وطرائفا
وكادرا ومؤسسات, بل أن المحاصصات السیاسیة والحزبیة والطائفیة والقومیة دخلت بكل حمولتھا السیئة لھذا القطاع لكي تحي في
ذاكرتنا الآثار السیئة للتبعیث,وبھذا حرم ھذا القطاع من دوره الحقیقي في محاربة الفساد بتحویلھ إلى قطاع مُصدر للفساد.
وتبقى محاربة الفساد وتجفیف منابعھ إحدى المھمات الصعبة التي تقف عائقا أمام تطور مجتمعنا ودیمقراطیتھ السیاسیة, وأن المدخل
اللازم للقضاء علیھ یتجسد في بناء دولة المؤسسات ألحقھ القائمة على سلطة القانون لا سلطة الحزب أو الطائفة أو القبیلة والقومیة,
والعمل على تفعیل النزاھة والمسائلة والعدالة ضمن آلیات عمل مفوضیة النزاھة المستقلة ویجب أن تقوم بدورھا بملاحقة المتورطین
بقضایا الفساد وتقدیمھم للعدالة باختلاف مناصبھم ووظائفھم ومسؤولیاتھم وأنتمائاتھم الحزبیة والطائفیة والقومیة, والجرأة الكاملة
والواضحة في مكافحة الإرھاب بشدة باعتباره لونا من ألوان الفساد وخاصة عندما یستخدم للوصول إلى أھداف سیاسیة, والحفاظ على
قطاع التربیة والتعلیم وتخلیصھ وتحًیده من الصراعات الطائفیة والحزبیة والسماح لھ بأداء دوره الإنساني والوطني في محاربة الفساد
على نطاق واسع, فھو صمام الآمان لخلق جیل مؤمن بقیم النزاھة والحق والعدالة,وإعادة تولید القیم الایجابیة في أذھان رجال
المستقبل.
مصطفى الكاظمي رئیس الوزراء العراقي الحالي و رجل المخابرات العراقیة ورئیس جھازھا كما یقال عنھ, یفترض أنھ كان عارفا
بكل شاردة وواردة وھو الحارس الأمین للمعلومة الأمنیة في حفظ حیاة الشعب, وعلیھ أن یفھم إذا رغب, أن الفساد في العراق وھو
نتاج لفساد نظام المحاصصة الدینیة السیاسیة والأثنیة, وعلیھ استغلال الوقت للشروع بالخطوات الفعلیة للأصلاح الشامل, بعیدا عن
مضیعة الوقت وضغوطات الأحزاب الطائفیة والاثنیة او الارتھان الى اجندة تفكیك العراق. ومن ھنا ومن برنامج الكاظمي علیھ البدء
بما یلي: إجراء انتخابات مبكرة بعد استكمال القانون الانتخابي، وتفعیل مفوضیة الانتخابات وتطبیق كامل لقانون الأحزاب بالتعاون مع
الأمم المتحدة. فرض ھیبة الدولة من خلال حصر السلاح بید المؤسسات الحكومیة والعسكریة. فتح حوار وطني بھدف الاصغاء
لمطالب حركة الاحتجاج السلمي والشروع بحملة شاملة للتقصي والمساءلة بشأن أحداث العنف التي رافقتھا وتطبیق العدالة بحق
المتورطین بالدم العراقي. إعداد مشروع قانون موازنة استثنائیة لمواجھة الأزمة الاقتصادیة وتداعیات انھیار النفط، فضلا عن تسخیر
إمكانات الدولة لمكافحة جائحة كورونا. حمایة سیادة العراق وأمنھ وإنتاج رؤیة وطنیة مشتركة للتفاوض بشأن مستقبل وجود القوات
الأجنبیة ضمن نطاق عمل أمن البلاد واستمراریة مكافحة فلول الإرھاب وخلایاه. إجراء مفاوضات جادة مع قیادات دول التحالف
الدولي بما یضمن تحقیق تطلعات الشعب بالسیادة الوطنیة الكاملة في ضوء مصالح العراق وعدم المساس بأمنھ الداخلي. عدم استخدام
أرضي العراق للاعتداء على أي من دول الجوار جیران وعد السماح بتحویلھا الى ساحة لتصفیة الحسابات الإقلیمیة والدولیة. تتعاطى
الدولة مع مؤسسات رسمیة في علاقاتھا الخارجیة وفي نطاق قواعد الدبلوماسیة الدولیة ولیس مع أشخاص أو جھات غیر رسمیة.
تؤسس الحكومة العراقیة مجلسا استشاریا شبابیا تطوعیا مرتبطا بمكتب رئیس الحكومة یمثل المحافظات كافة ویتم التنسیق مع ھذا
المجلس بشأن الخطوات الحكومیة الخاصة بمجال الإصلاح، ویكون لھ دور في صیاغة آلیات دائمة لحمایة الحق في التظاھر وضمان
سلمیتھ. مكافحة الفساد وتفعیل الملفات المعطلة وتطبیق القانون على الفاسدین مھما بلغ نفوذھم. البدء الفوري بتدقیق السجلات المالیة
للشركات الحزبیة والشخصیات وأصحاب رؤوس الأموال المشكوك بحصولھا على أموال بطریقة غیر مشروعة.
أن البلاد تقف الیوم على مفترق طرق بسبب الازمات الاقتصادیة والسیاسیة والاجتماعیة والصحیة التي انھكتھا، وان انتشالھا یستلزم
الإسراع في معالجة ملفات الإصلاح والتغییر التي طرحتھا الانتفاضة وشدد علیھا المنھاج الحكومي والمذكورة بعض من نقاطھ اعلاه
وھي مقدمات لازمة لمحاربة الفساد على نطاق واسع واقتلاع جذوره ورموزه السیاسیة. فھل ھناك غطاء برلماني للسید الكاظمي كي
یفي بوعوده لفتح واثارة مختلف الملفات والتأسیس لمعالجتھا موضوعیا, أم ان الأوضاع مفتوحة لمختلف الاحتمالات وان الوقت یجري
سریعا لیست لمصلحة الكاظمي فقط, بل لكل العملیة السیاسیة في البلاد, وقد تندفع البلاد الى حافة المجھول وعندھا لا یوجد رابح من
خیارات لا تحمد عقباھا.

وسوم :