الأكثر مشاهدة

فرض ھیبة الدولة وسلطة القانون وسیكولوجیا النفاق السیاسي

د.عامر صالح
ھو النفاق السیاسي وغیاب المشروع الوطني لبناء الدولة العراقیة 2003من المفارقات الحادة في المشھد السیاسي في العراق ما بعد
لدى معظم القوى السیاسیة, فقد تراوحت مواقف القوى السیاسیة بین مرحب ومبارك ومصاحب للأحتلال الامریكي, وبین رافض لھ
بخجل وحیاء مبتذل, وقد تھافتت اغلب القوى السیاسیة والاسلامویة السیاسیة والأثنیة على تقاسم كعكة العراق ووضعھ على طریق
الضعف والتفكك المتواصل والانھیار لمؤسسات الدولة ثم اغراقھ في الفساد الاداري والمالي الذي أفلس الدولة العراقیة الیوم مما
سیدفعھا للأقتراض الخارجي والداخلي. ثم لاحقا ممارسة النفاق بمطالبة القوات الامریكیة والاجنبیة بالخروج من العراق دون قید او
شرط ودون ادنى مسؤولیة تقع على عاتق المحتل الذي ساھم الى جانب القوى السیاسة بألحاق الأذى والخراب في حاضر العراق
ومستقبلھ, وھذه المطالبات والتي ھي مشروعة لمن یدعي بھا من القوى الوطنیة المخلصة, ولیست من یطالب بھا تحت ضغوطات
واجندة اقلیمیة واستجابة لمزاج متھور وانفعالات الساعة والتي قد تؤدي بالعراق الى ما لا یحمد عقباه في ظل ضعفھ الحالي
والتھدیدات الاقلیمیة والارھاب العالمي المتمثل بداعش واخواتھا.
ولعل ابرز ملامح الشخصیة المنافقة ھو: القدرة على المراوغة والتحایل والتقلب في المواقف, التشبث في الخطاب الدیني أو السیاسي
أو الاجتماعي لإسناد تصرفاتھ المختلفة, الكذب المتواصل في الحدیث وفي العلاقات الاجتماعیة, خیانة الأمانة, الإخلاف في المواعید,
التحكم في الانفعالات وإظھار نقیضھا بما یبعد عنھ تھمة النفاق, یحاول المنافق الاھتمام بالمظھر الخارجي كجزء من سیكولوجیا
الظھور لاختراق الوسط الاجتماعي الذي یتواجد فیھ مقرونا بحلاوة اللسان وإجادة لغة الجسد كتعبیرات الوجھ وحركات الیدین وغیرھا
من الصفات والصفات المضادة ذات الطابع التمویھي . وھناك الكثیر من الإدانة للمنافق في الموروث الثقافي الشعبي وتأكید خطورتھ,
فعلى مستوى الإدانة, عندما تسأل شخصا, ما ھو الفرق بین الكلب والمنافق فأن الجواب یكون : أن ذیل الكلب في أعلى ” مؤخرتھ “,
وذیل المنافق في أعلى مقدمتھ “لسانھ “, أما على مستوى خطورة المنافق فیقال : أن أفعى لسعت ” منافقا ” فتسممت…وماتت.
وھذا النوع من النفاق ھو نفاق “المؤمن الفاسد”, ولا نعني بھ حصرا فقط على المؤمن الذي یعتنق إحدى الدیانات السماویة أو غیر
السماویة ویبتعد عنھا في الممارسة العملیة, بل تشمل أیضا كل ما یعتنقھ الفرد من أفكار ومعتقدات وإیدیولوجیات سیاسیة ذات طبیعة
أخلاقیة واجتماعیة واقتصادیة ایجابیة إلى حد ما استنادا إلى معاییرھا المعلنة في الخطاب النظري, ولكنھ في الممارسة العملیة
والحیاتیة یتصرف ویصوغ سلوكیاتھ الفردیة وحتى السیاسیة بالضد من ھذا الخطاب, فیتحول ھذا الفرد إلى ” مؤمن فاسد ” یعث في
الأرض فسادا وظلما وجورا, متسلحا بتفسیرات ذاتیة ومصلحیھ للخطاب المعلن لإشباع رغباتھ الشخصیة بما فیھا القتل وفساد الأخلاق
وحرمان الآخرین من حقوقھم, مستندا إلى سلطة ما ” دینیة, أو سیاسیة, أو اجتماعیة أو مالیة وغیرھا ” كغطاء تسمح لھ بذلك, ولذلك
فأن المؤمن الفاسد لیست فقط من خرج عن دینھ, وان كان الخروج عن الدین ھو الفساد الأعظم كما ھو شائع شعبیا, وبھذا قد یكون
المؤمن الفاسد ھو من المتدینین بلباس الدین وطوائفھ, أو من دعاة القومیة أو الوطنیة وغیرھا من الانتماءات.
وینخرط ” المؤمن الفاسد ” في منظومة الفساد المجتمعیة: الاقتصادیة, والإداریة والمالیة, والاجتماعیة, والأخلاقیة, والثقافیة وحتى
الدینیة وغیرھا من منظومات الفساد المختلفة, عبر مختلف أعراض ومظاھر الفساد وأسالیبھ وألوانھ المختلفة, من محسوبیة ومنسوبیھ,
وبیروقراطیة إداریة, واستغلال المنصب العام, والغش والتزویر, والنصب والتحایل وسرقة المال العام, والفساد الأخلاقي والقیمي
وتغیر معالم الثقافة الوطنیة ورموزھا والتجاوز على الرموز الدینیة والإخلال بسمعتھا.
أما دولة “المؤمن الفاسد” إن كانت بلباس دیني أو قومي أو “وطني” عام, فھي دولة المعتقلات والسجون والاستبداد ومصادرة
الحریات الشخصیة والعامة على طریق استعباد مواطنیھا وتحطیم نفسیا تھم وإذلالھم, وتجري ھذه الممارسات بواجھات مختلفة
ومبررات وھمیة, منھا على سبیل المثال, إن ھناك خطر خارجي قادم یھدد الأمن القومي والوطني مما یستدعي “تعبئة الجھود
ومصادرة الحریات” لأنھا عائق أمام ذلك, أو أن التنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة والحفاظ على اتجاھاتھا لا یحتمل تعدد الآراء والتنوع
السیاسي وبالتالي فأن القمع والحد من المعارضة السیاسیة ھو من مؤشرات نجاح التنمیة وملازم لھا وضمانتھا الأكیدة.
ودولة المؤمن الفاسد في العراق لیست لھا ” مناطق عفة محصنة ” فھي تضرب كل القطاعات دون رحمة, وھي أشبھ بفیروس في
جسد بلا مناعة, وھذا الفیروس یتسلل إلى نواة الخلیة ( نظام الحكم ومؤسساتھ وقطاعاتھ بدون استثناء) فیصیغ برامجھا طبقا
لاحتیاجاتھ ثم یتسلل إلى المجتمع فینشر المرض وتتغیر البرامج كلھا طبقا للبرنامج الفیروسي. أن فیروس دولة ” المؤمن الفاسد ” یفسد
عملیة التقدم والتطور الاجتماعي المخطط , حیث یفتت المؤسسات اللازمة لذلك ویحولھا إلى مؤسسات فئویة ترعى فئة معینة من
المجتمع كما ھو الحال في نظام المحاصصات الطائفیة والعرقیة ویعیق تشكیل مؤسسات بحثیة وعلمیة مستقلة خاصة بذلك؛ كما أن ھذا
الفیروس یعطل العملیة السیاسیة ویعیق جھود التنمیة والأعمار من خلال تعطیلھ لدور المعارضة الحقیقیة باعتبارھا تلعب دور الرقیب
على الحكومة في الدول الدیمقراطیة المستقرة, إلا إن ھذا الفیروس الذي یتكئ على خلفیة نظام المحاصصة الطائفیة أو التوافقیة یلغي
دور المعارضة الحقیقیة, لأن ھذه ” المعارضة ” لھا یدا في الحكومة تحجم عن دورھا الرقابي, وبالتالي یكون الصراع من اجل إفشال
للسلطة, ویدعي كل طرف ھو الأفضل على خلفیة التعصب والتعنت الدیني والطائفي والعرقي. الحكومة ولیست تقویم عملھا, ویسعى الطرف الحاكم أیضا إلى التمادي وتعطیل العملیة السیاسیة وعدم السماح للتداول السلس والسلمي
أن دولة ” المؤمن الفاسد ” تشكل بیئة مواتیة لفیروس الفساد بألوانھ المختلفة وللمحسوبیة والمنسوبیة والولاء الحزبي الضیق, ففي دولة
المحاصصة الطائفیة والتوافقیة كالعراق حیث یقف عالمیا في قائمة الدول التي تعاني من الفساد الإداري والمالي, فأن ھذا النظام ھو
وتبقي الامتیازات حكرا على زعماء الطائفة وأبنائھم أو رؤساء أحزابھا. أفضل وسیلة لترعرع ونمو الفساد, وان كان في ظاھره یبدو وكأنھ ینصر أبناء طائفتھ ولكنھ في الواقع یبقي أبناء الطائفة في فقر مدقع
أن نظام المحاصصة الطائفیة والتوافقیة باعتباره نموذجا لدولة ” المؤمن الفاسد ” یشكل عوامل طرد لاستبعاد الكفاءات العلمیة
والوطنیة, حیث یستند في شكلیاتھ إلى الطائفة كمعیار للانتقاء والولاء ولیست معاییر النزاھة والكفاءة العلمیة بعیدا عن الانتماءات
الضیقة, وبھذا یحرم المجتمع من الانتفاع بمواھب أفراده المختلفة والتي لا صلة لھا بالانتماء الطائفي.كما یخل نظام المحاصصة بالسلم
الأھلي والاجتماعي, ویخل بمبدأ المساواة بین المواطنین في الوظائف العامة ویضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة من خلال تخندقھ
والمنصوص علیھا في المواثیق الدولیة. الطائفي في أطره الجغرافیة, كما یضعف سیاسة الدولة ووحدتھا في الخارج كما یتعارض ھذا النظام مع حقوق الإنسان وصیانتھا
یعیش العراق حالة من الترقب بعد أن أعتقل جھاز مكافحة الإرھاب العراقي عناصر تابعة لملیشیات في العاصمة بغداد، فیما صار
یعرف بـ”حادثة الدورة” نسبة إلى المنطقة التي جرى فیھا الاعتقال. وكانت قیادة العملیات المشتركة أعلنت في بیان الجمعة الماضي أن
متھما” باستھداف مواقع عسكریة ومدنیة بالصواریخ. ومباشرة بعد تسریب خبر عملیة 14جھاز مكافحة الإرھاب ألقى القبض على ”
الاعتقال، انتشر المئات من عناصر میلیشیا كتائب حزب الله في شوارع بغداد وجابوا بأسلحتھم الخفیفة والمتوسطة الأحیاء القریبة من
المنطقة الخضراء وفقا لوسائل الأعلام المختلفة. وانتشرت مقاطع فیدیو تظھر عناصر حزب الله بعجلات مختلفة یتجولون في العاصمة
ویرددون ھتافات منددة برئیس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ومتوعدة بالانتقام منھ. كما تمكن بعض عناصر ھذه المجموعة من
الدخول للمنطقة الخضراء “بعجلات حكومیة وبدون موافقات رسمیة متجھة نحو مقرات حكومیة من داخل المنطقة الخضراء
وخارجھا وتقربت من أحد مقار جھاز مكافحة الارھاب داخل المنطقة الخضراء” في بغداد، كما أفاد البیان العسكري العراقي.
وقد سبقت ھذه الاحداث خطاب للسید مصطفى الكاظمي متوعدا بحصر السلاح بید الدولة وعدم السماح للملیشیات المنفلتة لفرض
اجندتھا على الشارع والسیاسة العراقیة, وعدم السماح بالمساس بھیبة الدولة وأمنھا, الى جانب تطویر القطاع الأمني واصلاحھ,
), العمل على اجراء انتخابات برلمانیة مبكرة, 19ومكافحة الفساد, والتصدي للأزمة الصحیة المتمثلة في جائحة كورونا( كوفید ـ
صون السیادة العراقیة, الارتقاء بالمسائلة والعدالة, واطلاق حوار وطني, تعزیز عودة النازحین الى مناطقھم الأصلیة وتعزیز
الاقتصاد.
لقد كان الھجوم على ھذه المجموعة المسلحة بموجب مذكرة قضائیة وفقا لقانون الارھاب ھو عملیة جس نبض قام بھا الكاظمي
لأستتقراء ردود الافعال لدى القوى السیاسیة ومدى صدق مواقفھا في مطالبتھا بتكریس دولة القانون والقضاء والحد من الاستھتار
المسلح, وھذه ھي بمثابة عینة سلوكیة مصغرة اقدمت الحكومة العراقیة على فحصھا كي ترى ماذا یحصل لو اقدم الكاظمي على ملفات
اكبر واعظم من الھجوم على مخابئ صاروخیة.
وكانت ردود الافعال مختلفة, ففي الوقت الذي فرح فیھ الشارع العراقي وقطاعات واسعة من الشعب العراقي معلنین تأییدھم لخطوة
متظاھر في 700رئیس الوزراء في البدء بخطوات جدیة لأن الشعب أذاق الأمریین من السلاح المنفلت وقد دفع ضحیتھ اكثر من
احتجاجات اكتوبر وآلاف الجرحى والمعوقین, جاءت ردود افعال اغلب السیاسیین والكتل السیاسیة البرلمانیة والاحزاب انطلاقا من
طیبعتھا الازدواجیة المنافقة بعدم قناعتھا بالعملیة العسكریة التي قام بھا جھاز مكافحة الارھاب, بل شككوا بالتوقیت وربطوھا اشتراطا
بملفات اخرى.
فالأحزاب غیر المسلحة صمتت خوفا من دولة الملیشیات العمیقة, والاحزاب الاخرى المسلحة وذات الملیشیات اعلنت رفضھا العملیة
وتوعدت بمصطفى الكاظمي سوء, كما ان الكتل الأسلامویة الكبیرة والتي تدعو شكلیا الى ھیبة الدولة ونزع سلاح المجامیع السائبة
سكتت دون تأیید للعملیة العسكریة ولأنھا متحابة في الخفاء مع الملیشیات وحاضنة لھا, والبعض الآخر لجأ الى تسفیھ العملیھ
واعتبارھا صراع تصفیة حساب بین جھاز مكافحة الارھاب والحشد, ویتخوف البعض من تصاعد شعبیة مصطفى الكاظمي على
خلفیة الخطوات التي یقوم بھا وبالتالي فأن تعزیز ھیبة الدولة یشكل تھدیدا للقوى التي لایمكنھا العیش في ظل نظام وسلطة القانون, وقد
اعتقد البعض ان خطوة الكاظمي ھذه ھي استعراضیة ومادة للأستھلاك الأعلامي, فأذا ما اراد الكاظمي الأقدام على معالجة كافة
الملفات فعلیھ اولا الأخذ بأجماع برلماني یشكل الأسلام السیاسي الشیعي اساسھ, وھذا امر صعب لأن ھناك كتل غالبة فیھ متھمة
بالفساد والسلاح والانفلات المجتمعي. ونقول ھنا للحق أن كتل سیاسیة صغیره دعمت واعلنت عن وقوفھا الى جانب خطوات
الكاظمي.
خطوة الكاظمي الأستباقیة ھذه ھي مؤشر لمدى صعوبة اقدامھ على خطوات اخرى بما فیھا مكافحة الفساد طبعا وستكشر الكثیر من
القوى السیاسیة عن انیابھا في وقوفھا علنیة ضد محاربة الفساد ورموزه وضد نزع سلاح الملیشیات السائبة وضد سلطة الدولة
من الشعب لا یمكن لھا ان تمثل طموحات %20وھیبتھا, فالقوى السیاسیة او الكتل البرلمانیة والتي تتمتع بشرعیة شعبیة تقل عن
الشعب في برنامجھ للأصلاح والتقدم الاجتماعي وبناء دولة المواطنة, وبالتالي نرى ان الاصلاح الجذري للعملیة السیاسیة عبر
انتخابات مبكرة واقرار قانون انتخابات جدید وتشكیل مفوضیة انتخابات نزیھھ تشكل المدخل اللازم والضروري للبدأ في الأصلاح,
واعتقد ان السید الكاظمي یحتاج الى تكاتف من الشعب والمنتفضین معھ ولو مرحلیا لحین البدأ بأنجاز مھمتھ الصعبة جدا.

وسوم :