الأكثر مشاهدة

سوء التشریع ورداءة التنفیذ

علي علي
كنتیجة حتمیة لما عاشھ العراقیون خلال الحقب التي مرت علیھم جمیعھا، باتت أوضاعھم الحیاتیة مضطربة، لاتكاد تستقر
حینا حتى تتدھور أحیانا كثیرة، وماھذا إلا لانعدام المنظومة المؤسساتیة الحقیقیة التي تتولى حكمھم بشكل منصف وعادل
وأمین.
فقد أشبع أغلبھم فكره وظنھ وحتى عقیدتھ، بوحدانیة القائد وفردیة الرئیس، فاختلق “قالبا” وضع فیھ مایتمناه من مواصفات
وكفاءات ومؤھلات، وشخصن وظیفة الحاكم والرئیس والقائد وحصره بشخصیة فلان أو علان، ظانا أو حالما بأنھ فارس
الأحلام كل المواصفات الحسنة، ملبسا إیاه النزاھة والمصداقیة والمھنیة والأمانة. الأحلام، وھو الذي سیتولى أمره وأمر معیشتھ ومستقبلھ، فضلا عن حاضره، فأغدق على ھذا الـ “صنم” المصنوع من عسل
ھذه “الصنمیة” في اختیار القائد بسلم الوظائف الحكومیة لیست ولیدة الیوم -كما أسلفت- وھذا مالوحظ بشكل جلي
بالممارسات الدیمقراطیة المتمثلة بالانتخابات الاربعة الماضیة، إذ كان السؤال المتكرر على الألسن جمیعھا ھو: “إلمن راح
أنتخب؟!” في حین كان الأولى والأكثر جدوى ھو السؤال: “مابرنامج فلان؟!” أو: “مامؤھلات علان؟!”. لذا فقد حصد
العراقیون جني سؤالھم الأول المحصور بالشخص ولیس ببرنامجھ وخططھ وماسیقدمھ للبلد.
أعود الى المؤسسات ودولة المؤسسات، لو أردنا النظر إلیھا أو تحقیق وجودھا على نحو مصغر، فإن أقرب مثال لنا ھو
اللجان النیابیة الدائمیة في مجلس نوابنا، إذ أنھا حلقة الوصل التي تربط المواطن، بممثلیھ في دولتھ، وھي التي تصطفي
الصالح من القرارات والقوانین، فتحث النواب ورئیسھم على إقرارھا، وبالمقابل فھي -اللجان النیابیة- تبعد شبح الطالح من
بأدائھا ما یصبو الیھ الشعب. لكن كما یقول مثلنا؛ “بعید اللبن عن وجھ مرزوگ”..! فمنذ عام 2003″ عام السعد”، القوانین التي تتنافى مع مصلحة البلاد والعباد، وبھذا تكون اللجان النیابیة -مجتمعة- دولة المؤسسات المرجوة التي یتحقق
والحوارات والسجالات في موضوع اللجان النیابیة على قدم وساق، من “لدن” رؤساء مجلس النواب الذین تعاقبوا على تولي
منصب رئاستھ، ولكن، لسوء حظ العراقیین لم یصل المجلس الى نتیجة مرضیة الى الیوم تفي بالغرض المرسوم لھذه
اللجان، وھذا الأمر من جملة الأمور التي دفعت العراقیین الى زاویة التظاھر، بل والانتفاض على واقعھم المریر الذي باتوا
محصورین فیھ، بین فكي سوء التشریع ورداءة التنفیذ، علاوة على تھمیش حقوقھم واستبعاد النظر في مصالحھم عند إقرار
القوانین والقرارات على أیدي اللجان والبرلمان رؤساءً وأعضاءً. فالذي یجري تحت قبب مجالس البلد لایتعدى تقسیم الفوائد
والأسھم والأرباح، بعد الجھود المبذولة في إحالة المشاریع والمقاولات الحقیقیة منھا والوھمیة، لترسو في نھایة المطاف في
جیوب ممثلي الشعب ومنفذي قراراتھم.
ومازال “فایروس” المحاصصة المسرطن یسري في جسد الدولة والحكومة، ومازالت المصالح الفئویة والحزبیة ھي
الركیزة الأثقل التي یتم توزیع المھام والمناصب على ضوئھا، ومازال الخلاف على ھذه الحیثیات قائما بل في تصاعد
یتزامن مع الضغوط التي یتعرض لھا رؤساء المجالس الثلاث في البلد، والضغوط ھذه عادة ما تفضي الى التسلیم للأمر
الواقع والاستسلام أمام “الضاغطین” وحینھا یكون أقرب قرار الى الرئیس ھو “اتباع التوافق السیاسي”، وبھذا القرار
یوضع المواطن تحت مطارق عدة، فیغدو أمره كما یقول مثلنا: “یخلص من الطاوه تتلگاه النار”، وھنا الطامة الكبرى الثانیة
-إذا علمنا أن الطامات الكبرى في عراقنا الجدید كثیرة-.
وما تظاھرات المواطنین العارمة التي اجتاحت شوارع العاصمة والمحافظات منذ أشھر عدة، إلا ولیدة التباطؤ
والتواطؤ، والإھمال والإغفال، ووضع حبل الحساب والعقاب بحق المسيء من المسؤولین على غارب محمل الجد، فكان
بھذا التھاون تقھقر حال المواطن في مستلزمات عیشھ جمیعھا، في وقت كان یأمل أن یكون العراق الجدید جدیدا في كل
شيء.
[email protected]

وسوم :