في سیكولوجیا التعذیب في العراق ـ قوات حفظ النظام والفیدیو المسرب

د.عامر صالح
نشر مغردون عراقیون یوم السبت، فیدیو یظھر فیھ مراھق وقد جرد من ملابسھ بالكامل بینما یستجوبھ أفراد یرتدون ملابس تبدو
عسكریة، موجھین لھ الإھانات، بینما یقطع أحدھم شعره باستخدام آلة حادة, وكان الفیدیو مقرفا ومخدش للحیاء بكل ما ورد فیھ من
سنة, الى جانب استخدام الألفاظ السوقیة النابیة بحقھ, والتي لا تعبر عن اخلاق قوات حفظ النظام 16تعامل مع الشاب الحدث في عمر
كما ینبغي, والذین یجب ان یتحلوا بثقافة حقوق الانسان في التعامل مع حالات الأعتقال او عموم سلوكیاتھم المھنیة والتي یجب ان
ترتبط اصلا بالحفاظ على ارواح المواطنین والتعامل وفق القانون واللوائح الانسانیة التي اقرتھا القوانین العراقیة ومنظمات حقوق
الانسان, ولكن على ما یبدوا ابتلاء ھذه الاجھزة الأمنیة بالمحاصصة الطائفیة والسیاسیة والاجندة الحزبیة في تركیبة تلك الاجھزة لم
یترك فسحة انسانیة لعمل تلك الاجھزة على اسس من التعامل الانساني النزیھ والمھني, مما یضع المواطن ضحیة سھلة لأفتراس تلك
الاجھزة, التي اصبحت ملاذا لمن لم یحصل على عمل في القطاعات المدنیة, كما ان البطالة في القطاعات الأجتماعیة الاخرى دفعت
الكثیر للأنتساب لتلك الاجھزة بعیدا عن النزاھة في المھنیة وشروط الاختیار وبعیدا عن دراسة الخلفیة الاجتماعیة والنزاھة العامة
للمتقدم لتلك الاجھزة, مما ترك تلك الاجھزة فریسة لمختلف السلوكیات المنحرفة والسیكوباتیة للعدید من منتسبیھا.
وقد اكدت وزارة الداخلیة، انھ تم تدوین أقوال المشتكي المجني علیھ الذي طالب بالشكوى وتوجیھ الاتھام ضد من قام بھذا الفعل،
مؤكدة انھ تم التعرف على ھویة مرتكبي ھذا الفعل الاجرامي، وباشرت فرق العمل بإجراءات القاء القبض علیھم واحتجازھم لاستكمال
التحقیق معھم واتخاذ الإجراءات القانونیة اللازمة لإنجاز التحقیق وعرض النتائج أمام القائد العام للقوات المسلحة. واوضحت الوزارة،
انھ لثبوت وجود تقصیر في القیادة والسیطرة من قبل قائد قوات حفظ القانون وجھ القائد العام للقوات المسلحة بإحالتھ إلى الامرة وإعادة
القانونیة، لا أن یكون ھو نفسھ أداة خرق للقانون والاعتداء على المواطنین بالصورة البشعة. النظر بھذا التشكیل الذي من المفترض أنھ تم استحداثھ لتعزیز سیادة القانون وحفظ الكرامة الإنسانیة ومحاربة كل المظاھر غیر
ھذا الحدث والتعامل المشین یعزز المزید من التساؤلات والاقتراب من الاجابة علیھا, وھي من كان یقف وراء قتل وتعذیب المئات من
الابریاء المحتجین منذ اندلاع انتفاضة الاول من اكتوبر في العام الماضي والى اخر الشھداء والضحایا الذین وقعوا في نھایة شھر
ومن یقوم بالاختطاف والاعتقال الكیفي والتغییب للمحتجین, وان اقرب الدلائل الأخیرة تشیر الى القتل ببنادق الصید من 2020تموز
قبل أفراد محسوبین على القوات المسلحة الحكومیة والذین جرى اعتقالھم وھم قید التحقیق” حسب المصادر الرسمیة “.
جاء 2020وعلى خلفیة تلك الاحداث اصدرت المنظمة العلیا لحقوق الانسان في العراق بیان یوم السبت في الاول من آب
فیھ أن المفوضیة تعرب عن استھجانھا لتصرفات القوات الامنیة وفي مقدمتھا قوات حفظ القانون بالتمادي في أنتھاك حقوق
المطالبین بالحقوق. المواطن العراقي وأمعانھا في استخدام العنف اللفظي والتعذیب الجسدي المھین الذي یحط من كرامة المتظاھرین السلمیین
وأكدت المفوضیة في بیانھا ان الكثیر من التصرفات المسیئة رصدتھا فرقھا الرصدیة في العدید من ساحات التظاھر وتم
ابلاغ الحكومة العراقیة واجھزتھا التنفیذیة وقواتھا الامنیة بضرورة الزام منتسبیھم بعدم التمادي في انتھاك حقوق
المتظاھرین والالتزام بالمعاییر الدولیة لفض التظاھرات وأحترام كرامتھم وأعتماد آلیات الاشتباك الآمن الذي یضمن حیاة
على الاساءة للمواطن وانتھاك حقوقھ والحط من كرامتھ وھي بحد ذاتھا جریمة یعاقب علیھا القانون. المتظاھرین والقوات الامنیة على حد سواء. فیما أضافت أن تجاھل قیادة التشكیلات الامنیة “لتوصیاتنا” شجعت منتسبیھا
وطالبت المفوضیة العلیا لحقوق الانسان في العراق رئیس الوزراء و وزیر الداخلیة بعدم التسویف والمماطلة وتحمل
الدستوریة، وانتزاع الاعترافات بالاكراه “خلافا للأتفاقیة الدولیة” لمناھضة التعذیب المصادق علیھا من قبل العراق. المسؤولیة بالكشف عن “منتسبیھا المنتھكین لحق التظاھر وكرامة المواطن” وتقدیمھم للقضاء لأنتھاكم حقوق الانسان
یُعرف التعذیب تعریفات مختلفة، ولكن التعریفَ الأكثر استخداماً ما ورد في المادة الأولى من اتفاقیة الأمم المتحدة لمناھضة التعذیب
، والتي عرَّفت التعذیب على أنھ ” أي فعل یُحدَث فیھ الألم أو تُسبَّب من خلالھ المعاناةُ الشدیدة، سواءً الجسدیة أو العقلیة، 1984لعام
قصداً، لشخص ما “. والتعذیب جریمة یعاقب علیھا القانون الدولي.
یُعد الألم المزمن من أشیع الآثار التي یعانیھا الناجون بسبب مركزیة الألم وشدة العدید من ممارسات التعذیب القاسیة والمدمرة. ولھذا
السبب یمكن أن تستمر الآثار النفسیة فترة طویلة، أو أن تتطور بعد مدة معینة من الزمن. ومن المحتمل أن یختبر الناجون من التعذیب
ألماً مستمراً ومشكلات نفسیة تظھر في سیاق صعوبات اجتماعیة ومالیة.
وللتعذیب مخاطر بالغةٌ لفھم الأعراض النفسیة والجسدیة للناجین، فلكل قصة نجاة تفاصیلُھا التي تؤثّر في كلِّ حالة خصوصاً. وتتباین
ھذه المشاعر بین الھزیمة والیأس والكبریاء والبقاء على قید الحیاة والمرونة. تُقسم أنواع التعذیب إلى: الاعتداءات البدنیة, والتعذیب
النفسي, والحرمان من الظروف الانسانیة” مثل الحرمان من الطعام والماء”, والتحفیز الحسي المفرط” مثل التعرض المستمر
للضوضاء”.
آثار التعذیب: الآثار الجسدیة الطویلة الأجل: الندبات، والصداع، وآلام العضلات والعظام والقدم، وفقدان السمع، وآلام الأسنان،
والمشكلات البصریة، وآلام البطن، واضطرابات القلب والأوعیة الدمویة، وإصابات الجھاز التنفسي والعصبي. الآثار النفسیة الطویلة
الأجل: صعوبةُ التركیز، والكوابیس والأرق، وفقدان الذاكرة، والتعب، واضطرابات القلق والاكتئاب وحتى محاولات الانتحار،
واضطراب ما بعد الصدمة.
أن بناء الأجھزة الأمنیة على اساس القوة ولیس على السلطة الشرعیة النابعة من المجتمع یعتبر احد مصادر استخدام العنف المفرط
واللامسؤول, وعدم الحیادیة لھذه الاجھزة یعتبر احد مصادر تھدید السلم الاجتماعي وانتشار الجرائم المنطمة وشیوع المافیات المحمیة
من قبل اجھزة امنیة مخترقة وھي تقترب من اداء المیلیشیات ولیست الاجھزة الامنیة المستقلة, كما ان الطائفیة والمحاصصتیة في بناء
ھذه الاجھزة تركھا فریسة في عدم اداء مھماتھا في حفظ كرامة الفرد والمجتمع, وبالتالي شاعت الانتقائیة المریضة والواسطات
والمحسوبیة والرشاوى في انتقاء الكثیر من عناصر تلك الاجھزة, بدلا من ان تكون متاحة للجمیع وللعناصر المھنیة والوطنیة في
الانتماء ألیھا, وبالتالي اصبحت تؤدي وظائف قمعیة لا حمائیة للمواطن. صحیح ان ھذه الاجھزة لھا في جذور القمع في العراق تاریخ
إلا ان وظاائفھا یفترض ان تختلف جذریا عن حقب ماضیة وخاصة في المجتمعات 2003طویل ولیست ولید نظام المحاصصة ما بعد
التي ترغب في بناء نظام العدالة الاجتماعیة والدیمقراطیة.
وبدل ان تتحول ھذه الاجھزة الحساسة الى امكنة مھنیة وعادلة وحامیة للمواطن, اصبحت ھذه الاجھزة امكنة لمن یمارس التعذیب
والقتل والاھانة لمن یرید الاحتماء بھم, وبات الكثیر من منتسبیھا یحمل الصفات السیكولوجیة لممارس التعذیب والعنف دون وجھ حق,
ولعل ابرز تلك الصفات المستواحاة من الادبیات النفسیة ھي:
ـ السادیة: وھي تعني استمتاع الشخص برؤیة الآخرین وھم یتألمون وحصولھ على نشوة نفسیة من القیام بتعذیب الآخرین، وھذه 1
السادیة تعتبر اضطرابا شدیدا في الشخصیة یجعلھا تسعى نحو إذلال الآخرین والتنكیل بھم، والشخصیة السادیة لا تستطیع العیش إلا
بھذا الاسلوب. وھذه الصفة قد تكون في الأمرین بالتعذیب او المنفذین لھ.
ـ المسایرة: ھذه الصفة قد تكون مستغرَبةً ومتناقضةً مع الصفة السابقة، ولكنھا ضروریة جدا لمن یقومون بالتعذیب، فھم یستجیبون 2
لأوامر رؤسائھم استجابة تتسم بالاستلاب والخضوع والمسایرة، ولا یناقشون ھذه الأوامر ولا یعرضونھا على عقل واع أو ضمیر
حي، فھم في ھذه الحالة یطیعون رؤساءھم طاعة عمیاء وینفذون أوامرھم في التعذیب دون بصیرة، وغالبا ما یكون ھؤلاء المسایرون
فیھ مصلحة للبلد أو للبشریة أو لقضیة ما. المنفذون من أصحاب الذكاء المحدود والثقافة الضحلة أو المنعدمة، ومن الذین یسھل إقناعھم واستھواؤھم والإیحاء لھم بأن ما یفعلونھ
ـ الشخصیة السیكوباتیة: وھي شخصیة مضادة للمجتمع لا تحترم قوانینھ ولا قیمھ ولا أعرافھ، وھي شخصیة عدوانیة لا تعرف 3
الإحساس بالذنب أو الندم ولا تتعلم من تجاربھا السابقة ولا تعرف الشفقة أو الرحمة أو العدل أو الكرامة، وكل ما یھم ھذه الشخصیة ھو
تحقیق أكبر قدر من اللذة حتى لو كانت ھذه اللذة مبنیة على أكبر قدر من الألم الذي یصیب الآخرین. والسیكوباتي لیس بالضرورة لصا
بل أحیانا تجد ھذه الصفات في رؤساء أعتى الدول وفي مسئولین كبار، وفي ھذه الحالة نجد الصفات السیكوباتیة مغلفة بقناع من
الدبلوماسیة والنعومة ولھذا یطلق على ھذا النوع السیكوباتي المھذب, ھو أخطر من السیكوباتي العنیف الظاھر العنف لأن الأول یحمل
كل صفات السیكوباتیة مضافة إلیھا صفات الخداع والتستر وھذه الشخصیة تتسم بالانتھازیة والبراجماتیة، والقانون والأخلاق لدیھا
كلمات لیس لھا معنى أو وجود وھي تستخدمھا فقط حین تجد في مصلحتھا ذلك.
ـ الشخصیة البارانویة: وھي شخصیة متعالیة متغطرسة ترى في الجمیع أعداءً لھا، وتتوقع النوایا السیئة والأفعال السیئة من الناس، 4
لذلك فھي تتسم بسوء الظن وتلجأ إلى العدوان الاستباقي أو الوقائي وتبرر ھذا العدوان بأنھ لحمایة نفسھا أو غیرھا من الإرھاب أو
أو كرامة ولن تأخذھا الرحمة أو الشفقة بھا لأنھا تعتبر الجمیع شیاطین أو حشرات صغیرة تستحق السحق والتعذیب والإذلال. الأذى المتوقع من الغیر (الأشرار دائما في نظرھا)، وھذه الشخصیة تحتقر الآخر وتسحقھ إذا استطاعت وبالتالي فلن ترعى لھ حرمة
ـ التبریر: وھو أحد الدفاعات النفسیة التي یستخدمھا المعذِّبون” من غیر الانواع السابقة ” لكي یقوموا بالتعذیب وھم مرتاحو الضمیر، 5
فمثلا یعتبرون التعذیب وسیلة مشروعة لتحقیق الأمن لبقیة الناس أو لانتزاع اعترافات مھمة تؤدي إلى تحقیق السلام” في نظر امریھم
او قادتھم “, فھم في النھایة یربطون التعذیب بقیمة وطنیة أو أمنیة تسمح لھم بقبولھ والتفنن فیھ.
قد یكون الأمر مفھوما أن یقترب الفرد من حالات المرض العقلي او اضطراب شخصي فیرتكب افعالا تضر بالأخرین, وتكون ھذه
الصفات الخمسة اعلاه او بعض منھا قد استحوذت على سلوكھ ودفعتھ لأرتكاب جرائم ألحاق الاذى او تعذیب الآخرین, ولكن الاخطر
عندما یكون فعل التعذیب والاھانة والمساس بالكرامة عمل مؤسساتي تقوم بھ اجھزة محسوبة على كیان الدولة, فأن الامر اشد خطورة
وتھدیدا للدولة والمجتمع, وھنا تلعب العقائد المتحجرة والطاعة العمیاء والتصدیق على قرارات غیر عادلة ومبھمة دورا خطیر وكبیرا
في حرف مھنیة الاجھزة الامنیة وتوظیفھا لصالح فئات واحزاب ومصالح مختلفة لا صلة لھا بالأمن المجتمعي. أن سیطرة الدولة على
كافة الاجھزة الامنیة والدفاعیة كان ولایزال وسیبقى واجبا لا یمكن المساومة علیھ ابدا, وسوق من تسول لھ نفسھ في العبث بالاستقرار
الاجتماعي او التجاوز على الابریاء الى العدالة لینال جزائھ, اما خلاف ذلك فأن القدر المجھول ینتظر الجمیع.

وسوم :