بدیھة الاستقرار

علي علي
في أرض عُلِم أنھا أرض الحضارات ومھبط الأنبیاء والرسل، عُلِم أیضا أنھا محط أطماع أٌقوام وأمم عبرت البحار
والجبال على مر العصور، للوصول الیھا والاستحواذ على ما فوقھا وما في باطن أرضھا، تارة تحت مسمى الفتوحات،
وأخرى تحت مسمى العائدیة، وثالثة تحت مسمى التحریر، وبتحصیل حاصل من كل ھذا شاء قدر سكان ھذي الأرض أن
یعیشوا تحت اضطراب وقلق مستمرین، على أیدي أشرار وافدین الیھم من غیاھب الأرض ومتاھاتھا.
وظل ھذا الحال ملازما لحیاة السكان الیومیة قرونا طویلة، تخللتھا بین الفینة والأخرى بضع سنین تنفسوا خلالھا
الصعداء بفعل بطل أسطوري، تمثل لھم بشخص حاكم او سلطان مسك زمام أمور ھذي الأرض وأحسن صنیعا فیھا،
ولسوء حظھم أن الأخیر ھذا سرعان مایرحل ویعود الاضطراب والقلق أشد من سابق عھده. وھناك نظریة بدیھة تخضع
لھا كل ظواھر الحیاة، تلك النظریة تنص على أن الطبیعة تمیل دوما الى الاستقرار، فالریاح العاصفة لابد لھا من ھدوء،
والبركان لابد لھ من خمود، والأعاصیر لابد لھا من سكون، وكذا الحال مع باقي ظواھر الحیاة.
بعد عقود الجور والدكتاتوریة والظلم، وسني القمع والبطش والكبت، والحروب والحصار والحزب الواحد والقائد
الأوحد، ھبط من السماء الأمریكیة وحي الدیمقراطیة، مبشرا ولیس نذیرا، فقد بشرنا بأدواتھا ولم ینذرنا بتداعیات سوء
استخداماتھا، وفي جمیع الأحوال (أنعم الله من الأجاوید) فقد أزاحوا صنما كان قد نأى بالعراق والعراقیین بعیدا عن ركب
الحضارات الغربیة والشرقیة عقودا، فبین لیلة وضحاھا وبعد ان كان العراق مركونا فوق رفوف الحصار مكبل العقول
والطاقات والقدرات، ناھیك عن كبحھا وتعطیلھا المتعمد، فاذا بإطلالة عام 2003 واذا بالحریات تنھمر علیھ كالسیل
الجارف، وبذا تكون نظریتنا التي ذكرتھا بدءًا فُصِّلت للعراقیین (تفصال) فاصبحوا یمیلون الى الاستقرار على ضوئھا.
ومعلوم ان الفرد لایشعر باستقرار في بلده إلا إذا توافرت لھ جملة حیثیات، منھا وأھمھا الضمان، وھذا بدوره تندرج تحتھ
مسمیات عدة أھمھا حلول الأمن واستتبابھ، وعند توفیره لھ على الدوام ومن دون غبن او غدر، یشعر الفرد بالتصاقھ بتربة
وطنھ، حیث ان الضمان یحقق لھ كیانا ووجودا وشعورا بان لھ حضورا دائما لدى حاكمیھ ومسؤولیھ، ومن غیر ذاك الضمان
فھم جلادوه وسجانوه. فضمان أمن المواطن حق على الحكومة ان ترعاه، لیرعى -بالمثل- الواجبات المنوطة على عاتقھ
تجاھھا.
لو قلبنا صفحات تاریخ العراق القدیم والحدیث، تبین لنا أن القلق والاضطراب اللذین أشرت الیھما، كان أغلبھما تجلبھ
ریاح الشر من خارج الحدود، غیر أن المنظر لأحداث العراق بعد عام 1963 یلمس أن ریاح الشر تلك لم تكن تعبر
الحدود لولا الأجواء الملائمة لھا داخلھا، كما أنھا لم تكن شرورا بفعل خارج عن إرادة البشر، بل ھي من صنع البشر
وحیاكتھ وصیاغتھ وسباكتھ، بشكل یتلبس واقع الحال العراقي حسب تقلبات الظرف ومستجداتھ، ولاسیما بعد سقوط النظام
السابق، فاضطرابات السنة الأولى بعد سقوطھ لم تكن كاضطرابات عام 2005 ..وكذلك اضطرابات عامي 2006 –
2007 لم تكن كمثیلتھا في الأعوام 2008 -2009 -2010 ..والفرق ذاتھ بعد انتھاء الاحتلال وخروج آخر جندي
امریكي من العراق في دیسمبر2011 ..واللافت للنظر ان الاضطرابات لم تكن تتمحور بشخص قائد او سیاسي بعینھ، كما
كان بعضھم ینحى باللائمة على رئیس الوزراء، ولو كان الأمر كذلك لانتھت الاضطرابات بانتھاء مھمتھ، لكنھا أخذت
قالبا آخر ونمطا ثانیا مع معطیات رئیس الوزراء اللاحق، وإن كان بعضھا -الاضطرابات- قد خفت وتیرتھ، فإن بعضھا
الآخر ازداد حدة ونكوصا وخطورة وتداعیات، الأمر الذي إن دل على شيء فإنما یدل على عزم جھات -داخلیة بالدرجة
الأساس- للإبقاء على القلق والاضطراب في الساحة العراقیة، سواء أكان المالكي حاكما أم العبادي أم من أخلفوھما!.
وقطعا ھذا لغایة في نفس یعقوب قضاھا، ولو أسلمنا الأمر لتلك الجھات فإن نظریة میل الطبیعة الى الاستقرار تكون
معطلة في العراق وغیر قابلة للتطبیق.
a

وسوم :