مزيد من القروض مزيد من الارتهان

جاسم الحلفي

يجري وزير المالية السيد علي علاوي محادثات مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قرض مالي قيمته 6 مليارات دولارات، حسبما ذكرت وكالة “بلومبيرغ”.
وذكرت وكالة “رويترز” من جانبها ان المبلغ عُرّف وفق طلب الحكومة العراقية، على انه “مساعدة طارئة بموجب أداة التمويل السريع بترتيب طويل الأمد، لدعم الإصلاحات الاقتصادية المخطط لها”.
والسؤال هنا هو: عن أية إصلاحات يتحدث الوزير؟ هل ما زال يعتقد ان “الورقة البيضاء” هي خريطة الطريق نحو الإصلاح وطريقه القويم؟ وينسى ان التفاؤل الذي اريد له ان يكون غطاء لتمرير مشروع الاقتراض الداخلي والخارجي، هو واقعا مخدر وقتي انتهى مفعوله؟
يبدو ان العمل يجري على قدم وساق لرهن العراق لدى صندوق النقد الدولي، الذي يفرض الالتزام بقيوده التي “ستجبر الحكومة العراقية في المستقبل على رفع الدعم وتوسيع القاعدة الضريبية للأجور، وزيادة تسعيرة الكهرباء، وفرض ضرائب على رواتب الموظفين، وزيادة أسعار الوقود، وغيرها من الإجراءات المجحفة والمؤلمة بالنسبة للعراقيين الذين يعانون الأزمات)، حسب تصريح مسؤول عراقي لجريدة “العربي الجديد”.
معلوم ان صندوق النقد الدولي ليس جمعية خيرية، وانما هو مؤسسة مالية لخدمة الرأسمال المالي العابر للجنسيات، وسبق لشروطه ان دمرت البلدان التي أجبرت على الاقتراض منه، والتي نتج عنها من بين ما نتج، ازدياد الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، وتفاقم الفقر الفاحش والمذل! فأي مستقبل ينتظر العراق واقتصاده وموارده في اطار منهج التوحش هذا الذي يحاول الوزير جرّ العراق اليه.
يبدو ان قانون الاقتراض واضعاف قيمة الدينار العراقي هو بداية طريق رهن العراق، وها قد جاء العجز البالغ 72 ترليون دينار في موازنة 2021 بحجم 164 ترليون دينار، ليؤكد الإصرار على نهج الخراب هذا. وما المادة (47) من مشروع قانون الموازنة، التي تمنح الوزارات صلاحيات واسعة لبيع اصول الدولة العقارية والصناعية والزراعية وغيرها، الا الدليل على نهج الليبرالية المتوحشة، الذي اختطه وزير المالية وسارت عليه الحكومة، حيث التفريط بتلك الأصول والممتلكات التي ستتلاقفها حيتان الفساد بابخس الاثمان.
وطبيعي الا يكترث النهابون بقطاعات الصحة والتربية والتعليم. فهذه لم تتجاوز حصتها من الموازنة 4,5 في المائة، حيث بلغت 8 تريليونات دينار عراقي فقط. وليست قطاعات الصناعة والزراعة وغيرها ورغم أهميتها ايضا، في حال احسن. فالمهم هو الحفاظ على تخصيصات الوقف الشيعي البالغة 825 مليار دينار، والوقف السني 360 مليارا، مع ان لدى الوقفين إيراداتهما الخاصة وما يمتلكان من عقارات، رغم كل ما قيل ويقال عن الفساد في إدارتهما.
وإذ لا يتسع المجال هنا لذكر امثلة كثيرة، فلا بد من الإشارة الى التخصيص المالي غير المبرر والبالغ 21 تريليون دينار، لمصروفات غير ضرورية، منها برامج خاصة لدوائر الدولة واحتفالات ومهرجانات وبرامج روتينية سنوية، فيما يعيش المهمشون والفقراء وذوو الدخل المحدود والقطاع غير المنظم في أوضاع مأساوية. وهو ما يبيّن ان وعود محاربة الفقر والعوز ليست سوى كلام مجرد.
وان ما يترشح من النقاشات البرلمانية لا يتجاوز التركيز على الابعاد الشكلية والمالية والقانونية، فيما تُغيّب عن قصد الأبعاد السياسية والآثار الاجتماعية، وضرورة مراعاة العدالة في توزيع الموارد المالية.
ويبدو ان البعد المالي في الموازنة يتعلق بتحديد حجم الإنفاق وحجم الوارد وحساب العجز، ثم يتم توزيع الموارد بين الوزارات على اساس المحاصصة، وكأنها اقطاعات تابعة للكتل. في حين ان البعد الاجتماعي يتطلب ترتيب الأولويات العامة لمواجهة الفقر والامراض والامية، ولتأمين كل ما يحفظ كرامة الانسان وحقوقه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة “طريق الشعب” ص2
الخميس 28/ 1/ 2021

جاسم الحلفي

وسوم :