لقاح” جيريك ” ضد نافالني!

سلام مسافر
اقترح فلاديمير جيرينوفيسكي علاجا؛ يحد من النشاط السياسي لمناصري المعارض رقم واحد، اليكسي نافالني.
يتلخص الاقتراح، بفتح بيوت دعارة رسمية، فيتاح للشباب” المكبوت جنسيا” تفريغ شحنته السياسية، وتلهيه عن التظاهر و” زعزعزعة استقرار” البلاد! باعتبار ان هز أسرة النوم، يمتص الهزة الاجتماعية.
الاقتراح يليق بزعيم الحزب الليبرالي الروسي، الذي تأسس بعد عامين من وصول ميخائيل غورباتشوف، الى الكرملين؛ خلفاللزعيم السوفيتيّ ، ليونيد بريجنييف، ويؤرخ لفترة حكمه على انها سنوات الجمود.
فمن هو جيرينوفيسكي المعرّف بالاعلام الغربي على انه ” زعيم قومي” فيما يصفه مواطنو روسيا الظرفاء بانه” عاهر سياسي“.
فِي مقابلة طويلة، كنت أجريتها، أواسط تسعينيات القرن الماضي، مع غينادي ياناييف ، نائب رئيس الدولة السوفيتيّة(1990-1991)، أبلغني ان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي ، بمبادرة من غورباتشوف وعضو المكتب السياسي، الكسندرياكوفلييف، قرر السماح بتأسيس حزب سياسي الى جانب الحزب الشيوعي ، والتحول عن نهج الحزب القائد الواحد.
وقال ياناييف ان الاختيار وقع على الشاب الناشط في منظمة الكومسومول ( اتحاد الشبيبية الشيوعية السوفيتية) فلاديميرجيرينوفيسكي فأسس الحزب الليبرالي الديمقراطي وحصل على ترخيص.
سالت يانايف( 1937-2010)لماذا وقع الاختيار بالذات على جيرينوفيسكي ، فاجاب بالحرف:
لانه مرتبط بالاجهزة الامنية.
واضاف:
ولانه قرقوز يمكن التحكم به!
وبالفعل، فمنذ ان ظهر “ابن المحامي من ام روسية” على المسرح السياسي، وهو يمارس العاب السيرك، بدءا من تصريحه الشهيران والدته روسية، ووالده محام، لاخفاء يهودية الاب؛ تعيش روسيا التي يصوت ما يتراوح بين 9 و13 بالمئة من ناخبيها لحزبه” القومي“مشاهد، تثير الضحك والتعليقات من النخب السياسية التي ترى في القرقوز القومي مادة للتنكيت.
إستطاع جيرينوفيسكي بفضل ألاعيبه القومية، الوصول الى قصور بعض الحكام العرب، وبشكل خاص الى الرئيس العراقي صدامحسين، والزعيم الليبي معمر القذافي، وحصل من بغداد وطرابلس على أموال طائلة، سواء عن طريق كوبونات النفط مقابل الغذاءفي عراق العقوبات والحصار، او من العقيد المغرم بالشعارات القومية، الداعم حتى لبنادق الجيش الإيرلندي السري، وحرمالليبيين من تعلم الانكليزية لغة العداء!
لعب جيرينوفيسكي، في سيرك السياسة العربية، بعد ان كسب تاييد قطاعات من الروس، تشعر بالإهانة التأريخية، إثر انفراط عقدالاتحاد السوفيتيّ وخروج روسيا خاسرة من الحرب الباردة.
غازل “ابن المحامي“، مشاعر الحنين للدولة العظمى، وسط الروس المحبطين، وحصل على نسبة مقاعد في مجلس الدوما ( البرلمان) الروسي تعادل تقريبا حصة الحزب الشيوعي الروسي، الذي يطرح أيضا شعار إحياء الدولة العظمى.
الشعار نفسه، صار على راس الخطاب السياسي لحزب ” روسيا الموحدة” المهيمن على الدوما وعلى الحكومة؛ ولم يتخلف حزب ” روسيا العادلة” المؤسس على أنقاض بقايا الشيوعيين المختلفين مع زعيم الحزب الرسمي؛ غينادي زيوغانوف عن رفع نفسالشعار .
ولأن إحياء ” الدولة العظمى” اصبح عنوانا لكل الاحزاب المنضوية تحت سقف الدوما، او المسيرة من الكرملين، على حد قولالمعارضة الليبرالية غير النظامية، فقد صعّد جيرينوفيسكي، من عيار الدعوة القومية، الى حد التلويح بانه معاد لإسرائيل، لاعباعلى مشاعر قديمة لدى قطاعات من الروس، ترى في سكان فلسطين المحتلة المهاجرين من الاتحاد السوفيتيّ السابق، أساسا لكلالمصائب التي حلت بوطنهم الروسي.
بيد ان سيرك العداء لاسرائيل، انقطعت حباله، حين زار جيرينوفيسكي، الدولة العبرية في رحلة للبحث عن قبر والده ( لفوفايساكوفيتش ايديليشتاين ) المهاجر السوفيتيّ اليهودي من كازاخستان السوفيتية الى ارض الميعاد.
واصبحت عبارة ” انا من ام روسية واب محام” احد اكثر النكات المتداولة في الشارع الروسي حتى بعد عثور فلاديمير على قبرالوالد ابن اسحاق في مقابر إسرائيل.
تخرج فلاديمير جيرينوفيسكي سبعينيات القرن الماضي في معهد اسيا وأفريقيا بموسكو ، باختصاص اللغة التركية وآدابها ، وسافراثناء الدراسة الى تركيا للتدريب؛ ضمن إتفاقية التبادل الثقافي بين موسكو وانقرة .
وفِي تركيا، تعرض الى الإعتقال على يد الشرطة التركية التي كانت تلاحق الشيوعيتين واليساريين حينها.
وقد القي القبض عليه وبحوزته صور لشاعر روسيا العظيم الكسندر بوشكين، يوزعها هدايا على زملائه الطلبة الاتراك.
ولان الجندرمة التركية لا تتفوق كثيرا في الذكاء على الشرطة المسلكية في البلاد العربية؛ فقد أعتبرت بوشكين، زعيما شيوعيا!
ليس من المعروف تماما، كم مكث جيرينوفيسكي في المعتقل التركي، الى ان تدخلت السفارة السوفيتيّة لاطلاق سراح المتدربالمبعوث من معهد الدراسات الشرقية ؛ فقد روى جيرينوفيسكي ” كفاحه” في تركيا، في مناسبات مختلفة وفِي كل مرة، يضيفالتوابل الهندية على الحادثة التركية!
لكن يستشف من كل رواياته؛ ان الجندرمة الاتراك؛ لم ” يفوتوا” الشاب الحليوة فلاديمير.
وواضح ان الاعتقال، بغض النظر عن مدته، ترك ” بصماته” على جسد ومشاعر وخاطر الزعيم القومي!
كانت إحدى آخر” دگات” الزعيم ، وهو يرتقي سلم المناصب النيابية؛ مع السفارة العراقية في موسكو، بعد إحتلال العراق.
فقد أستولى بالقوة، بصفته نائب رئيس مجلس الدوما؛ على المدرسة العراقية في العاصمة الروسية، وبعث بالشرطة لطرد معلمي وتلاميذ المدرسة، من المبنى الذي كان ” الزعيم القومي” باعه للحكومة العراقية ، اثناء الحصار، لقاء واحدة من صفقات النفطمقابل الغذاء وكوبونات ذلك البرنامج الشهيرة .
بعد الاحتلال ، وسقوط النظام، الغى الصفقة، وأستخدم سلطته، بلا سند قانوني، للاستيلاء على العقار ملك العراق. وانتقلتالمدرسة العراقية، الأقدم في أوروبا الشرقية التي تمول وتدار من قبل دولة عربية ،وكانت مفخرة الجاليات العربية في موسكو، حتىسنوات الحصار، الى بناية، تصلح للبيطرة وليس للتعليم، وتقاطر عليها مدراء أحزاب الفساد في العراق، وفقدت سمعتهاالمحترمة السابقة.
يطلق الروس على فلاديمير فولفوفيتش جيرينوفيسكي لقب
” جيريك“إستصغارا وسخرية، ويسود الاعتقاد ان ” الزعيم” يعمل بوقا لمهندسي السياسات في الكرملين ، كلما ارادوا قياس ردودفعل الشارع، او مدى تقبله او رفضه، لمشروع ما، يزرعون في فم ” جيريك” مقترحا، او فكره، يعلكها .
ان مرت الفكرة ولم تتعثر، اخذوا بها، وان فشلت، فان من لاكها هو “جيرك” وليس غيره! انه فقط بالون اختبار لا اكثر.
المؤكد ان مقترح شرعنة الدعارة، لم يوحى به لجيرك، فهو متمكن من قذف هذه الأفكار بنفسه .
لكن توقيت الإقتراح ، قبل يوم واحد من التظاهرة المزمعة لأنصار نافالني، تعكس مدى قلق جيرينوفيسكي وحزبه، من ان يمتدفضول “صندوق مكافحة الفساد” الى ملفات الفساد لأملاك وشركات ” جيرك” في طوال روسيا وعرضها، بفضل الخصخصة مطلعتسعينات القرن الماضي، والتي وصفها محافظ موسكو السابق يوري لوجكوف بانها أكبر عملية سرقة لممتلكات الدولة في التاريخ.
قطعا، لن يستجيب الكرملين الذي أدخل مؤخرا تعديلات على الدستور، تعزز دور مؤسسة الزواج والاسرة، في المجتمع، ولا تسمحبزواج المثليين، وتحرص على القيم المحافظة؛ لمقترح القرقوز.
انه واحد من طلعات “جيرك” الكثيرة وغالبيتها، تثير عاصفة من النكات .

وسوم :