قرارات بايدن الجديدة.. تصحيح للمسار أو تضليل للأعداء؟

عادل الجبوري
إذا كان هناك من يقول إن خطوات بايدن تندرج في إطار تصحيح المسار، وهو ما قد يكون صحيحاً إلى حد ما، فإن من يذهب إلى أن تلك الخطوات يمكن أن تكون في جانب منها تضليلاً لأعداء واشنطن وخصومها.

خلال الأيام الأولى من ولايته الرئاسية، اتخذ الرئيس الأميركي الجديد جوزيف بايدن خطوات وقرارات تنطوي على أبعاد مهمة في ما لو تمت قراءتها بدقة وعمق، وارتباطاً بما يمكن أن تفضي إليه من مخرجات تختلف كثيراً عن مخرجات خطوات وقرارات مختلفة أقدم عليها سلفه السابق دونالد ترامب.

أول هذه الخطوات – القرارات كان الشروع بمراجعة قرار ترامب إدراج حركة “أنصار الله” اليمنية وعدد من أبرز قياداتها في قائمة المنظمات الإرهابية.

وكان متحدث باسم الخارجية الأميركية قد صرح في 22 كانون الثاني/يناير الجاري بأن “الوزارة بدأت بمراجعة تصنيف جماعة الحوثي في اليمن منظمة إرهابية، وأنها تعمل بأسرع ما يمكن لإنهاء العملية واتخاذ قرار”، بعد أن أكد وزير الخارجية الجديد أنطوني بلينكن في وقت سابق “أن واشنطن ستراجع التصنيف الذي يخشى مسؤولو الأمم المتحدة وجماعات الإغاثة أن يؤثر في حركة التجارة في اليمن الذي يشهد مجاعة واسعة النطاق”.

وبقدر ما بعث قرار ترامب ضد حركة “أنصار الله” الارتياح في أوساط القرار السياسي السعودي والإماراتي، فقد أثار توجه بايدن استياء واضحاً في كل من الرياض وأبو ظبي، لأن الأخيرتين تبحثان عن أي خطوة وإجراء من شأنه إضعاف جماعة “أنصار الله” وتحجيمها، وبالتالي تخليصهما من المستنقع اليمني الذي سقطا فيه منذ ما يقارب ستة أعوام، من دون أن تجدا سبيلاً للخروج منه.

الخطوة الأخرى لبايدن، والتي زادت الطين بلة بالنسبة إلى الرياض وأبو ظبي، تمثلت في إيقاف مبيعات الأسلحة لهما، وهو ما أقر وفقاً لصفقات بمليارات الدولارات في عهد ترامب.

الإدارة الأميركية الجديدة حاولت التقليل من أثر تلك الخطوة وخطورتها، معتبرة أنها إجراء روتيني، إذ قال مسؤولون كبار في الخارجية: “كما هو معتاد أثناء انتقال الإدارات الرئاسية الأميركية، توقف الوزارة مؤقتاً تنفيذ بعض عمليات النقل والمبيعات الدفاعية الأميركية المعلقة في إطار المبيعات العسكرية الخارجية والمبيعات التجارية المباشرة، للسماح للقيادة القادمة بفرصة المراجعة، وهو إجراء إداري روتيني نموذجي لمعظم عمليات الانتقال، يُظهر التزام الإدارة بالشفافية والحوكمة الرشيدة، فضلاً عن ضمان تلبية مبيعات الأسلحة الأميركية لأهدافنا الاستراتيجية المتمثلة في بناء شركاء أمن أقوى وأكثر قابلية للتشغيل البيني”.

الخطوة الثالثة لإدارة بايدن كشف عنها موقع “دبلوماتيك” الإخباري، وهي أن هناك نية أو قراراً حاسماً بتعيين الدبلوماسي روبرت مالي مبعوثاً خاصاً لإيران، وهو ما يمكن أن يواجه بالرفض من قبل أوساط في الحزب الجمهوري واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية، وأن يلقى استياء كبيراً من قبل تل أبيب، نظراً إلى أن المعروف عن مالي، الذي كان مستشاراً للرئيس الأسبق باراك وأوباما، ومساهماً رئيسياً في صياغة الاتفاق النووي مع إيران، وعضواً في فريق التفاوض، مواقفه المتشددة ضد “إسرائيل” ومرونته حيال إيران.

وقد تعرض الدبلوماسي المذكور لموجة انتقادات من بعض الجمهوريين في الكونغرس والجماعات الموالية لـ”إسرائيل” حين تردد اسمه لأول مرة كمرشح رئيسي للمنصب، بحجة أنه قد يكون متساهلاً مع إيران وصارماً مع “إسرائيل”.

إلى جانب ذلك، لاحت في الأفق مؤشرات على رغبة بايدن في تخفيف حدة التوتر مع المنافس الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، المتمثل بالصين، وحلحلة الملفات والقضايا العالقة بعيداً من التصعيد الإعلامي والسياسي، وعبر الوسائل والقنوات الدبلوماسية الفاعلة.

النظرة الأولى والقراءة الإجمالية لمجمل تلك الخطوات والقرارات، يضاف إليها التلميحات الإيجابية عن التوجه للعودة إلى الاتفاق النووي مع طهران، وقبل ذلك العودة إلى اتفاق باريس للمناخ، وإنهاء تجميد عضوية واشنطن في منظمة الصحة العالمية، توحي بوجود نية جادة لدى الإدارة الأميركية الجديدة لتصحيح المسارات الخاطئة للإدارة السابقة، علماً أن ما قام به بايدن حتى الآن قوبل بارتياح وترحيب من مختلف المحافل والأوساط الدولية، كالاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وقوى أخرى، مع توجس واستياء من قبل أطراف قليلة كانت تقدر أن سياسات ترامب تنسجم مع مصالحها وتتوافق مع حساباتها.

ولكن وراء هذه النظرة والقراءة الإجمالية، تبرز نظرات وقراءات أكثر عمقاً ربما تبدد وتقلص بعضاً من مساحات التفاؤل، وهي تنطلق من حقيقة أن السياسة الأميركية ببعدها الاستراتيجي تستند إلى ثوابت ومبادئ معينة لا يمكن لأي كان في البيت الأبيض أن يقفز عليها ويتجاوزها، مع الاستفادة من هامش صغير يتيح له إظهار وتوظيف الاختلاف عن خصمه أو خصومه السابقين لتعزيز حضوره السياسي وقاعدته الجماهيرية بدرجة أكبر، فبايدن، وإن أغضب تل أبيب واللوبي الصهيوني وجماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة، ولكن من المستحيل أن يقدم على خطوات من شأنها أن تهدد أمن الكيان الصهيوني وتعزز موقف أعدائه. على سبيل المثال، من المستبعد جداً أن يعيد السفارة الأميركية في “إسرائيل” إلى تل أبيب بعد أن نقلها ترامب إلى القدس.

وإذا كان هناك من يقول إن خطوات الرئيس الأميركي الجديد تندرج في إطار تصحيح المسار، وهو ما قد يكون صحيحاً إلى حد ما، فإن من يذهب إلى أن تلك الخطوات يمكن أن تكون في جانب منها تضليلاً لأعداء واشنطن وخصومها لم يجانب الصواب، ولا سيما أن بايدن – وغيره – ليس قادراً على تفكيك الملفات المتداخلة وترتيب الأوراق المبعثرة والخيوط الشائكة في ظل وجود مراكز قوى متعددة وأزمات معقدة ومصالح متقاطعة داخلياً وخارجياً.

في كل الأحوال، إن تبديل المواقع في واشنطن والنزوع نحو التهدئة ومراجعة السياسات لا تخلو جميعها من فائدة، في وقت يسود المشهد العالمي الاضطراب والفوضى والارتباك في شتى مساحاته وزواياه.

وسوم :